أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 14 ديسمبر 2017

غادة السّمّان.. لماذا؟

https://goo.gl/dRpUxS
بقلم :همام يحيى
مدونات الجزيرة

نجحت غادة السّمّان مرّة أخرى في إثارة الجدل، وإن كان هذه المرّة صورةً باهتة عمّا كانَه يومَ نشرت رسائل غسّان كنفاني إليها. إذا ما أخذنا في الاعتبار الفرق في وسائل التّواصل والتّعبير بين الزّمنين، فسيتبيّن لنا أنّ ضجّة "أنسي" لا تُذكَر مقارنة بضجّة "غسّان". تخيّل لو كان هناك فيسبوك يومَ نشرت رسائلَ غسّان.

لا أريد التّورّط في المساواة بين الأمرين بطبيعة الحال، فرسائل غسّان طويلة وممتدّة، وغسّان مناضلٌ ارتبط بالقضيّة الفلسطينيّة نشاطا سياسيّا وأدَبا كذلك، أمّا أنسي فالرسائل محدودة والفترة قصيرة في حدود ما نعرف، وهو شاعرٌ لطالما نُظِرَ إليه باعتبارِه نخبويّا مفرِطا في النّخبويّة، فليس أديبا مرتبِطا بقضيّة ولا بجماهير.

تُرى هل تُريدُ الأديبةُ أن يُحبَّها الأديب لأنوثتِها أم لأدبِها؟ يمكنُ أن نجيبَ بحسنِ نيّة: لماذا لا يُحبُّها لكليهِما؟ الأمورُ أعقدُ من ذلك للأسف
لكن رغم ذلك كلّه، يظلّ الفرق بين الحدثين مثيرا للتأمّل. تزامنَ نشرُ رسائل غسّان مع تسارعٍ كبيرٍ في مسيرة تصفية قصصنا الكبرى، فالقضيّة الفلسطينيّة التي استُشهد من أجلها غسّان كانت قد شرعت في طريق أوسلو، وكان العراق قد بدأ مرحلة التدمير والتّفسيخ، وكان الاتّحاد السوفييتي قد انهار حديثا، وكان ما يزال ثمّة بقايا لحديثٍ عن ذكورة صافية أو رجولة يُمكن أن يهدّدَها نشرُ رسائل يبدو فيها المناضل بشرا ضعيفا مستكينا يتوسّل لامرأة أن تكتب له، وكان ما يزال ثمّة متّسَعٌ للحديث بحنَق عن أخلاقيّات وخصوصيّات وصورٍ ذهنيّة صافية لا يجوزُ أن تُخدَش ومثاليّات لا يجوز أن تُمَسّ.

أما اليوم، فتبدو غادة متأخّرة جدّا عن الزمن، إذ تنشرُ الرّسائلَ في زمن أصبحت فيه خمسة أقطار عربيّة كبرى على الأقلّ أسماء بلا مسمّيات، والفلسطينيّ الذي كان يصولُ ويجول حيث عاش غسّان اضطراريّا أصبحت تُبنى حولَ مخيّماتِه جدرانٌ فاصلة، والقضيّة الفلسطينيّة نفسُها تبدو ظلّا باهتا لما كانته يومَ كان رجالُها وثوّارُها وأدباؤها وشعراؤها يجوبونَ العالم شرقا وغربا وتحملُهم "الثورة" و"القضيّة" على أعناق الجماهير وإلى صفوة المنابر.

تنشرُ غادة رسائلَها في زمن انتشرت فيه مقولات "النّسويّة" بغثّها قبل سمينِها، وصار فيه من المَعيب أن تُشيرَ ولو مجرّد إشارة إلى أنَّ كونَ امرأةٍ ما امرأةً ساهمَ ولو بدور بسيطٍ جدّا في فِعل فعلتْه أو قولٍ قالته أو موقف اتّخذته، وفي زمنٍ ذابت فيه الفوارق بين الرّجولة والذّكورة والذكوريّة، بحيثُ صارَ أكثرُ الرّجال يخشونَ أن يُضبَطوا متلبّسين بسلوكٍ أو قولٍ أو موقفٍ يخدشُ رهافة المرهَفات وتربّصَ المتربّصات.

