أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 29 ديسمبر 2019

وليد سيف ساحر الفن والتاريخ


بقلم : محمد إلهامي

لـو كـان يخلد قـوم بمجدهمـو *** أو ما تقدم من أيـامهم خلـدوا
أو كان يقعد فوق الشمس من كرم *** قـوم بأولهـم أو مجـدهم قعدوا

(1)

كنت على أحر الشوق في رمضان الماضي (1429هـ) لأن أشاهد مسلسل "سقوط غرناطة"، وهو المسلسل الأخير في سلسلة تاريخ الأندلس التي كتبها المبدع الموهوب، نادرة الزمان بحق الدكتور وليد سيف، وهي تبدأ بمسلسل (صقر قريش) ثم مسلسل (ربيع قرطبة) ثم مسلسل (ملوك الطوائف).. غير أن المسلسل لم يعرض، وتضاربت حوله الأخبار على الإنترنت برغم أن المسلسل

الخميس، 12 ديسمبر 2019

الاثنين، 9 ديسمبر 2019

كتاب " وليد سيف أديباً ومفكراً" للأستاذ زياد أحمد سلامة


لقاء إشهار كتاب:
 " وليد سيف أديباً ومفكراً" للأستاذ زياد أحمد سلامة
                                                               
في المكتبة الوطنية بعمّان- مساء الأحد 8/12/2019
بقلم: رشـــــــــــــــأ الخطيب 

إشهار كتاب (وليد سيف: أديباً ومفكراً) في المكتبة الوطنية بعمّان

كان غرضُ الكتابة الأول تقييدَ العلوم كي لا تُنسى، ثم صار للتأليف مقاصدُ وأغراضٌ أُخَر، فلا يؤلِّفُ عاقلٌ كتاباً إلا وفي نفسه شيءٌ منها، ومن تلك المقاصد أن يعمد إلى متفرق فيجمعَه ومختلط فيرتبَه، وهذا الذي كان من مؤلفنا الأستاذ زياد أحمد سلامة في كتابه عن الدكتور وليد سيف أديباً ومفكراً؛ فقد نهض أ.زياد لجمع أعمال د.وليد سيف على مدى سنيّ عمره وترتيبها وعرضها في تأريخ سردي بين دفّتيْ كتابه هذا، الذي أراده سيرةً في أدب الدكتور وليد وفكره وأعماله.

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2019

يوماً ما ...

بقلم: أحمد خيري العمري

يوما ما في حياتك..
سيفاجئك وجه ما في المرآة!
ستقف عنده..
وأنت تدرك أنه وجهك..
لكنك لوهلة، ستسأل نفسك..
هل هذا أنا حقا ؟
يوما ما في حياتك..
بين الثلاثين والأربعين، عندما يكون ما قد ذهب من عمرك -على الأغلب- أكثر مما سيأتي،

الجمعة، 29 نوفمبر 2019

قراءة في كتاب «أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي/ أفوقاي»

