الأربعاء، 3 فبراير 2021

قيمة "طوق الحمامة" عابرة للعصور

 https://bit.ly/2NYkrjr

حوار تيسير النجار مع رشأ الخطيب

على موقع ضفة ثالثة، العربي الجديد

صورة الورقة الأولى من مخطوط طوق الحمامة المحفوظ في مكتبة جامعة لايدن بهولندا

 كتابٌ فريد، في نسخةٍ مخطوطةٍ فريدة، وصل إلينا بعد رحلةٍ نجهل معظم محطاتها، لكننا نعرف منها إسطنبول التي احتضنت النسخة المخطوطة في محطتها قبل الأخيرة، وقبل أن يستقرّ بها المقام، بخاتمة الرحلة، في مكتبة جامعة لايدَن في هولندا في النصف الثاني من القرن السابع عشر، إنه كتاب الإمام والفقيه ابن حزم "طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف".






 

أكمل كتاب "طوق الحمامة" ما يقرب من ألف سنة منذ خرج للوجود، ورغم ذلك لا يزال الأثر الذي كتبه ابن حزم الأندلسي سنة 1022 نبعًا لا ينضب في فنون العاطفة، وما تزال ثقافة ابن حزم الموسوعية الواضحة في مؤلفاته، تُلقي بظلالها على أخباره وحكاياته وتأملاته ونظَراته التي قام عليها "طوق الحمامة"، وفق منهج علمي منضبط ألزمَ المؤلف نفسه به ولم يَحِد فيه عن الصدق والصراحة.

أستاذة الأدب الأندلسي رشأ الخطيب، المحاضرة غير المتفرغة في عدة جامعات أبرزها الجامعة الألمانية الأردنية، والجامعة العربية المفتوحة في عمان، تصف هذا الكتابُ بأنه علامة حضارية مضيئة في التراث العربي الإسلامي وفي التراث الإنساني العالمي، على حدٍّ سواء.

للدكتورة الخطيب المتخصصة في الأدب الأندلسي عدة كتب منها: "هذا أبي: عبد الله الخطيب- سيرة وذكريات"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2020، "أحمد بن قاسم الحجري، أفوقاي الأندلسي: المترجم والرحالة والسفير"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، "الأدب الأندلسي في الدراسات الاستشراقية البريطانية"، 2013، "تجربة السجن في الشعر الأندلسي"، 1999.

عبر هذا الحوار تؤكد لنا الخطيب أن قيمة كتاب "طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف" لابن حزم الأندلسي لا تقف عند العصر الذي كُتب فيه ولا عند المجتمع الذي يصوّره؛ ذلك أن أخبار الحب وحكايات المحبين التي تحفل بها صفحاته ما زالت إلى يوم الناس هذا تمتِّع القارئ العام، والباحث المدقق، وما زالت مصدرًا لا يمكن استبعاده لعصرٍ كثير الاضطراب من عصور تاريخ الوجود الإسلامي في الأندلس.

حول كتاب "طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف" الذي يعتبر مرآة عصره كان لنا هذا الحوار الخاص معها:

النكبة والاعتقال والتشرد والرحيل

(*) ماذا كان تأثير ثقافة ابن حزم وحياته في تشكيل كتاب "طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف"؟

- ينتسب ابن حزم إلى أسرة أندلسية تعود إلى أصول غير عربية لا تنتمي في عقيدتها إلى الإسلام، وذلك اعتمادا على عبارة للمؤرخ المعروف ابن حيان القرطبي (ت469هـ/1076م)، قال فيها عنه: "فقد عهِدَهُ الناس خامل الأبوة، مولَّد الأرومة، من عجم لبلة، جدُّه الأدنى حديث عهد بالإسلام".

بينما يرى الحميدي (ت488هـ/1095م) وهو تلميذ لابن حزم، أن أستاذه من أصول فارسية تعود إلى جدِّه البعيد الذي كان مولى ليزيد بن أبي سفيان (ت18هـ/639م).

ومهما يكن من أمر أصوله العائلية فقد حققت عائلته مجدًا رفيعًا وجاهًا وثراءً واسعًا في أواخر عهد الخلافة الأموية بقرطبة؛ وكان والده (ت402هـ/ 1012م) واسع العلم قوي البلاغة متمكنًا من ثقافة عصره وتاريخ بلده، وما إلى ذلك. إذ كان أبوه وزيرًا للحاجب المنصور بن أبي عامر (ت392هـ/ 1002م) منذ سنة381هـ، وكان صاحبَ مجلسٍ يختلف إليه عِلية القوم من السياسيين والوجهاء والأدباء. فقضى ابن حزم سنواته الأولى من الطفولة والصبا في ظل نعيم وافر ظن أنه لا ينقطع، كان من أبرز علاماتها أنه أمضى شطر طفولته وصباه بين الجواري: اللاتي قمن على تربيته وتأديبه. وقد أورثَتْهُ هذه النشأةُ رقةً وحياءً وحبًا للجمال ومعرفةً دقيقة بالنساء، كما أتاحت له تجارب عاطفية مبكرة، حدَّثنا بجرأة وصدق ببعض أخبارها في طوقه، وكانت متكَّأ له في كثير من تأملاته وآرائه.

وتنطبع آثار نشأته في سمات بارزة على شخصيته التي اتصفت تارةً بالثقة بالنفس والاعتداد بالرأي والحدّة والعنف، وتارة أخرى، بالنزاهة والموضوعية وإنصاف الخصوم، وحرية الفكر التي عرفناها عند ابن حزم، مما أوقعه في الخصومة والعداوة مع كثيرين. وعلى الرغم من ذلك فقد أنصفوه ولا نجد بينهم ممن قرأوا أخباره وبعض سيرته واعترافاته الشخصية الجريئة في الطوق، يتهمه بالكذب أو يجرح في دينه ومعتقده، على الرغم من خوضهم في سيرته!.

وإذا ما أخذنا بالحسبان أن ابن حزم بدأ مستهل حياته وقبل انشغاله بالفقه والخصومات في تأليف "طوق الحمامة" بين الأعوام 417هـ-419هـ، فذلك يعني أنه كتبها وهو يعاني النكبة والاعتقال والتشرد والرحيل؛ بعد خروجه من قرطبة وانقضاء الفتنة التي أطاحت بخلافة بني أمية في قرطبة وانفراط عقدها في بقية المدن الأندلسية. إذ احتُلَّت منازل أهله فخرج منها وتنقل بين المدن، ومنها شاطبة شرق الأندلس، التي نزلها ساكنًا شابًا على أبواب الثلاثينات من عمره، وقد أصاب حظًا وافرًا من المعارف والعلوم السائدة امتدّت بسببها ثقافته إلى ضروب متنوعة ومتشعبة.

وتنتظم ثقافةُ ابن حزم في الكتاب، مصادر عديدة أخرى مكتوبة وغير مكتوبة، يتوِّجها القرآن الكريم والسُّنّة النبوية، والمؤلفات المعروفة التي اطلع عليها، كغيره من المؤرخين والعلماء، لكنه اكتفى بالإشارة إليها في الطوق أو في غيره من مؤلفاته الأخرى. إلى جانب إحاطته بضروب العلم القديمة من المنطق والفلسفة والكتابات الدينية لدى اليهود والنصارى.

ويمكننا أن نقول إن ثقافة ابن حزم الموسوعية الواضحة في مؤلفاته، تُلقي بظلالها على أخباره وحكاياته وتأملاته ونظَراته التي قام عليها "طوق الحمامة"، وفق منهج علمي منضبط ألزمَ ابن حزم نفسه به لم يَحِد فيه عن الصدق والصراحة قيد أنملة.


تجلية صورة المجتمع الأندلسي

(*) يعدّ كتاب "طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف" وثيقة تاريخية على أحوال الأندلس وما مرّت به من أحداث سياسية واضطرابات وفتن في عصره فكيف تشكلت كل هذه العاطفة فيه؟

- يعدّ "طوق الحمامة" وثيقة تاريخية على عصر مليء بالاضطرابات: من الحجابة، والفتنة، وانتهاء عصر الخلافة إلى ابتداء عصر ملوك الطوائف. إذ يضم الكتاب أخبارًا لجوانب من الحياة العاطفية لبعض أعلام العصر، كما يكشف كثيرًا من جوانب الحياة الاجتماعية في الأندلس في القرن الخامس الهجري، أغفَلَتْها كتب التاريخ السياسي الأخرى، وهو بذلك يعد مصدرًا لا غنى عنه في تجلية صورة المجتمع الأندلسي، من الرفاهية التي بلغتها الطبقات الاجتماعية الأندلسية، واختلاط الأجناس والأقوام الذي كان سمة أولى من سمات المجتمع الأندلسي وعاملًا من عوامل غنى الحضارة الأندلسية ورفعة نتاجها وإرثها الحضاري والثقافي، تأثيره العميق في الحضارات والشعوب الأخرى.

كما تتجلى في الكتاب صورة للحياة اليومية في المجتمع الأندلسي تجمع بين ما قد نظنه كل الظن أنْ لا جامع بينها، مثل حرية المرأة التي فاقت بمراحل الحرية التي أصابت بعضًا منها المرأةُ في المشرق الإسلامي، والمحافَظة والتديُّن التي ميزت كثيرا من العائلات والأفراد من أهل الأندلس.

ومن جهة أخرى، فإن النظرة الأولى إلى "طوق الحمامة" تجعلنا نطمئن إلى تصنيف جانبٍ من الكتاب في جنس السيرة الذاتية، لأن دوافع تأليف الكتاب لا تقف - كما أفصح عنها ابن حزم في مقدمته- على مجرد الامتثال لطلب صديقه الذي سأله تصنيف "رسالة في الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة"، بل تتعداه إلى أن هذا السؤال وقَعَ في نفس ابن حزم ووافق هواها، فأراد أن يعرض في كتابه "صورة واقعية من حياته ومن حياة الناس في موضوع الحب" كما عرفَه المجتمع الأندلسي، إذ  قام منهج ابن حزم في تأليف "طوق الحمامة" على ما مرَّ عليه في حياته من تجارب ذاتية وخبرات شخصية، ووقائع سمعها أو عاينَها أو نقلها إليه مَن يأنس إلى صدقه وعدالته.

وهكذا انقلب ابن حزم في تأليفه الطوق من "تسلية الصديق إلى تعزية النفس" على ما يرى أستاذنا د. إحسان عباس رحمه الله.

ولا تفوتنا الإشارة إلى أن الكتاب في جانب منه وثيقة نفسية تحلل عاطفة الحب وما يتصل بها تحليلًا نفسيًا لطيفًا، يتوافق مع كثير من الآراء النفسية المعاصرة والتحليلات التي تسبر أغوار النفس البشرية في انفعالاتها المتنوعة. حتى أن الناشر العربي الأول لكتاب "طوق الحمامة" في دمشق 1930 رأى أنه "خير كتاب في وصف الحب.. وأحسن أثر في تراثنا الأدبي يثبت للناس أن في أدبائنا من أوتي ملَكَةَ التحليل النفسي، ومن استطاع أن يفهم الحب قبل عشرة قرون كما يفهمه الأدباء اليوم"، ثم تعجب من اعتناء المستشرقين به وجَهْـلِنا له، والظن به أنه كتاب مجون ودعارة، وأن صاحبه يستحق الثلب والتعريض، فقد قامت ضجة بعد نشره بدمشق في 1930م تزعم أن الكتاب مدسوس على ابن حزم الفقيه! وأن نسبة الكتاب إليه ليست أكثر من تشويه لاسمه.

 

المخطوط ونسخه في مدينة صفد

(*) أكمل كتاب "طوق الحمامة في الألفة والأُلَّاف" ما يقرب من ألف سنة منذ خرج للوجود، رغم ذلك لا يزال الأثر الذي كتبه ابن حزم الأندلسي سنة 1022 نبعًا لا ينضب في فنون العاطفة. كيف ينظر له المستشرقون في إسبانيا؟

- كان للمستشرقين فضل اكتشاف المخطوطة الفريدة الباقية من "طوق الحمامة"، وتعريف القرّاء بهذا الكتاب وتحقيقه ونشره لأول مرة، إلا أن المستشرقين الذين قاموا على ذلك كله لم يكونوا من إسبانيا كما قد نظن للوهلة الأولى!

وليس في العالم حتى اللحظة سوى هذه النسخة الفريدة التي وصلت إلينا من كتاب "طوق الحمامة"، وقد جرى نسخُها بخطٍّ مشرقي واضح - بعد نحو ثلاثة قرون من تأليفها- العام 738هـ/1338م، في مدينة صفد بفلسطين، على يد ناسخ مشرقي مغمور لا نعرف عنه إلا اسمه، الذي طمست الرطوبةُ جزءًا منه بأقصى الزاوية العليا اليمنى من صفحة العنوان، وهو محمد بن ...؟ ابن عثمان النهاوندي الصوفي، والذي قد يكون مالكًا لتلك النسخة.

ويظهر أن الناسخ قام بعمله لا يبتغي من وراء ذلك إلا تحسين رسالة "طوق الحمامة" وإظهار محاسنها وتصغير حجمها تسهيلًا على القرّاء ليفهموا معانيها - حسب رأيه-، فكان عمله هذا قد فوَّتَ علينا مقاطع كثيرة اختصرها الناسخ من أصل "طوق الحمامة" الذي نقل عنه، ولم يضع بين أيدينا أي تفصيلات عن النسخة التي كان ينقل منها! وهكذا وصلتنا رسالةُ الكتاب ناقصةً عن أصلها، مقدارا لا نعلمه.