تنشرُ غادة رسائلَها في زمن يمكن فيه بضغطة زرّ خاطئة أو غير مقصودة أن تنشرَ محادثةً خاصّة أو صورا بالغة الخصوصيّة ويراها الآلاف في ثوانٍ، وتنطلُق بعدَها كالرّصاصة التي لا يمكنُ لا إيقافُها ولا إرجاعُها.. في زمنٍ يُمكن فيه لمجموعة من مجانين نافذين في فيسبوك أن يفضحوا نسبة محترمة بالمئة من سكّان الكوكب.

قيمة رسائل أنسي تكمنُ في شيء واحد بالأساس: أنّ من نشرتْها هي نفسُها من نشرتْ رسائلَ غسّان يومَ كان الزّمانُ غيرَ الزّمان. لولا رسائل غسّان، لما كانت رسائلُ أنسي لتُثير فينا أكثر من  إعجاب بجمالِ لغتِها، وبنزقِ الشّاب الذي يقول: "إنني أجملُ وأفضلُ وأعلى من عصري".

حُبّ الأدباء:
مجتمع الأدباء ذو سِماتٍ خاصّة يعرفُها من اقتربَ منه ولو قليلا. الأدبُ نفسُه حالة مضطربة من رؤية الوجود والتّفاعل معه، إذ تذوب الحدود لدى الأدباء بين الحقيقة والخيال، والواقع والواجب، والإفصاح والاختباء خلف الاستعارات والمجازات والكنايات، والأدباء امتدادٌ بقدرٍ أو آخرَ لهذه الحالة.

ثمّة توجُّسٌ شديد لدى المرأة تجاه الأديب إذا أحسّت منه انجذاباً نحوَها، وتعرف ذلك كلُّ من تقرّب منها شاعرٌ بالذات. ثمة تخوّفٌ قد يصحّ أو يكذبُ مفادُه أنّ الأديبَ مهجوسٌ دائما بالبحث عن موضوع جديد للقصيدة القادمة أو للرواية التّالية، وهناك اعتقاد شائع -لستُ بصدد نفيه أو تأكيدِه- أنّ الأديبَ مستعدّ دائما للتضحية بما لديه وما هو حقيقةٌ في واقعِه من أن أجلٍ أن يظفرَ بمضمونٍ يمكنُ استخدامُه في عملٍ أدبيّ. الأدباء متّهمون باستمرار بأنّ أحدهم يمكن أن يضحّي بعلاقة رائعة من أجلٍ أن يعيش حزنا لائقا بقصيدة أو مأساة لائقة برواية.

والعكس ليس أقلّ إثارة للتوجّس، فالمرأة التي تجدُ نفسَها موضِعا لإلهام الشّاعر ومُثيرة لشاعريّتِه وُمجرِيةً لقلمِه، تخشى ان تؤولَ امرأة عاديّة إذا انتقلت من اشتعالات الإلهام إلى برودة اليوميّ، ومن ضبابيّة الرغبة المشتَهاة إلى وضوح الواقع الممتلَك، ومن الصّورة الغائمةِ المُحاطةِ بالهالات حين "تَحبِكُ" لحظة الكتابة إلى الصورة الرتيبة حينَ يكونُ شيطانُ الكتابة في سباتِه.

لذا، تعلّمتِ الحكيمات من النساء ما مفادُه: ارضَي بمكانك الأوّل في حياةِ الأديب أو انسحبي منها، لكن لا تطمعي في الدّورين معا. إذا وجدتِ نفسَكِ في إلهامِه وقصيدتِه فلا تطمعي في حياتِه، وإذا وجدتِ نفسكِ في حياتِه فلا تطمعي في القصيدة. ولأنّ هذا ما تعلّمتْه حكيمات النّساء عبر الزمن فلا دورَ لي في إثباتِه أو دحضِه، لكنّ لكل حكمة استثناءات بطبيعة الحال.

يُضافُ لذلك شعورٌ غامضٍ لدى من يكتبُ لها الأديبُ أنّه لا يكتبُ لها، بل يُخاطبُ امرأة كونيّة يراها حالّة فيها أو متلبّسةً بها. بقدر سعادةِ المرأة التي تجدُ نفسَها موضِعا لتجلّي هذه الأنثى المطلقة، فإنّها تظلّ مرتبِكةً إزاء شعورِها بالزّيف، شعورِها بأنّها مُخاطَبة بالكلام، لكن غيرُ مقصودةٍ به.