بقلم : ماجد ذيب غنما
جريدة الدستور


هذا الكتاب للدكتورة رشأ الخطيب هو دراسة تاريخية لسيرة أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي «أفوقاي» الشخصية الأندلسية الموريسكية، المترجم والرحالة والسفير الذي عاش في المرحلة التاريخية الحرجة والمؤلمة التي اعقبت سقوط غرناطة وانحسار الحكم العربي عن الأندلس، والكتاب محاولة جادة لملء فجوة في المكتبة العربية حول هذه الشخصية الموريسكية الشهيرة .
يضم الكتاب فصولا متعددة من سيرة أحمد بن قاسم ومصادر دراسته ومنزلته في تاريخ الاستشراق وعن ثقافته ونشاطاته العلمية والجدلية وعن أعماله العربية التي تعد تمثيلاً للنشر الموريسكي العربي.
احمد بن قاسم هو اكثر الشخصيات الموريسكية شهرة بين الباحثين اليوم، وقد عرفه المغاربة باسم الشهاب وعرفه الإسبان باسم بيجيرانه وهو الاسم الذي عُرف به في اسبانيا؛ إذ اضطر الموريسكيون إلى ان يحملوا اسماء اسبانية يعرفون بها بين الناس إلى جانب اسمائهم العربية التي كانوا يتعارفون بها فيما بينهم في الخفاء من السلطات الاسبانية بعد القرارات الملكية الاسبانية التي صدرت وكانت تمنعهم من استعمال اللغة العربية والمظاهر الاسلامية كالأزياء والاسماء وغيرهما.
تذكر المؤلفة في كتابها أن احمد بن قاسم الحجري ولد في قرية من قرى غرناطة اسمها الحجر الاحمر التي ينتسب إليها، ونشأ في الاندلس وعانى ما عانى منه الموريسكيون بعد نحو قرن من سقوط غرناطة. وقد تنقل في عدد من المدن منها اشبيلية ومدريد وغرناطة ثم رحل مهاجراً بدينه كما تقول المؤلفة إلى المغرب على الرغم من مكانته عند الاسبان وذلك عام 1598م -1007هجرية.
بعد وصوله إلى المغرب وكان في الثلاثين من عمره تزوج من ابنة أحد قادة ثورة البشرات وله من الأولاد ولدان وبنتان، وقد عمل في الترجمة في بلاط السلطان المغربي بعد استقراره في مراكش زمناً طويلاً من العام 1598 وحتى عام 1636 ميلادية. وكان ابرز حدث له في تلك المرحلة من حياته سفارته لنحو سنتين عن السلطان المغربي إلى فرنسا وهولندا بصفته ترجماناً في بلاطه وبصفته اندلسياً يفصل في قضية نهب حوائج للموريسكين تعرضوا لها من بعض السفن الفرنسية.
 وقد التقى اثناء رحلاته في اوروبا إلى جانب مهمته الرئيسية لاسترجاع حقوق الموريسكيين المنهوبة، ببعض العلماء والمستشرقين الأوروبيين وجرت له معهم مناظرات ومحاورات دينية كانت مثار اعجاب من استمعوا إليه، وقد ذهب الحجري سفيراً في هذه الرحلة برفقة خمسة رجال من الأندلسيين المنهوبة حوائجهم من أهل الخير والدين كما يقول والتقى بأحد أمراء هولندا في مدينة لاهاي الذي منح كلا منهم توصية خاصة للسفر وهدايا فاخرة حتى تمت عودتهم إلى المغرب بأمان.
بعد ذلك شد الرحال إلى الحرمين الشريفين سنة 1046 وتوقف في طريق عودته إلى المغرب بمصر والتقى بعلمائها من الازهر ومنهم شيخ المالكية الذي اشار عليه بتدوين رحلاته، وبعد اقامة فترة في مصر ارتحل إلى تونس التي استقر فيها كثير من الموريسكيين الذين اتخذوها موطناً جديداً لهم، وتنقطع اخباره بعد هذا التاريخ وعمره قد تجاوز السبعين.
 من آثار احمد بن قاسم الحجري الاندلسي – أفوقاي – الباقية مختصر رحلته السفارية التي قام بها إلى فرنسا وهولندا 1611-1613 وسماها ناصر الدين على القوم الظالمين، والترجمة العربية التي قام بها لكتاب «في فن المدفعية» وبجانبها بعض رسائل شخصية له تكشف للقارئ صورة من اعمال الحجري بخط يده ونصوصا حية باقية من نثر ذلك العصر.
ولا يعرف باي مكان مات أو دفن، وعلى الارجح أن ذلك كان بتونس التي استقر بها آخر ايامه ووصفها بأنها (مطهر الغرباء) وذلك في رسالته التي وجهها في آيار 1615م من باريس للموريسكيين في القسطنطينية كتب فيها أنه في كل الاوقات وبأي حال من الاحوال وحتى اليوم تونس هي افضل مستقر للأمة، وتقول المؤلفة أنه يقصدأمة الأندلسيين المهجرين من بلادهم.
ما ذكرته سابقا عن احمد بن قاسم هو غيض من فيض، وعلى من يرغب بالمزيد من المعلومات والحقائق عن هذا الرجل وسيرته عليه أن يعود إلى فصول الكتاب: الفصل الأول بعنوان (احمد بن قاسم الحجري أفوقاي الأندلسي في الدراسات العربية والغربية) والثاني بعنوان (منزلة أحمد بن قاسم الحجري في تاريخ الاستشراق) والثالث بعنوان (ثقافة احمد بن قاسم الحجري أفوقاي الاندلسي من رحلته) والرابع بعنوان (من النثر العربي الموريسكي) وذلك لأن المقال والمجال لا يتسعان لذكر ذلك كله في هذه الكلمة.
بقيت ملاحظتان الأولى ان كلمة الموريسكي وتعني المسلم هو الاسم الذي صار يطلق على مسلمي الاندلس الذين آثروا البقاء وعدم الرحيل بعد سقوط غرناطة.
والملاحظة الثانية ان كلمة أفوقاي التي عرف بها احمد بن قاسم تعني بالإسبانية المحامي، وهنا نكتشف ان احمد بن قاسم الحجري الاندلسي هو اول محام عربي في تاريخنا الحديث ولعل من واجب اتحاد المحامين العرب ان يقيم له نصباً تذكارياً كأول محام عربي.
والجدير بالذكر أن كتاب الدكتورة رشأ الخطيب هذا حائز على جائزة ابن بطوطة للدراسات لعامي 2017-2018م في أدب الرحلة، وهو جهد وعمل رائع وإسهام في كشف بعض الجوانب الخافية من تاريخ الاندلس، ومحاولة ممتازة لإعطاء أكمل صورة ممكنة لافوقاي المحامي العربي رقم «1» كمثقف اندلسي من طراز خاص، وكل هذه أعمال رائعة تستحق المؤلفة الفاضلة عنها كل تقدير وثناء.