وقد بقي هذا الكتاب لابن حزم في نسخته المخطوطة مجهولًا ولا يُلتَفَت إليه، بل إنه لم يأتِ على ذكره إلا قلة من المؤرخين الذين نقلوا عنه مثل المقري ولسان الدين بن الخطيب. ومثلما كان الكتاب مهمَلًا من جانب المؤرخين العرب كانت المخطوطة الفريدة قد لاقت المصير نفسه.

ولا بدَّ أن هذه النسخة الفريدة كانت قد رحلت بطريقةٍ لا نعرفها من الأندلس حتى وصلت إلى ناسخها في المشرق، لكننا نعرف مصيرها بعد ذلك؛ فقد وصلت إلى المكتبة الخاصة للمثقف والمؤرخ العثماني الشهير حاجي خليفة (كاتب جلبي) (1609-1657م)، صاحب "كشف الظنون" الذي عُرِف بجمع الكتب، وكانت إسطنبول في القرن السابع عشر مدينة يقصدها الدبلوماسيون والتجار الأوروبيون، كان منهم السفير الهولندي ليفينوس وارنر، الذي عمل دبلوماسيا في إسطنبول منذ عام 1645 حتى وفاته في 1665، وكان قد درس من قبل اللغات الشرقية في جامعة لايدن، وأُشرِب حب جمع المخطوطات الشرقية من أستاذه المستشرق الهولندي ياكوب خوليوس (ت1667).

وكان وارنر هذا هو الذي اشترى النسخة الفريدة من "طوق الحمامة" من مكتبة حاجي خليفة، ضمن مجموعة كبيرة اشتراها تزيد عن 900 كتاب مخطوط، ثم وهَبَـها وارنر بعد وفاته إلى مكتبة جامعة لايدن.

وهكذا وصلت هذه النسخة الباقية إلى هولندا منتصف القرن السابع عشر، لكنها استقرت هناك لنحو قرن ونصف قرن لم يلتفت إليها أحد، حتى عرَّف بها رائدُ الدراسات الأندلسية المستشرق الهولندي رينهارت دوزي (ت1883م) في أول فهرس مطبوع للمخطوطات العربية في جامعة لايدن، ثم نشر دوزي مقاطع جميلة من الطوق مترجمةً إلى الفرنسية عام 1841 في كتابه "تاريخ مسلمي إسبانيا"، وعنه ترجمها عدد من المستشرقين إلى لغات أوروبية عديدة، فعرف الناسُ الكتابَ لأول مرة، لكن ذلك لم يشفع لابن حزم الأندلسي، فبقي الكتاب فوق الرفوف حتى مطلع القرن العشرين، عندما قام المستشرق الروسي الشاب ديميتري بتروف (ت1925)  بتشجيع أحد أساتذته في بطرسبرغ، بتحقيق "طوق الحمامة" ونشر النص العربي مطبوعا لأول مرة عام 1914 في مطبعة بريل في مدينة لايدن.

أثارت تلك الطبعةُ منذ ظهورها الاهتمامَ بكتاب "طوق الحمامة"، وظهرت له طبعات عربية أخرى، وتُرجم الكتاب إلى لغات أوروبية عديدة، ونُشِرت عنه دراسات متنوعة لم تنته إلى اليوم- سواء على يد المستشرقين الأوروبيين، أو على يد الباحثين والمهتمين في العالم العربي.

بل إن ذيوع أمر الكتاب كان دافعًا لبلدية قرطبة كي تحتفي به على طريقتها؛ فقامت عام 1963 بنصب تمثال تذكاري لابن حزم الأندلسي على مقربة من باب إشبيلية/ باب العطارين -أحد الأبواب السبعة لقرطبة القديمة- بمناسبة الذكرى المئوية التاسعة على وفاته التي كانت في عام 1064م.

أما المستشرقون الإسبان فلم تكن لهم عناية كبيرة بـ"طوق الحمامة" أو بمؤلفه أو بالدراسات الأندلسية عامة؛ لأنها كانت مهملة في إسبانيا لقرون عدة ويقفون من الإرث الإسلامي في إسبانيا موقفًا عدائيًا، في حين كان المستشرقون في البلدان الأوروبية الأخرى منغمسين فيما بينهم منذ القرن السابع عشر في الاهتمام باللغة العربية وآدابها وتراث شعوبها الناطقة بها والأراضي التي تمتد على رقعتها، وكان من جوانب ذلك الاهتمام جمع المخطوطات الإسلامية ونشرها وطباعتها.

ولم يمض وقت طويل حتى واكبت إسبانيا غيرها في العناية بالدراسات الأندلسية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن المستشرق الإسباني الشاب فرانسيسكو بونس بويج (ت1899) كان من أوائل الذين أشاروا إلى "طوق الحمامة" بعد الهولندي دوزي.

ثم اهتم آسين بلاثيوس (ت1944) بالمفكرين والفلاسفة المسلمين ومنهم ابن حزم، فكان أول من درس كتاب الطوق في مخطوطته الوحيدة - قبل أن ينشره بتروف- وكان ذلك في أثناء زيارته لمكتبة جامعة لايدن عام 1907، مع أن بلاثيوس لم يكن يحب السفر وكان يتجنبه قدر ما أمكنه ذلك ليتفرغ لأبحاثه ودراساته وعمله في الجامعة.

واهتم بلاثيوس بأعمال أخرى لابن حزم، فألقى محاضرته  الافتتاحية مستهل عضويته بالأكاديمية الملكية للتاريخ عام 1924 عن ابن حزم، وأتبعها بترجمة إسبانية لكتابه الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل مع دراسة عن حياة ابن حزم نشرها بين 1927-1932. كما ترجم كتابه في الأخلاق، وقدَّم دراسات أخرى عن ابن حزم الفيلسوف والمفكر والمتكلم.

ثم قام المستشرق الإسباني إميليو غارثيا غوميث (ت1995) بترجمة إسبانية لـ"طوق الحمامة"، كانت هي السادسة بعد خمس ترجمات إلى اللغات الأوروبية بدأت منذ 1931. وقد قدَّم لهذه الترجمة الفيلسوف الإسباني أورتيجا إي جاسيت (ت1955) نظر فيها في فكر ابن حزم وآرائه في الحب.

وللمستشرقين آراء عديدة في "طوق الحمامة" قامت عليها دراساتهم وبحوثهم المستمرة إلى اليوم، فقد رفض بلاثيوس مثلا أن يعد الطوق وثيقة نفسية ورأى أن قيمته الحقة هي في الجانب التاريخي الذي يقدمه. بينما رأى غوميث أن الكتاب دراسة نفسية معتمدة على الوقائع التاريخية، وبين هذا الرأي أو ذاك يتفق كثير من المستشرقين - الإسبان وغيرهم- في أن الأصول غير العربية لابن حزم هي التي تفسر آراءه ورقَّته وأفكاره وجرأته تجاه قضايا الحب التي عرضها في الكتاب.

فقد استكثر الهولندي دوزي على ابن حزم حديثه عن معاناة الحب وآلامه التي اختبرها ابن حزم بنفسه وكشف عن تجربته إياها في كتابه، وردَّ دوزي ذلك إلى أصول ابن حزم الإسبانية المسيحية التي أورثَتْهُ طباعًا بعيدة عن طباع الشرقيين. وهذا الرأي قد لا يعجب مستشرقًا آخر؛ إذ نقض بلاثيوس رأي دوزي هذا؛ معللا له بأن ظاهرة الحب العفيف ومعاناته تعود إلى ما في الإسلام من نوازع زهدية.

وما زال كتاب "طوق الحمامة" بعد نحو ألف سنة على تأليفه، وبعد نحو مئة سنة على طباعته، يثير شهية الباحثين لدراسة جوانب خفية أو جليّة متعددة منه. وهو على ما يبدو أول كتاب أُخرج للناس في الحب، "وعلى كثرة ما أُلِّف بعده في موضوعه، لا يزال ينفرد بمحاسن ويعتصم بخصائص تقضي له بالمكانة العليا بين هذه الكتب". (من تقديم الشاعر محمد البزم لطبعة الطوق في دمشق 1930).


ماهية الحب وأحوال المحبين

(*) تأثّر ابن حزم بكتابات السابقين عن الحب: أفلاطون، الجاحظ، ابن داود الأصبهاني، أبو بكر الرازي، إخوان الصفا (رسالة في ماهية العشق) وغيرهم، فما هي قيمة كتابه في عصرنا الحديث؟

- ربما يصح أن المؤلف لا بد أن يأتي فيما يؤلّف على مثال سابق، فهو لا يبتدع من فراغ ولا يعدم أن يجد لدى سابقيه فكرة أو كلمة بها تكون الشرارة التي تضيء الخيط الأول من النور الذي يهبه لقرّائه. وهذا لا يعني أن ابن حزم نهج على كتب سابقيه ولم يخالف طريقتهم.

وقد عرف المشرق الإسلامي آراء ونظراتٍ في الحب دوَّنها أصحابُها في كتب سابقة اطلع عليها ابن حزم، ربما كان كتاب الزهرة لابن داود الأصبهاني (ت296هـ) أهمها، وهو كتاب عرفه ابن حزم معرفة تمكُّن واستلهام، ويرى د. إحسان عباس أنه لو لم يطّلع ابن حزم على المصادر الشرقية الأخرى، لكان كتاب الزهرة كافيا له في هذا المجال، ولكنْ من دون شك فإن ابن حزم اطلع على المصادر الأخرى التي تحدثت عن الحب.

ولا يخرج ابن حزم صاحب الثقافة الواسعة والمعرفة الممتدة عن هذا، لكنه أراد في كتابه الإتيان بجديد والابتعاد عمّا عرضت له بعض المصادر التي اتخذت الحبَّ موضوعًا، من أمثلة وأخبار وشواهد وأشعار ووقائع تحكي ماهية الحب وأحوال المحبين. وقد اتكأ في كتابه على ما اختبر من تجارب، وما سمع من أخبار، وما عايَنَ بنفسه من أحوال أصدقائه وبعض أعلام عصره، لاستبطان أصول الحب وأعراضه وصفاته وما يدخله من آفات.

ولابن حزم تفسير لطيف في ابتعاده عن أخبار الحب عند أهلِ زمانٍ من غير زمانه وبلادٍ من غير بلاده؛ تظهر فيه معالم منهجه في تأليف الكتاب، وطريقته في ابتداع التآليف بمجافاة تقليد طرائق الآخرين، والابتعاد عن تكرار أخبار العشاق والمحبين مما حفلت به المصادر الشرقية السابقة عليه، فهو يشعر أن الأندلسيين لا تستقيم طرقهم في الهوى وطرق الأعراب في جزيرة العرب، وهو يدرك اختلاف المجتمعات والأذواق باختلاف المكان والزمان. وفي ذلك يفسر طريقته في إجابة طلب صديقه بتأليف رسالةٍ في الحب، قائلًا في خاتمة صدر رسالة "طوق الحمامة":

"... والذي كلَّفْتَــنــي فلا بدَّ فيه من ذِكر ما شاهدَتْهُ حضرتي، وأدركَتْهُ عنايتي، وحدَّثَني به الثقاتُ من أهلِ زماني... والتزمتُ في كتابي هذا الوقوف عند حدّك، والاقتصار على ما رأيتُ أو صحَّ عندي بنقل الثقات، ودعني من أخبار الأعراب المتقدمين، فسبيلهم غير سبيلنا، وقد كثرت الأخبار عنهم، وما مذهبي أن أنضي (أركب) مطيَّة سواي، ولا أتحلى بحليٍ مستعار، والله المستغفَر والمستعان، لا ربَّ غيره".

وعلى الرغم من هذا الرأي الحادّ الذي يُقصي فيه ابنُ حزمٍ تجربةً إنسانية كالحب ويفصلها من المجتمع الأندلسي عن الحب في المجتمع الشرقي، فإن قيمة كتابه لا تقف عند العصر الذي كُتب فيه ولا عند المجتمع الذي يصوّره؛ ذلك أن أخبار الحب وحكايات المحبين التي تحتفل بها صفحات "طوق الحمامة"، ما زالت إلى يوم الناس هذا تمتِّع القارئ العام، والباحث المدقق، وما زالت - كما أشرنا آنفًا- مصدرًا لا يمكن استبعاده لعصرٍ كثير الاضطراب من عصور تاريخ الوجود الإسلامي في الأندلس.

الجمعة، 8 يناير 2021

مراجعة كتاب (هذا أبي عبدالله الخطيب: سيرة وذكريات)

 https://thaqafat.com/2021/01/93266

موقع ( ثقافات )



بقلم: مجد حمد

هذه السيرة التي كتبتها رشأ الخطيب عن والدها بعنوان: هذا أبي، عبد الله الخطيب سيرة وذكريات، ليست سيرةً لشخصٍ مشهور أو مؤثر، كما اعتدنا في السِّيَر الغيرية المعروفة، إنها سيرة إنسانٍ عادي عاش كما عاش غيره على أرضنا هذه، لم يكن يعرفه إلا أهلُه وأصدقاؤه ومعارفُه وجيرانه.. ممن صادف مرورُهم في حياته رابطة من دم أو صداقة أو جيرة أو رفقة.

تكمن أهمية هذا النص الصادر مؤخراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2020، في أهمية قراءتنا لذواتنا، إذ ربما استطاع الشابُّ منا أن يرى في هذه السيرة ما يجعله يدرك أن جميع القصص تستحق فعلًا أن تروى، كي تكون جزءًا من حيوات الآخرين ولحظاتهم القادمة، فلكلٍّ منا قصةٌ يرويها.

في هذا النص، الذي ينتمي إلى السيرة من جانب، وإلى الذاكرة والذكريات من جوانب أخرى، نقف على القصص التي مرَّت في حياة عبد الله الخطيب، أحد أبناء شمال الأردن، مروراً بجزءٍ من سيرة أبيه وجدّه، تجعلنا نشرف على بعض ملامح الحياة التي مرَّت على الأردن منذ مطلع القرن العشرين حتى مطلع القرن الذي يليه.