والأديب؟
أما الأديبُ فهو بدورِه ليس أقلّ توجّسا من النّساء وحبّهنّ، وهاجسُه الدائم هو التّساؤل عمّا إذا كانت المرأة تحبُّه أم تحبُّ صورتَها في أدَبِه، عمّا إذا كانت تراهُ كائنا من لحمٍ ودم أم مرآةً تُريدُ أن ترى نفسَها فيها، عمّا إذا كانت ستبقى بجوارِه حين يكونُ نزِقا نكِدا حادّ المزاج أم ستأخذُ قصائدَها وتمضي. لذا حفظْنا تحذيرَ درويش عن ظهر قلب:

هي لا تُحبُّكُ أنتَ
يُعجبُها مجازُكَ
أنتَ شاعرُها 
وهذا كلُّ ما في الأمر ..

وقال همّام:
والجميلةُ لا تحبُّ سوى المرايا
أو رجالا كالمرايا
لذلك كلّه ولغيرِه، حبّ الأدباء مغامرةٌ خطِرةٌ لطرفيها، إذ يدخُلانِها بتوجّس، ويعيشانِ فيها أجملَ لحظات الاحتراق، وأقسى لحظاتِ الضّجَر، واحتمالاتُ النّهاية والمآل مفتوحةٌ على كلّ المصاريع.

لكن ماذا عن الأديبة؟
ربّما يتخيلُ كثيرون غادة وهي تبتسمُ ابتسامة مكرٍ أو انتصار وهي تنشرُ رسائلَ رجال ينكسرونَ أمامَها ولها، لكنّي أشعرُ تجاهَها بالحزن
وجود أديبة أو شاعرة في وسطِ الأدباء بحدّ ذاتِه حالة قلِقة وشديدة التوتّر. شئنا أم أبينا، أكثرُ الأدباء في التّاريخ والحاضر وفي سائر المجتمعات من أقصى الشّرقِ إلى أقصى الغرب من الرجال. هذا يجعلُ الأديبة تبدأ من موقعٍ مختلفٍ تماما، سواءٌ أكان تفوّقُ الرّجال في الأدب ناتِجا عن ظلمٍ تاريخيّ، أو صورٍ نمطيّة، أو طبيعة الأدب، أو طبيعة المرأة، أو بعض ذلك أو كلّه، فهو في النهاية واقع. واقعٌ على الأديبة أن تتحدّاه.

قولُ هذا أسهلُ بكثير من ممارستِه. فإذا وُجِدَ في الوسطِ الأدبيّ من يُشجّعُ المرأة فهي بين أن تقبلَ التّشجيعَ لأنّ الجميع يحتاجونَه بما في ذلك الرّجال، وبين أن ترفضَ التشجيعَ لأنّه قد يشي بشفقة مبطّنة لا تريدُ من غيرها أن يشعرَ بها تجاهَها. وهي كذلك بين أن تقبلَ الإعجابَ والتّقدير باعتبارِها مستحقةً له، وبين أن تتوجّس منه باعتباره محاولة خفيّة للعبور إليها عن طريق أدبِها. إذا كتبتْ أدبَها بصوتِ امرأة، اتُّهِمَت بأنّها لا تستطيعُ أن تخرج من إطارِ أنوثتِها لتكتبَ أدبا غيرَ نسويّ، وإذا كتبتْ أدبا غيرَ نسويّ، تساءلَ النّقادِ عن غيابِ صوتِها الخاصّ وهواجِسِها الحميمة. المرأة في الوسط الأدبيّ في حقلِ ألغامٍ مزروعة في كلّ اتّجاه.

وماذا لو أحبّها أديبٌ مثلُها؟
هذا وضعٌ شديدُ التّعقيد والالتباس. فهو أديبٌ ينطبقُ عليه ما قلناه من قبل في حبّ الأدباء، وهي امرأةٌ وأديبةٌ في الوقتِ نفسِه، فهي امرأة تُحبُّ أن تُحِبَّ وأن تُحَبّ، كما يُحبُّ الرجلُ أن يُحِبَّ وأن يُحَبّ، وهي كذلك أديبةٌ من داخل البيت، تعرفُ مناورات المجاز وروغان الاستعارات وألعاب الكناية ومكرَ البلاغة.