الاثنين، 28 أكتوبر 2019

ولادة الفرد والصحافة والرأي العام: من المطبعة إلى الإنترنت

بقلم منى فياض
14 أكتوبر، 2018

يقصد بالصحافة المكتوبة، عموما، مجموع وسائل النشر والإعلام المكتوب، أي الصحف والمنشورات الدورية إضافة للمنظمات المهنية المرتبطة بها.

واقعتان خلف ولادة الصحافة؛ اختراع المطبعة ونشر الدوريات. لكن المنشورات الأولى التي ظهرت في البداية قبل الصحافة كما اعتدنا عليها، لم تكن أخبارا، بل

الأربعاء، 16 أكتوبر 2019

رحلة في " أسرار باريس"


بقلم: رشأ الخطيب
لم تعد الكلمات اليوم كافية للتعبير عن الارتحال فيما نطلق عليه (أدب الرحلة)...
إن رحلة اليوم كما يمارسها الناس لا تكون مكتملة بلا (كاميرا)...يلتقط الرحالة اليوم صوراً في رحلاتهم أكثر مما يكتبون عنها، حتى الكُتَّاب منهم، فكيف يمكن للكاميرا أن تحلَّ محل القلم في أدب الرحلة اليوم؟
إن هذا كله يدعونا إلى أن ننظر إلى أدب الرحلة بعين نقدية جديدة.. ويدعونا إلى أن نرى أدب الرحلة في أعمال إبداعية متنوعة منها مثلا هذا البرنامج، فإنه

الجمعة، 11 أكتوبر 2019

رسائل الحب، تراث أدبي (يخيف) بعضنا كعرب!

بقلم: غادة السمان
جريدة القدس العربي

نحن لا نجهل «الهياج اللاعقلاني» الذي يثيره نشر رسائل حب بالعربية… وبالذات اذا كانت التي نشرت تلك الرسائل (انثى)… كأن حق (فضح) الحب يخص ذكور القبيلة وحدهم. ومن حق قيس دون ليلى!
ولكن الرسائل تلقي ضوءاً كشافاً استثنائياً على أعماق كاتبها/كاتبتها، وتعري الحقيقة الداخلية. والذين يحبون (تفصيل) حقيقة الآخرين على مقاس ازدواجيتهم ومصالحهم، يعادون رسائل الحب!

ماريا: ماتت مضرجة بحبها!


ذكّرني بكل ما تقدم

الاثنين، 30 سبتمبر 2019

توقعات ما بعد العصر الرقمي

https://bit.ly/2mddwp5
بقلم : بروين حبيب
القدس العربي

بعد عشرين سنة، ربما على أكثر تقدير لن تعرف الأجيال القادمة الدفاتر والأقلام ورائحة الورق التي أدمناها، إذ تفاجئنا بعض الدراسات التي أجريت في أمريكا وأوروبا، أن كتابة الحرف يدويا أصبح مهمة شاقة بالنسبة للتلاميذ في المدارس، فيما يتقن كل مَنْ هم فوق الأربعين الكتابة جيدا، لكنهم يفضلون استعمال أجهزتهم الإلكترونية للكتابة، فيما ترسل نصوصهم الرقمية بسرعة البرق للمعنيين بدون عناء. كانت هذه التوقعات منذ عشر سنوات مضت.