يبدأ النص من سيرة الجدّ الأكبر لعائلة المؤلِّفة، الشيخ محمد بن السيد المصري، الذي هجر بلاده مصر، أواخر القرن التاسع عشر، انتقل بين أراضي سوريا الطبيعية، التي لم تكن تعرف الحدود، وأقام في فلسطين زمناً، يعمل خطيباً ومدرِّساً في قرى القدس حيث تزوج أنجب أولاده فيها، ثم شدَّ رحاله من جديد، منتصف القرن العشرين إلى شرق الأردن، فنزل لواء عجلون، واستقر في منطقة الكورة.

وفي أثناء سرد هذه القصص تمسُّ المؤلفة بعضَ تفاصيل الحياة اليومية البسيطة لنموذج من العائلات الأردنية وتقاليدها في رحلة للبحث عمّا يسد الرمق ويحفظ لها العيش الكريم. دون أن يمنعها شظف العيش من أن تكون حياتهم مليئة بالعطاء. وفي المقابل تمسُّ السيرة جوانب من بعض الظواهر السلبية التي سادت المجتمع الأردني مع الفتيات خاصة، والمواقف التي تكشف الوعي المجتمعي تجاه التعليم والتدين والسلوك الاجتماعي.

ربما تروي السيرةُ حياةً عاش مثلها كثيرون في المنطقة نفسها، من ترحالٍ وسفرٍ وضيقٍ وبناءٍ للذات على الرغم من ذلك كله، ولكنها قصص الحياة التي تستمر لتطوير النفس وتأمين مطالب الحياة الأساسية، فتستمر السيرة لتحكي قصة عبد الله الخطيب وكيف انتقل من قريته إلى إربد، ثم في مستهلّ شبابه إلى العاصمة عمّان، سعياً وراء العمل ولقمة العيش، وكيف بنى حياته خطوةً خطوة، حتى حصل على وظيفة في مطار عمان المدني، وأنشأ أسرته الصغيرة.

وقد التحق عبد الله الخطيب بالجامعة متأخرًا عشر سنوات بعد الانتهاء من المدرسة لأسباب متعددة ما بين عدم وجود جامعات في الأردن أواخر الخمسينيات، وضيق اليد عن إكمال الدراسة في دمشق أو بيروت أو القاهرة، ولكنه حين استطاع ما تردد، ووقع اختياره على اختصاص التاريخ، وبدأ الدراسة عن طريق الانتساب إلى جامعة بيروت العربية، ومعها وقع في حب بيروت التي ما غادرت قلبه، وكان الأمل يحدوه بمتابعة دراساته العليا لكن الحرب الأهلية اللبنانية منتصف السبعينيات حالت دون تحقيقه.

وبين كل هذا يقف القارئ على بعض تفاصيل الحياة اليومية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، للسفر بين بلاد الشام والزيارات الجميلة بين الأردن وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر، زيارات قصيرة لكن بطلنا اختار أن يعيش الحياة بكامل تفاصيلها واستغلال كامل لكل أوقاته، كما لو كان بطل فيلم خاص به.

بعد أن تنتهي المؤلفة في كتابها هذا أبي: عبد الله الخطيب من سرد سيرة والدها، تعود لتروي سيرته عبر آثار أخرى باقية ومكتوبة بقلمه، وهي انطباعاته التي كتبها عن رحلة الحج التي قام بها في 2006. والرسائل التي كان يرسلها لابنته رشأ في أثناء إقامتها وأسرتها في بريطانيا بين 2000-2002، التي تروي من خلالها جانباً من سيرة الجد وعلاقته بأبنائه وأحفاده؛ التي تكشف لنا بعض ما كان يؤمن به من أسس التربية ويقوم به من واجب العناية والاهتمام والحنيّة تجاه الأبناء والأحفاد.

وبتمام كتاباته تنقلنا المؤلفة لنقرأ بعضاً من سيرته بعيون الآخرين؛ بأقلام أحفاده وعيونهم، وبكلمات أبنائه، لتُختَتَم السيرة ويكتمل التشكيل بصور من محطات مختلفة من حياته.

هذا النص التذكاري هو حالة استرجاع طويل المدى لحياة شخص عادي، لكنه لامس حياة الآخرين بشخصه وبـ”عاديّته” وبحياته التي تكمل جزءًا من فسيفساء ذاك الزمن الممتد حتى الآن، وتروي سيرة أبٍ وجدٍّ ورفيقٍ وجار… كان مهمًا في حياة كل من عاصروه؛ إذْ لكلٍّ منا قصصٌ تستحق أن تُروى وستُروى.

*******


هذا أبي، عبد الله الخطيب، سيرة وذكريات

تأليف: رشأ الخطيب

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2020

عدد الصفحات: 269

الأحد، 16 أغسطس 2020

كتاب " هذا أبي: عبدالله الخطيب، سيرة وذكريات "

كتابي الجديد 
" هذا أبي : عبدالله الخطيب ، سيرة وذكريات " 
الصادر في بيروت، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2020 

أردت لهذا الكتاب أن يكون وفاءً لذكرى أبي في حياتي، وتذكاراً لمروره على هذه الأرض، التي مرَّ عليها ما لا نحصيه من الناس.
فهو كتاب في سيرة عبدالله الخطيب، التي امتزجت بسيرة مَن عرَفَهُ عن قُرب، ومَن كان قطعة من حياته.




 







السبت، 30 مايو 2020

البيت: إلهام يُفضي إلى الذات

بقلم: وفيقة المصري

لوحة بعنوان «Fried potatoes» للفنان الروسي فيكتور بيفوفاروف، 2006
لم يعتبر المكوث في البيت بالنسبة للبعض خلال الفترة الأخيرة إجراءً احترازيًا ضد خطر الإصابة بفيروس كورونا فحسب، بل فرصة منقطعة النظير للتصالح أخيرًا مع رغبات دفينة ومؤجلة، والتباهي بها أمام من ينتقدون البيتوتية باعتبارها دلالة على شخصية مملة أو تعاني من بعض الاضطرابات النفسية. وإن كان انتشار الوباء قد أرجع البصر إلى بعض ما انحسر عنه، كتلك المسلّمات والمفاهيم المغلوطة التي يغرق العالم بها، فإن رغبة البقاء في البيت واحدة من تلك المفاهيم التي تقتضي إعادة النظر. إذ ليس بالضرورة أن يكون المكوث في البيت إكراهًا أو اكتئابًا وانعزالًا عن العالم، ولا ينبغي أن يبحث المرء عن مبرر لرغبته في أن يتّخذ من البيتوتية أسلوب حياة، بل يبدو الحديث عن عواقب المكوث في البيت حديثًا لا طائل منه أمام اللذة والسلام الداخليّ اللذيْن يتمتّع بهما أولئك الأشخاص الماكثون في بيوتهم، فيما يضطرهم الضغط الاجتماعي إلى التفريط بهما من وقت لآخر.
يمثل البيت كيانًا فريدًا بنوافذه المُطلّة على العالم الخارجي بحذر، وجدرانه الهندسية المنكفئة على عالم داخلي خاص بعيدًا عن أعين الآخرين. فيما تمثّل الحياة في أرجائه حالة محبّبة من التكرار؛ يغلّفها ما نألف ونعرف ونحفظ جيدًا من أركان وقطع أثاث ورائحة مميزة، وفي لحظات أخرى يتحول البيت إلى حالة من التأهُّب أمام الخطر المحتمل، أو حالة من الضجر المجدي تدفعنا نحو الخارج الآخر، ثم تعيدنا إلى الداخل مرة ثانية.
البيت، كما يراه غاستون باشلار في كتابه «جماليات المكان» عام 1957، «ركننا في العالم، إنه كما قيل مرارًا، كوننا الأول، كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى».[1] وإذا ما انطوت هذه الرؤية على شيء من الطوباوية، حيث أنّ البيوتات لا تستوي مثلًا، فإن باشلار يتدارك تلك الرؤية بالتركيز على ما يجعل أكثر البيوت تواضعًا وبؤسًا لا يخلو من الجمال؛ العنصر الذي يجمع بين كل البيوت «غنيها وفقيرها» وهو الخيال.

العودة إلى بيت الطفولة
في ذلك الحيز الرحيب حيث تتداخل ذكريات الطفولة مع الخيال، تولد أحلام اليقظة وتجول في أرجاء البيت وأركانه، ولأن «ذكريات العالم الخارجي لن يكون لها نسق ذكريات البيت» فإن فائدة البيت الرئيسية تبعًا لباشلار تكمن في قدرته على أن «يحمي أحلام اليقظة، والحالم، ويتيح للإنسان أن يحلم بهدوء». من هنا احتل البيت مكانة أصيلة عند الكثيرين من الأدباء والفنّانين وحتى المخرجين السينمائيين حول العالم، وكان في رجوعهم إلى ذكريات بيت الطفولة إلهامًا يصبّ في إنتاجية إبداعية استثنائية في النهاية.
إن قراءة وصف بيوت الطفولة كأمكنة باعثة للألفة في نفوس الآخرين تذكّرنا كذلك بأماكن ألفتنا، ولكن ما من أحد يستطيع رؤيتها بالألوان والتفاصيل والذكريات ذاتها كما نستطيع نحن.
تعكس سلسلة مارسيل بروست الضخمة «البحث عن الزمن المفقود» تركيزًا مكثّفًا للحظات الحياة الراسخة في الذاكرة الإنسانية من خلال المكان والزمان. وفي تلك الفترة الزمنية التي عاش فيها منعزلًا لأسباب صحية في غرفة باريسية، ارتكز بروست على عنصر الخيال المتداخل في الذاكرة لإنجاز سلسلته الشهيرة. يتعمق الجزء الأول من السلسلة «جانب منازل سوان» عام 1931 في ذكريات طفولة بروست، تحديدًا في بيت جدّه في ريف كومبريه الفرنسي. ومن زوايا المكان الأليف، تتداعى الذكريات بأدق تفاصيلها في مطلع الجزء الأول جرّاء تذكر بروست لجزء روتيني بسيط عند استلقائه على السرير بانتظار أمه التي لم تأت، على غير عادتها، لتقبّله قبل النوم: «كان جسمي والجانب الذي أنام عليه، وهما الحارسان الأمينان على ماضٍ، ما كان لفكري أن ينساه في يوم، يعيدان إلى ذهني لهب «النواصة» المصنوعة من زجاج بوهيميا على شكل جرّة تتدلّى من السقف (..) وذلك في غرفة نومي في كومبريه في منزل جدي، ولأيام بعيدة الآن أتخيلها في هذه اللحظة حاضرة دون أن أتصورها بالضبط وسوف أعود فأراها عما قليل حين أستفيق تمامًا».[2] تتداخل لحظات اليقظة مع النوم والحاضر مع الماضي في وصف بروست لغرفة نوم طفولته، وحيث يرتكز بروست على عناصر الألفة في «كتابة الحجرة» والتي بدورها تمكّن القارىء من «قراءة الحجرة» حسب تعبير باشلار، «فإن قيم الألفة تمتلك جاذبية تجعل القارىء يتوقف عن قراءة (حجرة الكاتب)، فهو يرى حجرته مرة أخرى». إن قراءة وصف بيوت الطفولة كأمكنة باعثة للألفة في نفوس الآخرين تذكّرنا كذلك بأماكن ألفتنا، ولكن ما من أحد يستطيع رؤيتها بالألوان والتفاصيل والذكريات ذاتها كما نستطيع نحن.
غالبًا ما تشكّل رحلة العودة إلى بيت الطفولة رغبة في استرجاع الزمن الذي كان يغلّفه وتذوّق السعادة ذاتها مرة أخرى، وإن كانت أحلام اليقظة تعيدنا إلى ذلك البيت مجازًا، فإن العودة إليه في الواقع ستكون ناقصة دون الذكريات. يصوّر الكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي في كتابه «رأيت رام الله» دوافع الفلسطيني لتكثيف الزمن وتثبيته في المكان كوسيلة مقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي الذي يدمّر الأماكن المأهولة، سعيًا لمسح ذاكرتها. ومن خلال رحلة عودته إلى قريته «دير غسّانة» وتحديدًا إلى الدار التي ولد فيها، يحاول أن يقبض على بعض اللحظات في ذاكرته:
«علاقتي بالمكان هي في حقيقتها علاقة بالزمن. أنا أعيش في بقع من الوقت بعضها فقدته وبعضها أملكه لبرهة ثم أفقده لأنني دائمًا بلا مكان… دار رعد ليست مكانًا. هي أيضًا زمن. زمن النهوض مع صلاة الفجر من أجل التين المقطوف على ضوء الفجر… زمن جرار الزيت القادم للتو واللحظة من بابور أبو يوسف إلى رغيف الطابون الساخن في يدي قبل الذهاب إلى المدرسة…أماكننا المشتهاة ليست إلا أوقاتًا».[3]
وبينما يفتح الأدب أبوابًا سرّية وأخرى مواربة لكتابة وقراءة بيوت الطفولة، فإن الفنّ والسينما يفتحان أبواب البيوت على مصراعيها ويتيحان التفرّج على دواخلها بحرية. يعتبر فيلم «المرآة»[4] عام 1975 لشاعر السينما والمخرج الروسي أندريه تاركوفسكي حلم يقظة شاعري طويل يدور حول خسارة بيت الطفولة ومحاولة التحرّر من تلك الرغبة الملحّة في استرجاعه.
تصحبنا كاميرا تاركوفسكي المعروفة بالشعريّة البصرية إلى عالم الطفولة السوريالي ومكنوناته الأثيرة، فيضحي من الصعب أن نقبض على ذاك الحدّ الفاصل بين الذاكرة والخيال. ومن قطع أثاث البيت صغيرها وكبيرها والحديقة وحتى الريح التي تحُرّك أشجارها والنار التي تحرق البيت أخيرًا، يخلق تاركوفسكي شخصيات ثانوية للفيلم، وإذ يبدو الطفل بطلًا للفيلم للوهلة الأولى، إلا أن البطل الحقيقي الذي تدور حوله كل الشخصيات الأخرى ويعتبر وجودها رهينًا به هو البيت.
وليس بالضرورة أن تكون العودة إلى بيت الطفولة دائمًا ذكرى سعيدة، بل قد تعبّر عن رغبة التحرّر من ذكرى ملحّة وإنهائها كليًا. يقول تاركوفسكي بعد إنجازه للفيلم: «اختفت فجأة كل ذكريات الطفولة التي كانت تقضّ مضجعي وكأنها ذابت تمامًا، وتوقفت أخيرًا عن الحلم بالبيت الذي عشت به لسنوات طويلة».[5]