تُرى هل تُريدُ الأديبةُ أن يُحبَّها الأديب لأنوثتِها أم لأدبِها؟ يمكنُ أن نجيبَ بحسنِ نيّة: لماذا لا يُحبُّها لكليهِما؟ الأمورُ أعقدُ من ذلك للأسف، فهذان الاحتمالان سيظلّان يُطاردانِها، وستظلُّ تجري بينَهُما جريا أبديّا كجريِ هاجرَ اليائسِ بينَ الصّفا والمروة، من دون أملٍ في "زمزم".

أن يتحابّ أديبٌ وأديبة فذلك اجتماعٌ لاحتمالاتٍ تفوق الاحتمال، شيءٌ يُشبِه عِناقَ سحابتين لا يُعلَم خِلالَه ما في هذه من تلك وما في تلكَ من هذه، ولا يُعلمُ بعدَه ما بقيَ من إحداهما فيها، أو عشقا بينَ وترينِ في عود، لا يزيدُ اهتزازُهُما واضطرابُهما متجاورَين إلا في قناعتِهما باستحالة اللقاء.

أخيرا، غادة..
لستُ في موقعٍ يسمحُ لي بالتّكهّن بما دارَ في خَلَد غادة يوم قرّرت نشرَ رسائل غسّان أو أنسي. قد يكونُ لما سبقَ علاقةٌ ما بقرارها وقد لا يكون، غيرَ أنّ شيئا واحدا يبدو لي واضِحا ومُحزِنا في الوقتِ نفسه: لا يمكنُ لرسائلِ العشقِ بعد نشرها أن تظلّ رسائلَ عشق، بل ستصبحُ أدَبا. شاءت غادة ذلك أم لم تشأ، لم تعد الرسائلُ رسائلَ حبّ، بل أصبحت أدبا، أو ربّما تاريخا أو مادّة صحفيّة. تُرى، هل كان هذا هو حكمَ غادة عليها من الأساس؟ أنّ هؤلاء الرّجال أرسلوا لها قصائدَ متنكّرة في رسائل؟ أم أنّ هذا كان اكتشافَها المتأخّر؟ وهل كانَ هذا الاكتِشاف انتصارا لها كأديبةً، إذ استطاعت أن تتعالى على مراوغاتِ الرّسائل وترى فيها أدباً لا رسائلَ عشق؟ أم كان جَرْحاً لأنوثتِها لأنّ هؤلاء الرّجال لم يستطيعوا أن يكتبوا لها رسائلَ عشقٍ حقيقيّة، لا قصائدَ متنكّرة؟.. من يدري؟..

لكنْ أيّا يكُن، بنشرِ الرّسائل، تقرّر غادة أنّها لم تستحقّ وحدَها هذه الرسائل، ولذا لم تستطع أن تحتكرَ ملكيّتَها. تقرّر أنّ فيها شيئا لا يعنيها وحدَها، أنّها لم تُكتَبْ لها تماما، أو ربّما لم تُكتبْ لها بالمرّة. الرسائلُ أو بعضُها بدت لغادة شيئا لا تستطيعُ أن تدّعي ملكيّتَه الكاملة، شيئا لا يمكن لصندوقِ الهدايا أو ملفّ الرّسائل أن ينطويَ عليه في طمأنينة، فنشرتْه لعلّ التّاريخ أو الأدبَ يتحمّلُ عنها عناء هذه الملكيّة.

ربّما يتخيلُ كثيرون غادة وهي تبتسمُ ابتسامة مكرٍ أو انتصار وهي تنشرُ رسائلَ رجال ينكسرونَ أمامَها ولها، لكنّي أشعرُ تجاهَها بالحزن، لأنّها مهما عاشتْ من حبّ مع غير هؤلاء الرّجال، ومهما تحقّق لها من مكاسبَ بالنّشر، إن تحقّق شيءٌ من هذا، قد خسرت شيئا عزيزا جدّا: شعورَ أن تكونَ هي وحدَها، ولا أحد معها، جديرةً بهذه الرّسائل.