ومنذ عشر سنوات فكّرت ميكروسوفت في ابتكار قصص رقمية محضة، يكفي أن تمنح لها بعض العناوين العريضة لتتم حبكة القصة المطلوبة للقارئ حسب عمره، ويتم إطلاقها، مرفقة بالصور وبالصوت أيضا، إلى هنا يبدو المشروع ممتازا لكنه في حقيقة الأمر مثير للخوف، كون الكُتاب ذوي المخيلات المتقدة ستنتهي مهنتهم عند عتبة الأجهزة المستقبلية، التي ستتولّى أدوارهم في سرد الحكايات وتأليفها، حسب معطيات تقوم على خلفياتهم الثقافية والاجتماعية والقدرات الشخصية لمخيلاتهم. السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل نحن ذاهبون إلى تعطيل العقل؟ أم إلى منحه ميزات إضافية؟ إن توقف العقل عن الابتكار ألن يضمر؟
قد يجد البعض ما يشاكسني به سائلا هل الورق والأقلام وسائل عديمة الفائدة اليوم للتعليم، ونشر العلم والثقافة؟ وقد يكون السؤال ملغما والجواب أكثر تلغيما، لكن ألم تتوقف فنلندا في مدارسها عن استعمال الأقلام والأوراق لتلاميذها؟ ألم يبلغ هذا الزحف القارة الأمريكية الشمالية بقوة، فبدأت المدارس منذ 2014 بالتخلي عن الأقلام اليدوية؟ مع أن الأقلام الجافة لم يدم استعمالها أكثر من نصف قرن فقط في المدارس، بعد أن أحدثت ثورة حقيقية لتعويض الأقلام الحبرية المتعبة للتلاميذ، التي دام استعمالها أربعة قرون تقريبا، خاصة بعد أن طورها المخترع الأمريكي لويس إيدسون ووترمان ومؤسس شركة ووترمان سنة 1884 وجعل حامله يعوّض زجاجة الحبر بخرطوشة بلاستيكية سهلة الحمل والاستعمال عند انتهاء عبوة الحبر. وكان الدافع مؤلما لاختراعه ذاك، حين خسر صفقة مهمة بسبب انكسار قلمه لحظة توقيعه للعقد، وانسكاب الحبر على أوراق العقد مرتين متتاليتين، رغم اقتنائه أقلاما جديدة لتحمسه للصفقة.
فما الذي نتحدث عنه بالضبط؟
نحن نتحدث اليوم عن رحلة القلم والورقة، قصة حب جميلة ورومانسية، بدأت منذ زمن طويل ودامت قرونا، وهي اليوم تصل إلى نهاية مؤسفة، بحيث أصبح الحرف عويصا على رسمه بالأصابع الرّشيقة التي تمسك قلما، وتتفنن في إتقانه، في العالم كله كسرت التكنولوجبا صعوبة إتقان الكتابة يدويا، فأصبح الحرف جاهزا، بكبسة زر واحدة، ولعلّ هذا ما سيجعل كل الأجيال السابقة تحمد الله على نعمة لم نعشها، نحن الذين تعلّم بعضنا الكتابة بعد أن تلفت يداه من ضربات المعلم بالعصا. تنهي التكنولوجيا ذلك العذاب الذي عرفناه في مدارس، بعض أساتذتها يشبهون جلاّدي السجون، بحيث كانت العصا جزءا من أدوات التعليم الأساسية.
شيئا فشيئا تنحسر الأتربة عن قصتنا «الرومانسية» عن الأقلام والأوراق، فنكتشف أنها لم تكن كذلك فعلا، فبعض جوانبها كانت مظلمة، في بعض مجتمعاتنا وليس كلها طبعا، كانت صناعة القلم من القصب مهمة التلميذ في بواكير عمره، وصناعة الحبر أيضا، وكل من لا يتقن صناعة قلمه وحبره فعليه أن يتحضر للعقاب المناسب له، وظلّ العقاب رفيقا لنا إلى أن ودّعنا المدارس، كون قلم الحبر أيضا كانت له عيوبه، فهو يكشف أخطاءنا اللغوية التي لا يمكن تصحيحها بأي نوع من الطرق، فقد وصلنا القلم السحري الذي يمسح الحبر ونحن في الجامعة.