البيت تجسيدًا لساكنيه
بعد أن نؤثث فراغ البيت بما يحلو لنا، نتكّىء على جدران الداخل، ونتعرّى مما يثقلنا وراءها. وفي محاولة لاستعراض دواخلنا أمامنا وأمام الآخرين، نثبّت الصور واللوحات التي تعكس ذوقنا على جدران البيت، ونضع في أركانه تحفًا وتذكارات قد لا تعني شيئًا للآخرين بقدر ما تعنيه لنا، أما في أدراجه وخزاناته فنُخبّىء ما يُهمّنا أو ما أهملته عيوننا. إننا نتآخى مع جسد البيت وروحه بشكل يومي وندخل في حالة من التماهي مع هذا المكان الذي نسكنه فيسكننا.
ولأن «البيت ينحّي عوامل المفاجأة ويخلق استمرارية»،[6] فإن المكوث داخله يمثل حالة من الاستقرار ونوعًا خفيفًا من الحياد؛ راحة من أن يكون الشخص شخصًا، ويوم عطلة من تلك الذات التي نلبسها أمام الآخرين. وكما يقول درويش في قصيدته «يوم الأحد»:
«في البيت أجلسُ، لا سعيدًا لا حزينًا
بين بين، ولا أبالي إن علمتُ بأنني
حقًا أنا… أو لا أحد!»[7]
على شاكلة ساكنيه، قد يتّخذ البيت وظائف وصفات إنسانية، فحسب تعبير باشلار: «إن البيت الذي يواجه بالعدوانية الوحشية للعاصفة والإعصار، تتحول فضائل الحماية والمقاومة التي يمتلكها إلى فضائل إنسانية». ومنذ بداية جائحة فيروس كورونا الجاثمة على العالم، أدرك البعض أن البيت كان وما زال بطلًا فاضلًا، نظرًا لدوره الذي لا بديل أو غنى عنه.
أمّا في قصائد الغزل العذري، تصير دار الحبيبة جسدها وروحها الغائبة، وما كان في وسع الشاعر الأموي القيس بن الملوّح حين يشتاق إلى ليلى إلا أن يزور منازلها قائلًا:
«أمرُّ على الدّيار، ديار ليلى
أُقبِّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبُّ الديار شَغَفن قلبي
ولكن حبُّ من سكن الديارا»[8]
فالخيال يحلّ محلّ البيت ويصير مكانًا بديلًا عنه تبعًا لنظرية باشلار. وعليه، يمكن القول كذلك إن القصيدة الطللية[9] في العصر الجاهلي وما يتخلّلها من وقوف على ديار المحبوبة والبكاء على أطلالها تمثل عملية إحلال للشعر والذاكرة في حيز المكان الذي أفقده مرور الزمن صلاحية ما كان عليه يومًا.

غرفة للانغماس في الذات والعالم
يُطلق على غرفة النوم في بعض اللهجات المحكية مثل المغربية والتونسية والجزائرية «بيتًا» أو «دارًا» كما في اللهجة الليبية والكويتية. وفيما يبدو منطقيًا -من ناحية لغوية- أن يُسمّى المكان الذي يبيت فيه المرء بيتًا، فإن اختزال المُسمّى بالوظيفة هنا يضفي على الغرفة رونقًا أكثر خصوصية وحميمية، ويجعل منها بيتًا صغيرًا داخل البيت الأكبر، تمامًا كالدور الذي تمثله البيوتات في هذا العالم على نطاق أوسع. وعندما يتعدّد الأشخاص الذين يسكنون في البيت ذاته، يضحي من الضروري أن يكون للمرء مساحة فردية وزاوية حميمية يلجأ إليها عندما تحلو له الخلوة مع نفسه.

ولا تتخذ الغرفة أبعادًا داخلية فحسب، بل تحدّد حالة المرء داخلها علاقته مع العالم الخارجي؛ فالغرفة بمثابة حجر الأساس الذي ترتكز عليه الذات، وكل ما يمكن أن تقدّمه للعالم عند خروجها إليه. في مقال الكاتبة البريطانية فرجينيا وولف «غرفة تخصّ المرء وحده» عام 1929، تشدّد وولف على أهمية الغرفة، خاصة بالنسبة للمرأة التي تريد أن يكون لها شأن في عالم الكتابة قائلةً: «ينبغي على المرأة أن تملك المال وغرفة خاصة بها إذا أرادت الكتابة».[10] ورغم أن غرض وولف من هذا المقال هو التأكيد على أهمية التعليم بالنسبة للمرأة، فإن توظيف الغرفة هنا يعدو كونها مجرد ركن المرء الخاص في البيت، بل يعكس استقلالية ورؤية وهدفًا.
مهما كان انكفاء المرء على ذاته في الغرفة أو البيت مُلهمًا، فإن عدم تتويج هذا الإلهام بالخروج إلى العالم ما هو إلا عزلة عقيمة في النهاية.
ومع ذلك، مهما كان انكفاء المرء على ذاته في الغرفة أو البيت مُلهمًا، فإن عدم تتويج هذا الإلهام بالخروج إلى العالم ما هو إلا عزلة عقيمة في النهاية، ولا بد للعنصر الداخليّ أن يستمدّ غايته وعظمته من العنصر الخارجي. يرى الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك أن الحيّز الداخلي لا يمكن أن يكون في معزل تام عن الخارجي، ولذلك فهو في حالة اتصال دائم مع عناصره. وتبعًا لنظريته حول «الفقاعة»، فإن سلوتردايك يعتقد أن حالة تعايش المرء مع العالم الخارجي لا تقل أهمية عن وجوده في الحيز الداخليّ الذي يشغله، ولذا مهما كانت الفقاعة في مأمن من العالم الخارجي، فإنها وُجدت «عبر إلهام العالم وحركته».[11] وباعتقادي فإن الجهد المبذول في نطاق الحيّز الداخلي، والعمل على التأكد من استدارته واكتماله قبيل الخروج به إلى العالم، لا يحدّد مسار الذات فحسب، بل يساهم -ولو قليلًا- في التأثير في العالم الذي تخرج إليه في النهاية. وكما يقول باشلار: «كلما ازداد تكثيف الطمأنينة واكتمل انغلاق القوقعة، كان الكائن الذي ينبثق مختلفًا كلما عظم تمدّده وكبر».
لكن السؤال هنا: إلى أي حد يمكن أن يكون الانغلاق مُحكمًا؟ إذ لا بدّ أن يرشح وجع العالم وبؤسه إلى الداخل مهما علت أسوار البيت وطابت العزلة في أرجائه. وفي حين أدرك الكثيرون نعمة البيت، وضجِر آخرون من البقاء خلف جدرانه في الفترة الأخيرة، فإن الجائحة قد أدارت رؤوسنا نحو الجانب المظلم، حيث لا بيت ولا وقت لرفاهية الضجر في تلك الأثناء. تعكس رواية فرجينيا وولف «رحلة الخروج» عام 1915 هذا الصراع القائم بين الانعزال عن العالم وقرار الخروج إليه على لسان إحدى الشخصيات: «عندما أكون مع الفنّانين أستشعر بهجة أن يغلق المرء على نفسه في عالم خاص به؛ عالم مليء بالصور والموسيقى وكل ما هو جميل، ولكن عندما أخرج إلى الشوارع ويصادفني أول طفل فقير وجائع بوجهه المتّسخ، أدرك أنني لا يجب أن أعيش في عالمي الخاص، وأنني يجب أن أوقف الرسم والموسيقى حتى يتوقّف كل هذا».[12]
يمثّل البيت، والغرفة على وجه التحديد، اختزالًا للكون على اتساعه، وكل ما يدور في العالم الخارجي لا تسلم منه الغرفة مهما أُحكم إغلاقها، ولكنها في تلك الأثناء تُلهم الذات وتصحبها في رحلة من الداخل إلى الخارج سعيًا لإضاءة ركن صغير ومعتم من هذا العالم. أمّا عندما يضيق الكون على اتّساعه، فلا شيء يصلحُ أكثر من بيت صغير أو حتى غرفة صغيرة يحلم المرء فيها ويتخيّل ويعيد خلق ما تآكل وصَدِىء من حقائق ووقائع بائسة. وكما يقول الشاعر السوري رياض الصالح الحسين في قصيدته «غرفة صغيرة وضيّقة ولا شيء غير ذلك»:
«ومنذ أن ولدت بلا وطن
ومنذ أن أصبح الوطن قبرًا
ومنذ أن أصبح القبر كتابًا
ومنذ أن أصبح الكتاب معتقلًا
ومنذ أن أصبح المعتقل حلمًا
ومنذ أن أصبح الحلم وطنًا
بحثت عن غرفة صغيرة وضيِّقة
أستطيع فيها التنفُّس بحريَّة».[13]


الهوامش
[1] جماليات المكان، غاستون باشلار، ترجمة غالب هلسا.

[2] البحث عن الزمن المفقود: جانب منازل سوان، مارسيل بروست، ترجمة إلياس بديوي.

[3] رأيت رام الله/ مريد البرغوثي.

[4] Zerkalo, Andrei Tarkovsky. https://www.youtube.com/watch?v=0P3qtwqtLfU

[5] Johnson, Vida T. & Petrie, Graham. The Films of Andrei Tarkovsky: A Visual Fugue.

[6] جماليات المكان، غاستون باشلار، ترجمة غالب هلسا.

[7] الأعمال الكاملة، محمود درويش.

[8] ديوان مجنون ليلى، شرح يوسف فرحات.

[9] انظر/ي مقدمة المترجم غالب هلسا في كتاب جماليات المكان، غاستون باشلار.

[10] Woolf, Virginia. “A Room of One’s Own”. اعتبر المقال فيما بعد بمثابة «المانيفستو» في مجال الدراسات النسوية وهو في الأصل مبني على محاضرتين ألقتهما فيرجينيا وولف في جامعة كامبردج عام 1928.

[11] Sloterdijk, Peter. Spheres I: Bubbles. Translated by Wieland Hoban.

[12] Woolf, Virginia. The Voyage Out.

[13] الأعمال الكاملة، رياض الصالح الحسين.

الثلاثاء، 5 مايو 2020

لو كان لدينا مدن حقيقية.. لو كان!

https://bit.ly/3chg4qU

بقلم: إبراهيم غرايبة
جريدة الغد

أظهر منع استخدام السيارات عيوب التخطيط العمراني والاجتماعي لمدننا وأحيائنا، وبدا في غاية الأهمية ما كان يقال عن المدن والبلدات والأحياء والشوارع والأرصفة في بلدنا وأنها مصممة على نحو عدائي مع المواطن أو على الأقل تتجاهل وجود الناس واحتياجاتهم.
لقد ردتنا الجائحة أو يفترض أن تردنا إلى الحقائق الأساسية، فالمدن في روايتها المنشئة هي أطفال يمشون إلى المدرسة ويعودون إلى بيوتهم، ورجال ونساء يذهبون مشيا على الأقدام إلى أعمالهم ومصالحهم ويعودون إلى بيوتهم، وفي ذلك يجب أن يكون في حدود دائرة قطرها ألف متر معظم ما يحتاج إليه الساكنون في هذه الدائرة، من مدارس وأسواق وخدمات واحتياجات، وهذا ليس اختراعا جديدا، فالعالم على مدى آلاف السنين ينظم حياته على هذا النحو. ما الذي حدث لنا لتكون مدننا وبلداتنا كأنها هباء منثور؟ في جميع أنحاء العالم وعلى مدى التاريخ والجغرافيا ترتبط حياة الناس اليومية بالمشي على الأقدام، وهكذا أيضا تخطط الشوارع والأرصفة والمرافق والمباني والحدائق والأسواق وتتشكل القرى والبلدات والأحياء، ثم الانتخابات العامة والجمعيات والأندية والقيادات الاجتماعية،.. وبغير ذلك لن يكون في مقدور الناس أن يعيشوا معا.
فالعيش معا في المدن هو قدرة الناس على معرفة بعضهم بعضا والتعاون والتنافس والتشاور، وأن يلعب الأطفال والفتيان معا في أمان ويشكلون فرقا رياضية وفنية وأعمالا تطوعية، ثم يكون في مقدور الناس أن يعرفوا على نحو دقيق احتياجات بعضهم بعضا ويوفروها بكفاءة ودون كلفة أو جهود إضافية، وسوف يدبرون أيضا الرعاية الاجتماعية والصحية ويلاحظون احتياجات المرضى وكبار السن والمعوقين، ويديرون معظم حياتهم واحتياجاتهم بمواردهم الذاتية أو بحصة من الموارد العامة وسوف يحققون وفرا في المال العام وتفعيلا للإنفاق وضمانا وترشيدا للعمل والخدمات.
لكن وعلى أي حال فإن الجائحة فرصة مهمة للتفكير وإعادة التفكير في التنظيم الاجتماعي للمواطنين ليكونوا أكثر قدرة وفاعلية في المشاركة وفي تحمل المسؤولية، بل هي أيضا مراجعة شاملة واستراتيجية للمؤسسات والأفكار والفلسفات المؤسسة والمنظمة للدولة الحديثة المركزية. هي لحظة وعي تاريخية قد نحتاج إلى مائة سنة حتى نستعيدها مرة أخرى، وإذا لم تتغير الذهنية العامة المحركة والمؤسسة لأفكارنا ورؤيتنا لما نحب أن نكون عليه وما يجب فعله لنكون ما نحب، ونتساءل بجرأة ووضوح حول كل فكرة أو مؤسسة هل بقى لها حاجة، هل ثمة حاجة للاستغناء عنها أو تغييرها، ولا بأس أن نتذكر متى وكيف نشأت المؤسسات والأعمال والمهن والوظائف والسلع والخدمات ومتى وكيف جرى تنظيمها على هذا النحو، ذلك أن تحويل واقع عملي ومعيشي أو تنظيمي أو سياسي إلى مبادئ مقدسة وثوابت وطنية يمنع التفكير الصحيح ويحمي طبقات ومصالح لم يعد لها حاجة أو أهمية، نحتاج ليس أقل من أن يجتمع الناس جميع الناس حسب أمكنتهم وأعمالهم ومصالحهم ويتساءلوا من جديد ماذا يريدون وماذا يحتاجون وماذا لا يريدون وماذا لا يحتاجون. وأن يبدأوا من لحظة الخوف والبقاء السائدة ليفكروا في مستقبلهم.
ففي ظلّ الخوف الذي يكتسح عالمنا الآيل للسقوط، والعالم المقبل غير الواضح، لم تعد الفلسفة السائدة والمنشئة لعالمنا ومؤسساتنا وواقعنا قادرة على حماية وعينا بذاتنا، ولا تشكيل وعي جديد، ولا نملك أيضاً القدرة على انشغالات تتقدمها انشغالات البقاء، ومواجهة الخوف على وجودنا وأعمالنا ومصائرنا، لكنّها، بطبيعة الحال، مرحلة انتقالية محدودة؛ إذ سوف تبدأ الموارد الجديدة بالتشكل، ومعها أسواقها ونخبها وأفكارها وفلسفتها.

