أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 8 أغسطس 2018

امرأتان أمام جسد مسجّى

بقلم: سما حسن 
العربي الجديد

هل كانت نبوءةً، عندما كانت تجيب بالجواب نفسه: هل ستلتقين بالمرأة الأخرى؟ فيكون ردُّها: سيكون لقاؤنا الأول يوم وفاته.. هي لا تعرف كيف لعبت الأقدار لعبتها، ليحدث ذلك، لكي تلتقي معها للمرّة الأولى، بعد سنواتٍ طويلة من دخولها حياة رجلها الأول، تقفان أمام جسده المسجَّى، بلا حراك، في غرفةٍ نائية، في أحد أقسام المستشفى الحكومي الذي أمضى فيه أيامه الأخيرة، يُصارع المرض.
كانت لدى كلّ واحدة منهما مشاعرها، وكانت لديها أسبابها؛ لكي تبكي، فيما تتفقان في سبب واحد، هو رهبة الموت، فالأسباب الأخرى كانت متباعدة ومختلفة، فالأولى كانت تبكي عمرها الذي مضى مع رجلٍ دمَّر حياتها، وأصبح "لا تجوز عليه إلا الرحمة"، والثانية كانت تبكي مصيرها، بعد رجلٍ انتشلها من الفقر والحاجة، وحوَّلها زوجةً تأمر وتطاع، وترفل في الثراء الذي خصَّها به، مقابل شبابها وحيويتها، فيما كان يمضي نحو نهايته.
كانت الأولى تنظر إلى الجسد المسجَّى، وتعيد الذاكرة، بسرعة؛ لكي تستحثَّها ألا تنسى، ولكي تذكِّر الجسد، قبل أن يذهبوا به، بأنها قد سامحت وغفرت؛ لأن ربَّ العباد يغفر ويسامح. ذكَّرته بأنها كانت فتاةً صغيرةً، لا تخبر من الدنيا، سوى فارس أحلام على جوادٍ أبيض، سيأتي ليحملها إلى بيت الزوجية، حيث الهناء والسعادة، فقد كانت مغرمةً بكلام الروايات، وكانت معجبةً بجمالها الذي تشهد له مرآتُها الصغيرة، في بيت والدها، كلَّ يوم، عشرات المرَّات، إلى درجة أنها لم تتوقع أنّ رجلا سيُهين هذا الجمال، ولكنه فعل.. لم تكن تتخيل أنّ أحدا سيصفعها على وجهها، لكن الدنيا فعلت، وأبكتها، وأدمت قلبها.

ربع قرن وعام مرّت بها، وتعلّمت دروسًا من الحياة، مجبرةً وطائعة، والدرس الأكبر الذي تعلمته أنّ رجلا قد يحوِّل حياتك إلى جنّة، أو يحولك إلى محاربةٍ تقتلعين الشوك بأسنانك، وبأطراف أصابعك الهشَّة المرمرية، وهذا ما حدث معها، ولم تندم لحظة أنها لم تعش في جنّة رجل؛ لأنها اكتشفت أنّ الحياة لا تقبل إلا بالمحارِبات.
مسحت دموعها أمام جسده المسجَّى، واحتضنت المرأة الأخرى، شعرت بالشفقة عليها، هي دخلت حياته في الأعوام الأخيرة، وكانت لديها أسبابها التي تدفع أيّ فتاة للارتباط برجلٍ في سنِّ أبيها، ولديه زوجة أولى وأولاد، يقتربون من عمرها.. 
شعرت نحوها بالشفقة كثيرا؛ لأنها ستبدأ المشوار الذي سلكته هي قبل ربع قرن، فلديها أطفال صغار سيكون عليها أن تربِّيهم، وتقوم بمقام الأب والأم، بعد رحيل أبيهم، مثلما فعلت مع أولادها، والذين قامت بمقام الأب والأم في حياتهم، على الرغم من وجود أبيهم على قيد الحياة.
التفتَتْ نحو الجسد المسجَّى، بلا حراك، تذكَّرت يوم أن أمسك بيديها، أول مرّة، شعرت برعشةٍ مع حياء، ورفرف قلبُها الصغير بين ضلوعها، اليوم يرفرف قلبُها المثقَل بالهموم والمسؤولية، في ثقل وتثاقل، ويهتف بها: سامحي فقد مضى، ولم يعد قادرا على أن يضع، لو حُجَّة واحدةً أمام ما صنعه بك، فتنهّدتْ، وردَّدَتْ العبارة نفسها: "الميِّت لا تجوز عليه إلا الرحمة".
سامحته من أعماق قلبها الذي لا يعرف الضغينة، حتى وعمرها وشبابها وجمالها، كلُّها تتسرّب، من دون أن تعيشها، وترفل بها، مسحت دمعةً جرت على وجنتها، وانحدرت من زاوية عينها، وتحسّست الخطوط الصغيرة التي بدأت تشقُّ صفحة وجهها، تعرف أن الزمن لن يمهل صفحة وجهها الناصعة البيضاء، وسوف يشقُّها بتجاعيده القاسية، بكت أكثر، وأدارت وجهها في وجوه من حولها؛ فرأت أولادَها حولها، ينظرون في صمتٍ نحو الجسد المسجَّى، لحظتَها، مسحت دموعها، وفتحت ذراعيها؛ لكي تحتضنهم، نسيت الزمن وخطوطه وتجاعيده، تمنَّت أن يُشفق عليها القدر؛ فلا تقبع في غرفةٍ نائيةٍ من مشفىً حكومي تتعذَّب في أيام حياتها، لم تطلب من الله في تلك اللحظة سوى ذلك، احتضنت فلذات كبدها، وسارت بهم، فيما تركت المرأة الأخرى، تبكي مشوارا غامضا وموجعاً ينتظرها، مشوارا سارت به قبلها، وحوّلها إلى امرأةٍ تحلّق في سماءٍ أخرى.