في العالم كله كسرت التكنولوجبا صعوبة إتقان الكتابة يدويا، فأصبح الحرف جاهزا، بكبسة زر واحدة، ولعلّ هذا ما سيجعل كل الأجيال السابقة تحمد الله على نعمة لم نعشها، نحن الذين تعلّم بعضنا الكتابة بعد أن تلفت يداه من ضربات المعلم بالعصا.

فكم هو محظوظ جيل اليوم، والأجيال القادمة، وهم يتخطون كل تلك المراحل التي كانت رحلة شاقة لنا لنتعلّم الخط… صدقا ـ رغم أني لم أعش معاناة في هذا الأمر، كون خط يدي واضحا وجميلا جدا- لكنني عشت معاناة الآخرين حولي، وأتذكر بعض تفاصيلها المؤلمة إلى يومنا هذا. اليوم حين حلّ زمن الكتابة الجاهزة يتحول القلم إلى هدية ثمينة، بحيث يصل ثمن بعض الأقلام فيها إلى أرقام خيالية، مثل قلم «مون بلان» المرصع بـ1430 حبة ماس بسعر مليون ونصف دولار!
أكثر الأقلام غلاء في العالم مصنوعة من الذهب ومرصعة بالماس، لكن الملاحظ أنها جميعها أقلام حبرية، مع عودة الريَش القديمة التي ترافقها زجاجات الحبر إلى الأسواق الفاخرة، كنوع من الهدايا الثمينة للأثرياء، مفرغة تماما من كل دلالاتها التاريخية القيِّمة.
تحوُّل الأقلام إلى هدايا مجرّدة من وظيفتها الأساسية يجعل البعض يرى أنها لا تزال تحافظ على قيمتها، كون ابتكار هذه الأقلام الفاخرة يعوّض الخسائر التي لحقت بمصانع الأقلام، بعد اكتساح الحرف الجاهز المدارس الغربية، لكن الشيء الذي خسر قيمته هو الورق، لكن تأثير هذه النقلة الحضارية الصادمة من الملموس إلى المحسوس قد لن نعرف نتائجه الآن، بل يلزمنا المزيد من الوقت لمعرفة ما إذا كان استعمال القلم للكتابة أفضل للعقل من استعمال الحرف الجاهز والأجهزة الإلكترونية المتساهلة مع العقل. الباحثون عن حلول لحماية تجارة الورق المتراجعة، يقترحون تعويض كل ما يسيء للبيئة من صناعات بلاستيكية بالورق، وبالطبع أكثر المقترحات تجد طريقها للتنفيذ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن المشكلة الوحيدة التي تبدو مبهمة اليوم وتمضي بنا نحو المجهول، هي مصير العقل البشري، فهل تراه سيصاب بعطب بسبب تقليص استعماله؟ أم أنه سيتأقلم ويتطوّر مع كل هذه التطورات الحضارية الصادمة له؟
يقول المختصون حول الموضوع أن العقل خلال الكتابة اليدوية يعمل وفق حركة تكوين الحرف، ثم تكوين الكلمة، أما مع مفاتيح الكتابة فيعمل لإيجاد موقع الحرف وتحديد المسافة بين كلمة وأخرى، ويؤكدون أن الذاكرة تعمل أكثر خلال الكتابة اليدوية، ما يجعل المناطق الحسية للدماغ أكثر نشاطا، هذا الأمر تعمّقت فيه المحاضرة مارييك لونغكامب المختصة في الأسس المعرفية والعصبية للكتابة اليدوية عند البالغين والأطفال، والتفاعلات بين المعالجة اللغوية والتحكم الحركي في الكتابة اليدوية، والكتابة بلوح المفاتيح، وتغيرات الدماغ الوظيفية أثناء العمليتين، وخلصت إلى نتائج مبكرة تحذِّر فيها من إدخال الأطفال في دوامة الحرف الجاهز، والتخلي عن الكتابة اليدوية، والاكتفاء بالأجهزة الإلكترونية للتعلم، كما نبّهت أيضا لافتقار النصوص التي تُكتب من طرف الأطفال على لوح المفاتيح للمحتوى الدلالي والنحوي للنصوص، وأنه يجب أن لا نخدع بالنتائج الجيدة التي يحققها الجيل المخضرم، الذي تعلّم الكتابة والتأليف يدويا، ووجد في لوح المفاتيح ما يُسَرِّع عملية الكتابة، وسهولة تصحيح نصه، لكنّ تكوينه الأساسي هو الذي بنى قاعدة متينة لدماغه ليكون مبتكرا.
تُقرع أجراس الخطر الداهم لدماغ الإنسان بسبب التكنولوجيا، من مختبرات دراسة التحولات الخطيرة، التي قد تدمّر الذكاء البشري بسبب الحرف الجاهز، منادية بالحفاظ على قدرات الفرد على الكتابة والقراءة، لأنّهما أهم نشاطين يحافظان على اللغة، والتفكير، والابتكار، وإلاّ فإن هذه المرحلة هي مرحلة بداية الانحدار لإنتاج إنسان بدماغ معطّل، وهي بالضبط مرحلة ما بعد العصر الرقمي بكل مساوئها وما تحمله من انهيارات كبرى للمنجز الإنساني الذي حققه بعد قرون من الاجتهاد.