الاثنين، 23 مارس 2020

الرسائل الورقية.. عن الحنين الذي لا يفهمه أبنائي

بقلم: جعفر العقيلي
في زمن ليس بالبعيد، عبّرت سيدة الغناء العربي فيروز عما تحمله (المراسيل) الخاصة من قيمة وجدانية تخلدُ وتبقى في الذاكرة: (يا مرسال المراسيل ع الضيعة القريبه، خدلي بدربك هـالمنديل واعطيه لحبيبي، عالداير طرّزتو شوي بإيدي والإسوارة، حيكتلو اسمو عليه بخيطان السنارة).
 هذه الكلمات البسيطة والعميقة في آن، يعيش معناها جيلٌ عاش زمنين مختلفين تماماً؛ الماضي الذي نحمل له ولصوره بالأبيض والأسود نوستالجيا شفيفة، والحاضر، صنيعة وحش التكنولوجيا وثورة الاتصالات اللاهثة.

أنتمي أنا إلى هذا الجيل الذي يمكن وصفه بـ(المخضرم)، وبين هذا وذاك أرقب الآن المشهد فيبدو ما سأرويه لأبنائي غريباً حدّ أنهم لن يصدّقوا أن الهاتف الأرضي ذا السلك المثبت في الحائط كان موجوداً قبل ولادتهم، وأن ساعي البريد الذي كان يجوب الأحياء ويطرق الأبواب كالدوّاج شخصية حقيقية وليس قادماً من الخيال.
كان عمّي ساعي بريد، وربما كان هذا دافعاً إضافياً -إلى جانب شغفي الخاص- لأقيم علاقات صداقة بالمراسلة مع شباب عرب يتوزعون في أصقاع الأرض، وعبر استقبال رسائل (ورقية) وبطاقات بريدية تشكّلت لدي معرفة طيبة بالمعالم الحضارية والسياحية في بلدان مختلفة، فكنت كمن يتجول فيها بمجرد تأمّل تفاصيل البطاقة التي تحمل صورةً بليغة!.
فصورة برج إيفل التي أرسلها لي صديق سوري مقيم في باريس قبل أكثر من ربع قرن، كانت كافية لأن أصعد درجات البرج وسلالمه وأُطلّ على باريس من علياء! تشجعني على ذلك عبارة الصديق على الجهة الأخرى من الصورة وهو يخاطبني: (تمنّيتك معي هنا)!.
وبوحيٍ من الرسائل والبطاقات البريدية، أصبح لدي اهتمام بالطوابع البريدية، وأصبحت أقصّ الطوابع عن مغلفات الرسائل وأحفظها، ورجوت عمّي أن يطلب من الأشخاص الذين يحمل لهم الرسائل، أن يعطوه الطوابع لإثراء ألبومي! وهو ما تحقق لي بسهولة!.
وقد قادني هذا الأمر إلى تلبية فضولي المعرفي، وذلك بتتبع التفاصيل في كل طابع: الصورة التي يحملها، المناسبة التي صدر بها، عام إصداره، سعره بعملة بلده، نوع العملة... إلخ. وهذا ما قادني أيضاً إلى هواية أخرى تتمثل في جمع العملات النقدية المعدنية والورقية لدول مختلفة.
وكثيراً ما أعتز وأزهو بالمجموعة الفريدة من البطاقات التي أحفظها في ملفات خاصة بي، والتي كثيراً ما أخذتني معها في رحلات شيّقة إلى مدن ساحرة تطلّ على البحر، أو تربط الجسورُ أوصالَها، أو تنفتح على الصحراء، أو تملأ ساحاتها التماثيل والمنحوتات.
أدرك أنني أكتب الآن بشيء من الحنين، وهو حنين لا يفهمه أبنائي أو على الأقل لا يجدون مسوغاً له، هم الذين اعتادوا على إيقاع آخر فرضته معطيات العصر عليهم، فبدأتْ وظيفة ساعي البريد بالتلاشي، وتقاعدَ عمّي قبل عقدين! لكني ما أزال أصرّ على أن يكون لي صندوق بريد أزوره مرة كل شهر، بانتظار رسائل الأصدقاء الذين أراسلهم ويراسلونني بين حين وآخر.. وفي هذه الرحلة، أصطحب ابني كي أربطه وجدانياً بماضٍ أحبّه، لكنه –للأسف- لا يبدو مهتماً، وقد يبالغ في مناكفتي فيخاطبني: (يا أبتي؛ أنتم تصعّبون الأمور، بإمكان صديقك أن يرسل لك رسالة إلكترونية أو بطاقة مصمّمة فنياً على بريدك الإلكتروني وتصلك في ثوانٍ، فلماذا يغلّب نفسه ويغلّبك معه. هذا زمن السرعة!).
ابني معه حقّ نسبياً، ولكن ما هكذا تورَد الإبل، فأنا أؤمن أن الصديق الذي بذل جهده لشراء بطاقة من أجلي وكتب عليها عبارة لطيفة ووضع طابعاً اختاره بعنايةٍ لمعرفته بشغفي في الطوابع، هو صديق مخلص، وفي هذا قمة التواصل والحرص عليه. أما البطاقة الجاهزة التي يتم إرسالها عبر إحدى (وسائل التواصل الاجتماعي) كـ(الفيس بوك) و(الواتس أب)، فقد لا يكون الباعت لإرسالها سوى المجاملة أو رفع العتب، ولهذا غالباً لا يردّ أحدنا على رسالة من هذا النوع لمعرفته أنه تم إرسالها للكثيرين بكبسة زر، في مناسبةٍ ما، وإنها بالتالي لا تخصّه وحده، أو ليست موجهة له تحديداً.
أقصد أن الأشياء التي نبذل وقتاً وجهداً من أجلها تقدَّر عند الآخرين عالياً، والأشياء التي نقوم بها من دون جهد أو تخصيص ستقابَل باللا اكتراث في الغالب.
يتأرجح أبناء جيلي؛ بين زمنين؛ ماضٍ سحيق، وحاضر يحمل كل يوم مفاجأة في مجال الاتصال البشري (وليس التواصل الإنساني)، ورغم تورطنا بمعطيات العصر ومحاولاتنا اللحاق بالركب، إلا أن حنيننا الأول هو إلى ذلك الزمن الذي تربّينا فيه على احترام العلاقة مع الورق؛ سواء الكتاب أو الرسائل أو دفاتر اليوميات، لهذا نحتفظ بالورقيّ ونشعر أنه حميمٌ أكثر من سواه، نعود لأوراقنا ونقلّب الصفحات بمتعة، وفي خلد الكثيرين منا أن هذه الأوراق ستبقى نافذة لأبنائنا أو المقربين منا ليطلّوا منها على جزء من حياتنا وتاريخنا الشخصي الخاص بعد رحيلنا.
قد نتحفظ على طرق التواصل الحديثة التي تميل إلى جعل العلاقات والمشاعر معلّبة أو مسلّعة قابلة للاتجار بها، حتى إن عدداً من المواقع الإلكترونية متخصصة في تصميم بطاقات جاهزة تبثها في المناسبات العامة ليتم تناقلها عبر الضغط عليها ثم الإرسال، لكن رغم هذا التحفظ إلا أنه لا بد أن نقرّ بأن هذا التطور هو قانون من قوانين الحياة، فالإنسان سعى منذ فجر التاريخ إلى إيجاد أساليب جديدة للتواصل، وكان من الطبيعي أن يقوده تفكيره إلى تطوير وسائل التخاطب؛ فقد استخدم إنسان الكهف الأصوات والصيحات المرتفعة، ثم استُخدمت النارُ في مرحلة لاحقة من حياة البشرية، ثم توصل الإنسان إلى اختراع الكتابة برموزها التصويرية القديمة التي تطورت فيما بعد إلى الكتابة المسماريّة ثم الهيروغليفيّة.. والتي تطورت معها بالضرورة طرق الاتصال بين البشر.
وفي مراحل متقدمة استُخدم المراسلون الذين كانوا ينقلون الرسائل المكتوبة من مكان إلى آخر راجلين أو عبر استخدام الحيوانات كالأحصنة والحمير، ومن الطريف أن أجدادنا اعتمدوا قديماً على العدائين في الجري السريع لإيصال الرسائل بسرعة، ومنهم من كان يلجأ لتقسيم المسافة بخاصة إن كانت طويلة، حيث يجري أحدهم لمسافة معيّنة ثم يلاقيه آخر ويكمل عنه وهكذا، كما اكتُشف الحمام الزاجل وكانت الرسائل تُربط في أرجله ليقوم بنقلها إلى المكان المراد، بعد أن يخضع لتدريب على ذلك.
وبالطبع هناك العديد من الوسائل التي استُخدمت للتراسل والتخاطب بين البشر عبر التاريخ لا يتسع المجال لذكرها هنا، لكن المؤكد أن الذهن يعجز عن التفكير بما تحمله هذه التكنولوجيا من جديد، وهل يمكن أن يأتي يوم يكتفي فيه إنسان العصر القادم بشريحة صغيرة تُزرع في جسده وتكون مسؤولة عن تنظيم كل مجريات حياته وحتى مشاعره وانفعالاته!

الخميس، 13 فبراير 2020

ما هو الحب؟

بقلم: ديك الجن

عندما رأيتك لأول مرة.. تدخلين عبر ذلك الباب الزجاجي كغزالة بيضاء.. أدركت ما معنى أن يصعق الإنسان.. أن يضربه سحر ما فيستلبه من وجوده.. ويحوله إلى مجرد عينين شاخصتين ذاهلتين.. لا أذكر فعلا ما الحوار الذي دار بيننا وقتها.. ربما كان كلاما عابرا متلعثما.. لكنني عندما عدت إلى منزلي، عدت وأنا أخبئ تلك الكلمات في راحتيّ كمن يخبئ كنزا.. وأمضيت تلك الليلة الشتائية كاملة وأنا أعيد رسم ملامحك في ذاكرتي وعيني.. أستعيد نغمة صوتك.. ضحكتك.. شعرك الأسود القصير كشعر صبيّ مدلل.. حضورك الطاغي.. كل تفصيل صغير فيك.. استعدته مرات ومرات ومرات.. ولم يأخذ ذلك التكرار من حلاوته شيئا.. واعتقدت وقتها أن تلك السعادة التي تفيض في ضلوعي، هي ذاتها الحب الذي يتغنى به الشعراء والكتاب.. كانت تلك إجابتي عن الحب فيما لو سئلت عنه.. لكن حين قبلت دعوتي للغداء بعد ذلك بأيام.. تغير كل شيء.. 
كان ذلك أول لقائي مع تلك النار التي تستعر في الصدر والقلب والعقل والبطن وتحت الأرجل دونما حمىّ أو مرض ظاهر ويسميها العارفون الشوق.. أولى تجاربي مع الضياع في المكان.. عرفت معنى أن يتواجد الإنسان في غرفة صغيرة ومع ذلك يحس أنه ضائع في الفراغ.. يريد أن يذهب إلى كل مكان وأي مكان.. أن ينطلق بأقصى سرعة في الاتجاهات الأربع في الوقت نفسه.. لكنه مقيد بشيء لا يراه.. ويدور ويدور حول نفسه دون جدوى.. وقتها عرفت معنى أن يستيقظ الإنسان عدة مرات في الليل لينظر إلى الساعة.. ويلعن الساعة.. وعقارب الساعة.. وبطء الساعة.. ومن اخترع الساعات أساسا!! حينئذ فقط أدركت أن إجابتي الأولى عن الحب كانت خاطئة.. وأن ما سميّته حبا في لقائنا الأول لم يكن سوى انبهار المحروم.. وأن كل أولئك الشعراء الذين تغزلوا بعيون المها وجيد الغزلان، وكنت أظنهم سادة العشق وأساتذته، لم يكونوا في حقيقة الأمر إلا مراهقين مبهورين محرومين.. مثلي تماما.. وأنه لا يحلّ لمن لم يجرب الشوق.. ويعرف كيف يمكن للإنسان أن يحترق من داخله أن يصف نفسه بالعاشق!!
ثم التقينا.. ولمست السماء بيدي.. فوجدتها ملئت سحرا شديدا وألقا.. وأدركت حينها معنى أن يجالس الإنسان غيمة.. أو أن يتشارك طعامه مع غزالة.. وبماذا يحس الإنسان عندما يصافح ملاكا بيديه.. وتغيرت مفاهيم الزمان والمكان لدي.. فرأيت كيف لوجودك قي مكان ما، أن يحول الشوارع السوداء والأراضي الجرداء إلى جنة عدن.. وكيف أن الاستغراق في سماع كلماتك يجعل تلك الساعة السلحفاة تنهض على ساقيها وتعدو كحصان هارب.. وأدركت حينئذ ما كنت فيه من جهل حين ظننت أن الشوق هو الحب.. ولم يكن ذلك إلا لجهلي بالوصل ولذيذ الوصل..