الأحد، 22 سبتمبر 2019

الوجه الآخر لجبران خليل جبران.. حقائق لم يُرِد أن يخبرك بها عن نفسه!

بقلم: آلاء السوسي
 18 يناير,2017
من منا لم يقرأ جبران بإشراقاته الروحية المفتونة بسحر الطبيعة، والهائمة بالذات العليا الذائبة في الوجود، كلمسة نور متى مست القلب احترق فأضاء فأشرق؟

ربما جميعنا قرأنا روائعه الأدبية في مرحلةٍ ما، حيث انصهرت نفوسنا في لغته المتطهرة ذات الجمالية المترفعة عن حياة المدينة ومادتها وصخبها، ورحنا نطير بأجنحته المتكسرة، ونحط على شاطئ رمله وزبده، ونلتقي أخيرًا بنبيه العظيم المبشر بديانةٍ بلا شرائع، ولكنها ذات روحٍ متوحدة بالوجود.
إن لم تقرأ جبران، فلعلك سمعته بصوت فيروز، وهي تغني »أعطني الناي وغني.. فالغنا سر الوجود«، أو وهي تنغم نثره في كتاب »النبي« في حديثه عن المحبة: »المحبة مكتفيةٌ بذاتها«.
وإن لم تقرأ ولم تسمع، فلعلك سمعت الكثير من الشبان يهيمون في قراءة تلك الرسائل المتبادلة بين جبران خليل جبران، وبين الأديبة مي زيادة، حتى إن لم يكن لك اهتمامات أدبية، فإن قصة الحب العذرية بين شخصين لم يلتقيا أبدًا، ربما ستكون ملهمةً وجذابةً للاطلاع عليها.
هذا ما نعرفه عن جبران، فهل كان حقاً هذا النموذج الروحاني والإشراقي الذي ظهر في كتبه وقصصه؟ هل كان العاشق الولهان، والإنسان الإلهيَّ النبوي، والزاهد في مغريات الحياة العصرية؟ في هذا التقرير نحاول الإجابة من خلال بعض ما ورد في سير معاصريه عنه.

لماذا كان يكتب جبران؟
على الرغم من أن محتوى أدب جبران كان رسالةً إنسانيةً ساميةً مترفِّعةً عن أية شهوات دنيوية، غير أن ما يرويه يوسف الحويك في كتابه »ذكرياتي مع جبران« كان مختلفًا؛ إذ يورد أنه حين سأل جبران عن سر حماسته للكتابة، كانت إجابته كالتالي »أذكر أني عندما بدأت (أخرطش) كما يفعل الأولاد حتى في ذلك العهد المبكر، كنت أحلم في أن أبيع رسومي وأربح منها، وكذلك كنتُ عندما أطالع قصة طريفة يحفزني دافعٌ قوي لكتابة القصص، وأنا اليوم أؤمل بأن كتاباتي ستغل علي يومًا«.
ويبدو أن جبران قد حقق غايته تلك بالفعل، فقد حققت كتاباته انتشارًا واسعًا، بل إن كتابه »النبي« ترجم إلى أكثر من 50 لغة، وقد عاد عليه هذا الانتشار، وهذه الشهرة بثروة ماليةٍ جيدة.
واللافت أن مفهوم الفقر والغنى قد تغير بالنسبة لجبران وفقًا لهذه التغيرات في حياته، فالفقر في كتاباته الأولى كان مستمدًا من واقعه بالفعل، فيه روح الكدِّ والعناء والمعاناة، والحقد على الطبقات المتنفذة ذات الثروة.
يقول في قصة »الكوخ والقصر« على سبيل المثال »جاء الفجر فهبَّ ذلك الفقير من نومه، وأكل مع صغاره وزوجته قليلًا من الخبز والحليب ثم قبلهم، وحمل على كتفه معولًا ضخمًا، وذهب إلى الحقل ليسقيه من عرق جبينه، ويستثمر ويطعم قواه أولئك الأغنياء الأقوياء، الذين صرفوا ليلة أمس بالقصف والخلاعة. طلعت الشمس من وراء الجبل وثقلت وطأة الحر على رأس ذلك الحارث، وأولئك الأغنياء ما برحوا خاضعين لسنة الكرى الثقيل في صروحهم الشاهقة«.
بينما في كتاباته الأخيرة بدأ يتوجه نحو معنىً روحاني تفرضه حياته الجديدة التي وصلت حدًا من الرفاه المادي والغنى الفعلي، يقول في كتاب »النبي« مثلًا »أليست مادةً فانيةً تخزنها في خزائنك، وتحافظ عليها جهدك خوفًا من أن تحتاج إليها غدًا؟ والغد، ماذا يستطيع الغد أن يقدم للكلب البالغ فطنة الذي يطمر العظام في الرمال غير المطروقة، وهو يتبع الحجاج إلى المدينة المقدسة؟ أوليس الخوف هو الحاجة بعينها؟ أوليس الظمأ الشديد للماء عندما تكون بئر الظامئ ملآنة هو العطش الذي لا تروى غلته؟«
هل ينتبه القارئ إذن إلى أن مثل هذه الكتابات الزاهدة إنما جاءت في عهد الرفاهية والغنى؟