ثم تزوجنا.. ولم يعد هناك من ليال شوق أو لحظات وصل.. بل نهر دافق من سكينة تسكبينه في روحي.. فوقر في قلبي أن هذه الصلة الصلاة التي جمعتنا هي جنة المأوى وسدرة المنتهى وآخر محطات الحب.. وأنني قد أخذت من الهوى قسمتي ونصيبي.. وبلغت أقصى ما يمكن لعاشق أن يبلغه.. إلا أن ما حدث بعد ذلك قد غير رأيي..
إذ أنني بدأت اكتشف.. أنني أصبحت لا أتناول إفطاري إلا عندما تتناولين أنت إفطارك.. وإن حدث وأكلت، فلقيمات باهتة لا طعم لها.. ولا تسمن ولا تغني من جوع.. وأنني لا أنام إلا بعد أن أتأكد أنك نمت.. وإن حدث وغفوت للحظات، أكلني قلقي وكوابيسي.. وظننت في البداية أن هذه قد تكون عوارض حمى أو نتيجة لتغير الطقس أو شيئا مما يعرض للناس ولا يلبث أن يزول.. لكنني كنت مخطئا.. فقد بدأ هذا الشيء ينتشر في دمي كالسمّ.. وأصبحت لا أجد الشيء مضحكا إلا لو أضحكك أنت.. ولا أبسم إلا لو تبسّمت أنت.. وإن كدّر شيء ما خاطرك.. اسودّت الدنيا في عينيّ حتى ترضي.. أصبحت لا أرى الحياة إلا من خلالك.. ولا أدرك الأشياء إلا عبر علاقتها بك.. وحبّك الذي تصورته يوما ما شيئا جميلا أستمتع به ساعة من نهار.. تغلغل في روحي وأضحى صبغتها وطابعها وسرّها.. إلى الدرجة التي عجزت فيها عن تعريف نفسي بدون أن أذكرك..

الآن .. وبعد كل تلك الأعوام من دخولي هذا الأسر الجميل.. أجد من الضروري يا سيدتي، أن تسمحي لي بأن أشطب كل إجاباتي القديمة عن تعريف الحب.. فكلّها خاطئة.. لأنه إن لم يكن هذا التدمير اليومي والممنهج لقدرتي على البقاء حيا بدونك هو الحب.. فما هو الحب إذن؟ قولي لي.. ما هو الحب؟

الأحد، 2 فبراير 2020

حجابي في حياتي (في اليوم العالمي للحجاب)

رشــأ الخطيب


حجابي في حياتي (1)

في نهاية الأسبوع الاعتيادية التي نقضيها في إربد، لعبتُ مع ابن عمي ذي الثلاث سنوات في شرفة بيتنا الواسعة، وما زالت ابتسامته مطبوعةً في ذاكرتي، بأسنانه البيضاء الصغيرة وشعره الأسود.
 وصل الخبر بعد يومين؛ سقط عليٌّ من الطابق الأول في بيت جدي، ليستقر رأسه الجميل على الرصيف، ويغيب أياماً.. ثم قيل: رحمه الله!
كان رحيله مفاجئاً وحزيناً، جعلني أقرِّر ارتداء الحجاب، وأنا التي أعشق البنطلون وأؤجل فكرة الحجاب وأقول: "سأتركه إلى أن أصيرَ في الأربعين".. وكنتُ أظن الأربعين بعيدة!! فإذا هي تأتيك في عشيةٍ أو ضحاها!
قررتُ ارتداء الحجاب في سنتي الجامعية الثانية، أخبرتُهم بقراري، ولم أسمع إلا من والدي عبارة: "المهم ألا تلبسيه اليوم وتشلحيه بكرة"! هذا فقط كان التوجيه الذي سمعتُه، والبقية تركوا الأمرَ لي. وخلال أيام كنتُ اشتريتُ ملابس مناسبة وأغطية للرأس.. وانتهى!
في الحقيقة حين أفكرُ اليومَ، وأنا على بُعد نحو ربع قرن من ذلك القرار، أجدُني أزدادُ شكراً لله على هذا الرزق، وعلى ذلك القرار؛ فبعضُ القرارات في حياتنا لا تحتمل التأجيل، وتحتاج منكَ أن تكون سريعا.. وحاسما.
لكن الأمر لم ينتهِ بارتداء الحجاب وكفى، كما يعتقد كثيرون، بل إن الحجاب ينمو يوماً فيوماً في نفس المسلمة، ولحظة ارتدائه هي البداية فقط.
 كان ارتداءُ غطاء الرأس والملابس الطويلة- يسيراً نوعاً ما على فتاةٍ مثلي، التزمتْ أداء الصلوات في أوقاتها في أثناء الدراسة الثانوية، بفضل الله وبفضل معلمة التاريخ في الأول الثانوي، جزاها الله عني خيراً في كل ركعةٍ أؤديها، والصلاة تجلو القلوب وتعينُ على الأصعب منها.
كانت تلك الخطوةَ الأولى، وكانت ميسَّرةً إلى حدٍّ كبير؛ لم تواجهها اعتراضاتٌ خارجية من العائلة، ولا انتكاساتٌ فكرية من داخل نفسي، أضف إلى ذلك أن الجوَّ العام في الحياة الجامعية – أواخر عقد الثمانينات وأوائل التسعينات في الجامعة الأردنية– كانت مشجِّعة بصعود نجم الاتجاه الإسلامي.
لم أكن أعلم وقتَها أن الحجاب سيكون اختباراً في محطاتٍ قادمة من عمري...
ولكل فتاة تعتقد أن قرار ارتداء الحجاب وحشر جمال شعرها وجسدها تحت أغطية قماشية، هو الخطوة الأكثر صعوبة والأشد وطأة على نفسها، أقول لها: بل إن ما يلي هو الأصعب والأشد، إنّ ما يلي هو الاختبار الحقيقي لمعنى الحجاب الذي ترتدينه.. ويبدو أنه كلما تقدَّم العمرُ والتجارب بالفتيات الشابات، تزداد الاختباراتُ التي يقعْنَ أمامها بسبب ارتدائهنّ الحجاب.
لم تواجهني طوال حياتي الجامعية الأولى اختباراتٌ حقيقية يفرضها الحجاب، ولم تواجهني كذلك صعوباتٌ تُذكَر حين خروجي إلى الحياة العملية، إلا من باب أن العمل في بلادنا العربية يكون عادةً مقسوماً بين المحجبات وغير المحجبات في المؤسسات المختلفة؛ فيحبِّذ بعضُها المحجبات وبعضها يفضلُهُنّ بلا حجاب، وحتى هذه القسمة تكون خاضعةً هي الأخرى لشروطٍ معينة يتواطأ عليها أصحابُ العمل بمواصفاتٍ خاصة لملابس المحجبات أو لملابس غيرهنّ.
أذكر أنني عملتُ في إحدى دور النشر في بداياتي المهنية، وكان صاحبُ الدار رجلاً ذا هيبة وقدر في نفسي، احترمتُ فيه صراحته حين أبلغني ذات يوم –وقد كنتُ مخطوبة- أنه لا يحب توظيف متزوجات، فأشار عليّ أن أتقدم لمقابلة عملٍ في إحدى المدارس الإسلامية وقد أوصى بي هناك.
ذهبتُ للمقابلة التي لم أوفَّق فيها لسببٍ فهمتُه لاحقاً من صديقتي: "تأتين إلى المقابلة بفستانٍ حريري بلونٍ ورديّ، وتريدين أن تفوزي بالوظيفة بعد كل هذا؟!"
كانت تلك التجربةُ الاختبارَ الأول الذي كان الحجابُ فاصلاً فيه، وهذه تجربةٌ قد تمرُّ بها أخريات، ولا يبقى منها إلا ذكرى، ربما تستدعيها الظروف من حين إلى حين.
ثم حانتْ تجربةٌ أخرى واختبارٌ جديد كان الحجاب فيه حاضرا؛ لكنه لم يكن في سياق الدراسة أو العمل، إنه في سياق المواجهة مع الآخر!
كنتُ انتهيتُ من دراسة الماجستير، وقطعتُ شوطاً من العمل في التدريس، حين انتقلتْ عائلتُنا الصغيرة للإقامة في بريطانيا، وهناك كان للحجاب مذاقٌ آخر لم أعهده في بلادنا العربية، وكان للحجاب تحدياتٌ أخرى ما شعرتُ بمثلها من قبل. للمرة الأولى أشعر بأن الحجاب هو هُويَّتي التي تعرِّفني إلى الآخرين، التي تجعلني متميزة، هُويَّتي التي لا أخجل منها، وهُويَّتي التي أفتخر أنني أتميز بها.
كانت إقامتُنا في مدينة إدنبرة في أقصى الشمال البريطاني، وكأيِّ غريبٍ يحاول أن يشتمَّ رائحة الوطن والأهل في ديار الغربة في كلِّ إشراقةِ شمس، هي هي الشمسُ التي أشرقت منذ قليل على بلادي تشرق الآن أمام عينيّ هنا، هو هو النسيمُ المسافرُ عبر المسافات يحمل عبقَ البلاد ورائحة أهلها يمر أمام بيتي، كنتُ أسيرُ في شوارع المدينة الجديدة بحجابي، الذي لم يكن يثير فضولاً ولا استغراباً لدى سكانها؛ لأننا كنا نسكن المنطقة المحيطة بالجامعة، وهي تضمُّ طلبةً من وراء البحار، وفيهم نسبةٌ معقولة من المسلمين وعائلاتهم يألفهم أهلُ المدينة، التي جعلت من وسط المدينة يضم كذلك مسجداً جميل المعمار يسمى المسجد المركزي لمدينة إدنبرة.
كان التجوال وسط المدينة وفي الشوارع المحيطة بالجامعة، هو الذي جعلني أشعر بميزة الحجاب الذي يغطي شعري وجسدي، كنتُ أُلقي تحيةَ الإسلام على كل محجَّبةٍ أصادفُها في طريقي، وغالباً ما كنَّ من الهنديات والباكستانيات المحجبات، يَسِرْنَ في وسط إدنبرة بأثوابهن التقليدية المزركشة الزاهية الألوان.
كان إلقاءُ السلام على أي محجبة في طريقي يملأ نفسي بتلك الروح التي ترشدُ إليها السُّنةُ النبويةُ الشريفة بإفشاء السلام على من تعرف ومن لا تعرف، بكل ما توحي به حروفُ كلمة (إفشاء) من إصرار على نشر التحية في الأرض، لتعمَّ المحبةُ القلوبَ وتطغى وتزيد، ويمنحني كذلك نوعاً من الألفة في هذه المدينة الغريبة أول استقراري بها.
كانت كلمةُ السر بيني وبينهنّ: الحجاب، وكلمة السر الأخرى: اللغة العربية في عبارة (السلام عليكم).. إنها مفاتيح يمكنك أن تحملها معك في كل مكان... كم سعدتُ بتلك اللغة الصامتة المشتركة التي تخلقُها قطعةُ قماشٍ لا تتجاوز متراً، لكنها إذا أُلقِيتْ على الرأس كانت تعبيراً لا ينتهي عن محمولاتٍ (هُويَّاتية).. حينها أدركتُ حقاً معنى "الحجاب هُوية المسلمة". لم أكن بحاجة إلى أطروحاتِ الهُوية واللغة والأمة والدين والثقافة...وغيرها التي يلوي بها أساتذةُ الجامعات ألسنتَهم! ولكنني أعترف أنني –للأسف- حين ألِفتُ المكان، ونمَتْ صداقةٌ بيني وبين الأزقة والأمكنة المجاورة- ما عدتُ قادرةً على تلك العادة، وما عاد الحجابُ يغريني بإلقاءِ التحيةِ على صاحبته، وما عادت الدهشةُ تغزو قلبي حين أصادف في إدنبرة محجبةً مثلي في السوق أو في الباص أو في...المسجد!

حجابي في حياتي (2)

من الأشياء الحلوة التي ما زلتُ أحتفظُ بها لمدينة إدنبرة في نفسي- احتضانُ المدينة للغرباء، وتفكير أهلها والجامعة بأشياء كثيرة يحتاجها الطالبُ الجامعي الذي تغرَّب عن بلاده ليطلب العلمَ في بلادهم.
ونادي السيداتWomen`s Club  هو واحدٌ من تلك الأشياء، كان اكتشافاً ظريفاً دلَّتْني عليه إحدى الصديقاتِ العربيات المقيمات في المدينة، وهو نادٍ يقوم على فكرةٍ قابلةٍ للتنفيذ في أيّ زمان وبكل مكان إذا توافرت القلوبُ والإرادة، إنه ببساطة نشاطٌ اجتماعي أسبوعي تقدمه بعضُ المتطوعات لمساعدة زوجات الطلبة الأجانب الدارسين في الجامعة- على قضاءٍ وقت مفيد صباح كل ثلاثاء، ويساعدهنّ في معرفة أسرار المكان وعادات أهله والاطلاع على أنشطة وبرامج منوَّعة تنتشر في المدينة... باختصار إنه شيء جديد لم نعرف مثله في بلادنا!
سررتُ جداً لهذا الاكتشاف؛ خاصة أنّه يضم حضانة، وكان أطفالي صغاراً، مما يسمح للأم أن تقضي نحو ساعتيْن –وهي مطمئنة- في أنشطةٍ لتعلُّم اللغة والثقافة الإنجليزية، فيما يقضي أطفالُها وقتهم يلعبون ويتعلمون في غرفةٍ أخرى بعيداً عن الأمهات.
في النادي كانت هناك زوجات لطلبةٍ من أدنى الأرض إلى أقصاها، وكنتُ في الحقيقة تهيَّبْتُ أولَ الأمر من كوني عربية مسلمة؛ نظراً للصورة النمطية السائدة في العالم عن بلادنا، فما بالك بالصورة النمطية عن امرأة من تلك البلاد، وفوق ذلك محجَّبة؟! لكني استجمعتُ قواي واندفعتُ إلى النادي بانتظام استمر لأكثر من سنتيْن رائعتيْن.
كان الحجابُ اللافتةَ الأولى التي تعرِّفُني للأخريات، فالجميع هنا – وأنا منهنّ- يرتدين الملابس الأوروبية الدارجة، كالقميص والجاكيت والتنورة والبنطلون، لكن حجابي يجعلني مختلفة، فيما كان بالإمكان تمييز اختلاف الأخريات بسهولة؛ فمن كانت من اليابان والصين بالعيون مثلا، ومن كانت من أفريقيا بلون البشرة، ومن كانت من غيرها بالملابس التقليدية...وهكذا.
تلك كانت سبيلُ الوهلة الأولى للممايزة بين السيدات في النادي، وهي حقيقةٌ لا يمكن إنكارها حتى لدى أكثر الناس انفتاحاً على الآخر؛ فما زال للون وللمواصفات الجسدية الفارقة بين الأجناس البشرية- منزلة مقدمة لهذا التمايز، دون قصد أحياناً، وإنْ كانت تبقى في الخاطر، وفي الغالب لا تَعْدوها.    
كنتُ أعي الصورةَ النمطيةَ التي تحملها هؤلاء عن العرب والمسلمين عامة، وعن نسائهم خاصة، لذا حرصتُ دوماً بقصد وبغير قصد، على تقديم الصورة التي تَحكينا حقيقةً أمامهنّ: بشراً لا ملائكة ولا شياطين! لكنّ ذلك ما كان ليعفيني من مواقف طريفة ومؤلمة كان للحجاب يدٌ فيها.

( الحجابُ قهر).. هذه فكرةٌ سائدةٌ عنه حتى في بلادنا؛ هو نوع من العنف يمارَس تجاه المرأة، ويستحق بسببه أن تُلاحِق المحجبةَ نظراتُ الشفقة من هذا الظلم الواقع عليها؛ حين يرى كثير من النخبة والعامة أنّ الحجاب صورةٌ من صور القهر الاجتماعي أو الديني، لهذا كانت الدروس الأولى التي حضرتُها في النادي موتورة، حتى أخذت النسوةُ الحاضرات يعتَدْنَ وجودَ هذه المختلفةِ بينهنّ على طاولة واحدة، وأنها كغيرها -رغم حجابها- امرأةٌ من هذا الكوكب، لا قطعةً سقطت من الفضاء!
كنتُ أحرص على خلع غطاء الرأس حين يكون الحضورُ نسائياً فقط؛ وقد احتجتُ أن أمسح حيرتهنّ من هذا التصرف بشرحٍ موجز لفكرة الحجاب في الإسلام وفرضية ارتدائه أمام الأجانب من الرجال، سواء في الشارع أو في البيت، وأنّ المسلمة كغيرها من نساء الأرض تحيا.. تتجمل.. تتأنق.. تعتني بجسدها وبعقلها وبروحها، والحجابُ لا يمنع شيئا من هذا، ولكنْ ينظمه ضمن ضوابط.
كانت مسز ويندي -مدرِّسةُ اللغة الإنجليزية- سيدةً لطيفة، ذات بشرة بيضاء، وشعر فضي، وعينين زرقاويْن، وأناقةٍ كلاسيكية محببةٍ إلى قلبي، وقد أحسستُ أنني حجزتُ مكاناً لي في خاطرها، إنْ لم يكن لأجل المحبة خالصاً، فلأجل فضولٍ تملَّكَها تجاه هذه المرأة المحجبة القادمة من بلاد ألف ليلة وليلة.
 وفي أحد صباحات الثلاثاء المشمسة في تلك المدينة التي لا ترى الشمس إلا قليلا، كنّا نجلس قرب النافذة الواسعة (الجورجية) الطراز، وقد اعتدنا من معلمتنا في كلِّ جلسة أن تحضِّر لنا مجموعةً من التمرينات اللغوية تصقل مهارات التواصل العامة بالإنجليزية، ومازلتُ أذكر من ذلك  التمرين مثاليْن كان الأولُّ منهما عن قصة سندريلّلا.... عندما التفتت المسز ويندي ونحن جلوسٌ بين يديها، التفتتْ إليّ دون بقية السيدات معنا في المجموعة -وكان من بينهنّ اليابانية والتشيكية والمكسيكية والصينية..- لتسألني بملامحَ جَديَّة تبدو على وجهها: هل تعرفين سندريلّلا؟؟!! فوجَّهْتُ إليها النظرةَ الجديةَ ذاتَها وردَدْتُ على سؤالها الاستفهامي بسؤالٍ استنكاري ملءَ فمي: وهل هناك أحدٌ في الدنيا لا يعرف قصةَ سندريلّلا؟!!! وحالي يقول بعاميةٍ ساخرةٍ في سرِّي: "هيَّ بتِحكي عن جَدّ ولّا بتِحكي عن جَدّ؟!".
ثم مرَّت جملةٌ أخرى عن لاعبي يوفنتوس، فالتفتتْ إليّ المسز ويندي مرة أخرى بالجدية نفسها البادية على وجهها، لتسألني: هل تعرفين ما هو يوفنتوس؟؟ وعلى الرغم من أني لستُ متابِعةً جيدةً  لدوري كرة القدم عالمياً ولا حتى محلياً، إلا أنني ردَدْتُ على الاستفهام باستنكار وتقرير: نعم أعرفه!! إنه النادي الرياضي الإيطالي المشهور.

هذا موقف طريف ومؤلم في آنٍ معاً، ما زلتُ أعاني منه، فتلك النظرةُ التي ترمينا بها العيونُ من كل جانب، حتى من بنات جنسنا ومن بنات بلادنا! النظرة التي ترى المحجبةَ امرأةً غابَ عقلُها تحت حجابها لتغدو ساذجةً، بعيدة عن الثقافة، تؤمن بالغيب، تركن إلى الدين مسطرةً تقيس بها الأمور، لا تعرف من أمور حاضرها إلا توافه وقشورا.
كنتُ أرى الإشفاق تجاهي في عينيّ مسز ويندي أول الأمر، لكني أظن –وبعض الظن الآخر ليس إثماً- أن الصورة النمطية تغيرت في نفسها بأسرعَ مما كنتُ أشتهي، أو على الأقل صورتي أنا، وهي الصورة النمطية التي ينظر فيها كلُّ من لا يؤمن بالحجاب بأن المحجبات واقعات تحت قهر ما يجبرهن على ارتدائه، وأن ارتداءه هو مقدمة ممهِّدة كي يضاف إلى المجتمع عناصر غير فاعلة، ضحلة الثقافة، سطحية التفكير، محدودة الأفق. ومهما اجتهدت النساء المحجبات بنجاحهنّ وتميّزهنّ - ولدينا نماذج لا تُعَدّ – لتغيير هذه الصورة، يبقى لدى بعضهم ما يريدون أن يبقى ضد الحجاب.
استطعتُ بعد مواقف عدة وأحاديث جانبية متعددة في تلك الصباحات، أن أقول لمعلمتي ورفيقاتي- بمظهري وجوهري- إن المحجَّبة هي إنسانٌ كغيرها من نساء هذا الكوكب، لا يعيقها حجابُها عن الحياة، ولا يحوِّلها إلى سامريٍّ لا نقدر على الاقتراب منه.

ثم تعرفتُ إلى مجموعةٍ أخرى مشابهة للنادي، كان المشترك بينهما أنني كنتُ أبحث لأطفالي -في سنّ ما قبل المدرسة- عن بشرٍ يختلطون بهم في أجواء طبيعية، وهم يعيشون في غربةٍ أبعدتْهم عن الأجداد والعائلة الممتدة، التي لا غنى عنها في سبيل نشأة إنسانٍ سوي، وهكذا كان لي في صباحات الأربعاء رفقة صديقتي المصرية –جلسةً خاصة للأطفال في روضة تستقبلهم وأمهاتِهم .. يقضون فيها وقتاً في اللعب والتعلم، وتقضي الأمهات كذلك وقتاً في الاجتماع بأمهات من بلاد أخرى.
كانت الثرثرة النسائية الصباحية تلك، تجذبنا نحن الأمهات إلى مناحي شتى باختلاف الثقافات والمجتمعات التي ننتمي إليها، كانت بيننا الإنجليزية المسيحية، والهندية الهندوسية، واليابانية المجوسية، والباكستانية والعربية المسلمة وغيرها من قوميات وطوائف.. وفي الوقت نفسه تتيح لأطفالنا أن يرسخ فيهم اختلافُ البشر بألوانهم وألسنتهم وعاداتهم.
وفي هذه المجموعة اجتمعْنا مرةً لمرافقة الأطفال في زيارة إلى حديقة الحيوانات التي تشتهر بها إدنبرة، وكانت إلى جانبي المشرفة الإنجليزية فتجاذبنا أطراف الحديث عن الطبيعة الأخّاذة للمدينة في ذلك الصيف الربيعي، وقادتْنا أحاديثنا إلى فن الرسم الذي كانت لي فيه تجربة أيام الشباب الأولى، وأخذتُ أشرح لها تجربتي وميولي الفنية ومنها إعجابي الشديد بأعمال المدرسة السريالية، ورائدها سلفادور دالي و و و... وحين نطقتُ اسم دالي واسم مدرسته، التفتتْ المشرفةُ إليّ ووجمت، ثم أردفت: وهل لديكِ أنتِ فكرة عما هي السريالية؟؟ وما وراءَ خطابِها يقول: من أين لامرأةٍ من بلاد العرب والإسلام بحجابها أن تعرفَ هذه المدارسَ الفنيةَ الراقية؟؟!!
حين كنتُ أكلمها عن ميولي الفنية، لم يكن يخطر ببالي سوى محاولة ترتيب كلماتي لتخرج بحُلَّةٍ إنجليزية لائقة، تساعدني على تجاوز عقدة اللغة. لكنَّ وجومَها وسؤالها وحيرتَها أمام هذه المرأة المحجبة القادمة من الشرق، التي من المفترض أنها لا تعرف سوى أعمال البيت وإنجاب الأطفال، أعادني ثانية إلى سؤال الحجاب والآخر، وأعادني مجدَّداً إلى الواقع بأننا نحتاج وقتاً أطول ومعاناةً أشدّ كي نقول إن الحجاب لا يحجب الشمس عن العقول!
قد يرى بعضُهم هذه المسألةَ في سياق النظرة الأوروبية للآخر غير الأوروبي ومن منظور المركز والهامش، في حين إنَّ ذلك يتضاءلُ حقاً لو كنتَ أنتَ في ذلك الحجاب، وكنتَ أنت مع أولئك الآخرين.

وإذا كانَ من عذرٍ ألتمسُهُ للمواقف التي صادفَتْــني في بريطانيا بسبب حجابي، فإن هذا العذرَ لا يعودُ قادراً على إقناعي، حين صادفتْــني مواقفُ شبيهةٌ في بلادنا العربية الإسلامية، التي تعرفُ الحجابَ قبل أن يفرضَه الإسلامُ بقرونٍ متطاولة! ومواقفُ بعضِ خاصَّتِها من الحجابِ أشدُّ بأساً مما قد تلاقيه المحجبةُ في بلادِ مَن لا يعرفون للحجاب سبيلا.

حجابي في حياتي (3)

انقضت السنواتُ التي أنفقتُها في إدنبرة، حملتُ ما بقي لي من العمر في طريق العودة إلى البلاد، بلادنا العربية الإسلامية، التي لم يكن خَطَرَ على قلبي من قبلُ أنها قد ترى - يوماً- في الحجاب تهديداً لقيم الحرية، أو سَـمِّه ما شئت مما صرنا نختبره من حينٍ لآخر في بلادنا على امتدادها.
وكيف يخطر على القلب أن الحجابَ في بلاد الإسلام وفي بلاد المسلمين يمكن أنْ يصبح مسألةً فيها نظر؟! وأنْ يصبح مسألةً خاضعةً للنقاش ولاتخاذ موقفٍ نحوك بسببه؟! أعترفُ أنَّ هذا شيءٌ تجاوَزَ تصوري آنذاك.
ولا يقع في نفسك أيها القارئ أنني أحدِّثك عن دولةٍ تحارب الحجابَ مثلاً وتمنعه وتزدريه قانوناً وعُرفا، بل عن بلادٍ ما زال الحجابُ فيها منتشراً –بحمدالله- لأسبابٍ تتراوح بين الإكراه والرضا، بين التديُّن الحقيقي والزائف، بين التقوى والتقاليد، وبين أشياء وأشياء أكبر.
ثمة مسألةٌ أخرى قد لا يختبرها الجميعُ في أمر حجاب المرأة هي مشاركتها العامة وتقدمها العلمي والمهني. إنَّ امرأةً محجبةً -مجاراةً للعادات أو التزاماً بالدين- قنعت بالجلوس في البيت والقيام على تربية الأولاد والانسحاب من الحياة العامة، على عِظَم هذا الدور وأهميته، فإنه لن يعترض سبيلَها أصحابُ الدعوات التي ترفض الحجاب وتتصدى لانتشاره، وربما لا تثير أمثالُها انتباهَهم. أما الذي يؤلم حقاً فهو تلك الحربُ الخفية التي تواجهها خياراتُ النساء المتميزات علمياً ومهنياً بل حتى وجمالياً، اللائي يخترْنَ الحجاب بكامل إرادتهنّ، ويعبِّرْنَ عن هذا الاختيار الحرِّ علناً.. فلا يقدرُ عقلُ أولئك الذين قد لا يستوعبون أن المرأة يمكن لها أن تكون ناجحة ومتعلمة وجميلة... وفي الوقت نفسه تُقبِلُ على اختيار الحجاب بملءِ إرادة قلبِها إيماناً. وهذا يعيدُنا إلى مسألةٍ قديمةٍ جديدة: لَبوس العلم ولبوس الإيمان: لماذا يجب أن نراهما على طرفَيْ نقيض؟! على الرغم من أن الحياة نفسَها هي روحٌ وجسد، عَرَضٌ وجوهر، قلبٌ وعقل.
وتحضرني هنا الحادثةُ التي مرَّ بها الرحالةُ الأندلسي الموريسكي أفوقاي في القرن السابع عشر، لقد كان أفوقاي واسعَ الثقافة والاطلاع، متحدثاً بلغاتٍ عديدة، لبقاً دبلوماسياً، تجتمع فيه صفاتُ الـ(جنتلمان)! وإلى جانب ذلك كله كان فقيهاً عالماً حافظاً للقرآن، تــنــقَّل سفيراً للمغرب في بعض الدول الأوروبية، وفي أثناء زيارته لأحد الأديرة في فرنسا قيل له بعد نقاشات وحوارات: " تعجَّبْنا منكَ؛ تحفظُ الألسن، وتقرأ الكتب، وسِرْتَ في المدن وأقطار الدنيا، ومع هذا تكون مسلماً؟!" وكأن تعدد اللغات والمعارف، أو سِعَة الأفق والثقافة، أو السياحة في أقطار المعمورة، لا يـتـناسـب مقامُها والإسلامَ أو المسلمين؟!!
هذه الحادثة التي تنتمي إلى القرن السابع عشر، لا تختلفُ عن حادثةٍ تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين؛ فقد كنتُ في الاستماع لبرنامج الشريعة والحياة على قناة الجزيرة منذ ما يزيد على عشر سنوات، من تقديم المرحوم ماهر عبدالله وضيافة الشيخ يوسف القرضاوي، حين ردَّ المقدم على تساؤل أحد المشاهدين: لماذا لا تكونُ في الجزيرة مذيعاتٌ محجبات؟ فتعلَّل المذيعُ الشاب بأن العملَ الإعلاميَّ يحتاج إلى دراسات جامعية وخبرات عملية، وإتقان لغات ومهارات.... وغير ذلك. وحين كان يعدِّد المؤهلات المطلوبة في المذيعات كنتُ أسائلُ نفسي: هل عدمت النساء أن تكون بينهنّ (محجبةٌ) تحمل مثل هذه المؤهلات (غير المستحيلة)؟!
وكأني بالفكرة نفسها التي صادفها أفوقاي في فرنسا منذ ثلاثمئة سنة هي هي لم تتغير: المرأةُ المحجبة المؤمنة لا يمكن أن يُتصوَّر أنها تكونُ صاحبةَ مؤهلاتٍ عصرية، وكأنَّ الحجابَ معناه أن أعيش خارج هذا الزمان!.
لكنْ وللحق.... إننا بحمدِ الله ما نزال ننعم في بلادنا بقبولٍ اجتماعي للحجاب وانتشار، لا أسأل كثيراً ما هي أسسه: هل هو تقليد اجتماعي أم عقيدة إيمانية، أو حتى لغايات إجرامية؟!
لكلِّ ما سبق، ما خطرَ على قلبي في يومٍ أن يكون الحجابُ حين تخوض المرأةُ سباقَ الترقي الوظيفي، أو التعليمي- عقبةً، هي أصعبُ أحياناً من الوصول للهدف العملي أو العلمي المبتغى.
***
عدتُ إلى مقاعد الدراسة من جديد والتحقتُ ببرنامج دكتوراه اللغة العربية في الجامعة الأردنية، وأقسامُ اللغة العربية تغلب عليها صفةُ (المحافظة) طلبةً وأساتذة؛ ربما هي هيبةُ اللغة االعربية المستمدة من هيبة القرآن الكريم انتقلت كذلك إلى المقبلين على دراستها والاشتغال بها.
في أثناء الدراسة اضطررنا لحضور دروس الأدب في بيت الأستاذ نظراً لظروفه الصحية، كان أستاذُنا الفاضل حاضراً لاستقبالنا في بيته كل أسبوع، وسأترك الحديث عن مشاعر الجلوس إلى الشيوخ والعلماء في بيوتهم الخاصة ومكتباتهم الحميمة إلى وقت آخر، فهو شعور لا يدانيه شعور.
الحجابُ ليس مجرد قطعة قماش بها تغطي المرأةُ شعرَها وجسدها، بل إنَّ له من المعاني القلبية اللطيفة التي لا يسعها إلا حسُّ التي تراه كذلك، وقد كان عهدي منذ ارتديتُ الحجاب أنْ أحاول إلزامَ نفسي بحدوده رغم عيوبي الكثيرة ونواقصي الأكثر، ومن تلك الحدود عدم المصافحة، وكان أستاذُنا يستقبلنا كل أسبوع جالساً في مقعده مرحِّباً بنا حال وصولنا. فيسلِّم عليه الزملاءُ الشباب وينحنون لمصافحته .. وحين يأتي دوري أسلِّمُ عليه بالكلام مع انحناءة احترام وإكبار، ولكن لا أمدُّ له يدا، ولم يكن يعجبه ذلك مني، وقد أبدى نوعاً من الامتعاض من هذه العادة التي ما زال بعضُ الناس يتمسك بها في زمننا! وأنا شخصياً أتعرض لهذا الامتعاض من كثيرين لعدم المصافحة، وهو شيء أتقبله أحياناً بروحٍ رياضية خاصة من الكُبَراء مقاماً وعلماً ومنزلة. وأحياناً أخرى بنوعٍ من الجفوة التي يخلقها عدم قبول الآخرين لاختياري هذا؛ ففي النهاية وفق منطقهم في الحرية: هذا جسدي ولي مطلق الحرية في منع الآخرين منه حتى ولو بمصافحة! لهذا كنتُ في الغالب أعُدُّ هذا الامتعاض والتعليقات – منه ومن غيره- مجرد مداعبات يمكن احتمالها وعدم التوقف عندها.... حتى مضى الفصلُ الدراسي وحلَّت المحاضرةُ الأخيرة، وعندما انتهينا قمنا لمغادرة المكان فسلَّم الزملاءُ على أستاذنا الشيخ، وحين جاء دوري قال لي بلهجةٍ أبويةٍ معاتِبة جادة: "والله مش عارف كيف بدِّك تصيري دكتورة وأنتِ ما بتسلِّمي"!!.
 لامسَتْ عبارتُه مسمعي، ومضيتُ لأركب سيارتي عائدةً إلى منزلي مضطربةً ذاهلة!! ويا للمفارقة أنّ عبارتَه تلك ظلّت تقفز إلى ذهني في كل مناسبةٍ تجمعني وزملائي حين صرتُ (دكتورة)، وظلّت عبارتُه في عقلي تروح وتجيء، وأنا أقول: لماذا لا يقبَلُ الناسُ أنَّ امرأةً يمكن لها أن تكونَ رفيعةَ التعليم أو رفيعة الوظيفة، وفي الوقت نفسه مقتـنعةً بما تؤمن به من دينها؟ لماذا يجب أن تتناقضَ صورةُ أهلِ العلم وأهل الإيمان؟؟! لماذا يجب أن يكون أهلُ الإيمان دوماً في خندقٍ مقابل أهل العلم؟؟ ألا يلتقيان؟! ألا توجد سبيلٌ توافقية بينهما؟ ألا نتغنَّى ليلَ نهار بابن رشد الذي سرقَتْه منّا أوروبا، ونندبُ إحراقَنا كلماتِه، وعقلانيته، فلمَ لا نتغنَّى بـ ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال؟!
ولمَ لا يقنعُ أصحابُنا من أهلِ العقل والفكر والحرية- أن التديُّنَ بمختلف مظاهره وطقوسه قد يزورُ قلوبَ العلماء ويطيبُ له المقامُ فيها؟ بل إنَّ اللهَ نفسَه يُخشى من عبادِه العلماءِ هؤلاء، الذين يَعمُرُ العلمُ قلوبَهم وأرواحَهم قبل عقولهم، ويرون في كل ذرة  في الكون صورةً من عظمة الله وبديع قدرته، وأنَّ الإيمانَ بالله ومحاولةَ اتباعِ أوامره واجتناب نواهيه من أهل العلم، يعني أنْ نعبدَ الله على يقين، لا على مجرد خوفٍ أو طمع!
لهذا لا أنسى تلك الأمسيةَ التي جمعتْني وصديقةً رفيعةَ القدْرِ علمياً وثقافياً، وتختلف عني –تماماً- عقائدياً، وقد كنتُ بانفعالٍ أحدِّثها ولا أعِظُها، كيف أنني أستشعرُ في كلِّ وضوءٍ ما علَّمنا رسولُنا -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الخطايا تخرجُ حينَ الوضوءِ من الجسد حتى لتخرج مع آخر قطرة ماء من تحت الأظافر، وأنني أستشعرُ أنَّ الذنوبَ تتساقطُ حين الركوع وحين السجود عن عاتـقَيْ المصلِّي وعن رأسِه؛ حيث يُؤتَى بالذنوبِ إلى الرأس والكتفيْن في كلِّ صلاة، فسارعتْ صديقتي إلى تأنيبي: "لا تقولي هكذا كلام! أنتِ امرأةٌ مثقفة متعلمة"!! وهي التي حين هنَّأتْــني بحصولي على الدكتوراه، قالت –وأظنها لم تكن تمزح-: " خلص! الآن صرتِ دكتورة، إذن ...... اخلعي الحجاب!".
لماذا يستهجن كثيرون يقينَ الإيمان في قلبك، ومظاهرَهُ في جوارحك إذا كنتَ ممن قطعوا شوطاً من التحصيل العلمي؟! ألهذه الدرجة صرنا نعبدُ إلهَ العقل وإلهَ العلم، حتى كفرْنا بالروح وبالغيب؟ وهي في وجهٍ من الوجوه صورةُ العقل الذي إليه يحتكمون.
ولماذا حين تلتقي في المحافل العلمية بقاماتٍ لامعةٍ أسماؤها في عالم الأكاديميا العربية أو العالمية، كنتَ تحلم طوال عمرك بلقياهم على الأرض لا على الورق فقط- لماذا تصدمك حقيقة كم هم من الإيمان بعيدون، وكم هم من الهزء بمظاهره قريبون؟ خاصة مظهر الحجاب.
لماذا وهم الذين يدَّعون الحريةَ والليبرالية وقبولَ الآخر المختلف؟ لماذا عندما يصل الأمرُ إلى الحجاب أو مظاهرِ التديُّن إجمالاً- لا يعرفون من الليبرالية إلا قشرة فارغة! وتصدمك كذلك تصريحاتُ بعضِهم على مرأىً منكَ ومسمع، إذا حدَّثوا بأخبارِ الكاتب الفلاني قالوا بتلقائية: "أمعقولٌ أن هذا فلان الفلاني الكاتب المعروف بـكذا وكذا وتكونُ زوجتُه محجَّبة؟!".... تماماً كما لو أنهم يقولون إنها عاهرةٌ أو وضيعة الأخلاق. وكأنَّما أمسى الحجابُ تهمةً على المرأة أن تدفعَها عن نفسها، كما تدفعُ النارَ الحارقة، أو تدفعُ الأذى الصريحَ بإلقائه بعيدا، أو التخلص منه بأي ثمن!
كثيرةٌ هي المواقفُ التي تمرُّ في حياة المحجَّبات المتميزات علمياً ومهنياً واجتماعياً..، اللواتي كان الحجابُ قراراً نابعاً عن اختيارهن الحر وقناعاتهنّ الشخصية، ولم يكن لهنّ يوماً عائقاً في دروب التميز العلمي أو المهني أو الاجتماعي، وربما تملكُ كلُّ واحدةٍ منهنّ تجربتَها التي تعرضُها على الآخرين لتقولَ فيها إن الحجابَ لا يغطي عقل المرأة ولا روحَها، وإن ارتداءَه هو دليل عافية لا دليلَ مرض. ونجاحهنّ هو خير شاهد على حصافة اختيارهنّ.


هذه المادة منشورة سابقا على مدونتي هذه في 2015