هل رسم جبران صورته أم رسمها الآخرون؟
من الطبيعي أن يحاول كلُّ أديبٍ رسم صورة ذاتية لنفسه، يظهر من خلالها في أعماله، فما هي الصورة التي أرادها جبران لنفسه؟
«بربارة يونغ»، إحدى النساء المؤثرات في حياة جبران، وقد كتبت سيرةً ذاتيةً عنه بعنوان »هذا الرجل من لبنان«. «خليل حاوي» الذي قارن بين ثلاث سير ذاتية عن جبران، رأى أنَّ يونغ لم تصور إنسانًا خلال هذه السيرة بل »إلهًا«، حتى إنها ادعت أنها كانت ترى «هالة نورانية» ساطعة تشرق حول رأسه، فكيف اقتنعت بربارة يونغ بهذه الصورة إذن؟
يصف حاوي الكتاب بأنه »سلسلة خوارق لا تصدق«، تتحدث فيه يونغ عن طفل عاش حياةً مرفهةً لعائلة عريقة تهتم بالثقافة والفن والموسيقى، والحقيقة أن جبران ولد في عائلة مارونية، وقد كان أبوه خليل، هو الزوج الثالث لأمه بعد وفاة زوجها الأول، وبُطْلان زواجها الثاني. كانت أسرته فقيرة بسبب كسل والده وانصرافه إلى الخمر والقمار، لذلك لم يستطع الذهاب للمدرسة. فمن أين جاءت يونغ بهذه الأسرة الثرية التي تملك مربيةً خاصة تدلل الطفل المرفه جبران؟
يرى حاوي أن جبران نفسه هو من كان قد أوحى لها بكل هذه الادعاءات حول طفولته السعيدة.
لا يتوقف أمر الادعاءات عند رسم طفولةٍ خياليةٍ مغايرةٍ لطفولته الفعلية، بل إن بعض الروايات تثبت أنه كان يمارس هذه الصورة بالفعل، فيخبرنا خليل حاوي أنه كان يظهر «على هيئة ناسك نحيل يتشح بالسواد، يحمل في يده مسبحة طويلة، ويحرق البخور أمام آلهته«.
والأغرب من ذلك، ما يرويه حاوي من أمور ادعاها جبران بحسبه لنفسه، وثبت بطلانها، مثل زعمه عضويته في جمعية الفنون الجميلة الفرنسية، والحصول على عضوية شرف في جمعية الفنانين الإنجليز، ولقاءه بالفنان العالمي (رودان)، والحقيقة التي يرويها ميخائيل نعيمة أنه التقاه بالفعل، لكنها كانت زيارةً بصحبة آخرين، تحدث فيها رودان عن الشاعر وليام بلايك، فخرج جبران مفتونًا به.

هل كانت قصة حب جبران ومي زيادة مثاليةً حقًا؟
إن مجموع الرسائل المتبادلة بين مي وجبران، وقصة حبهما التي لم تحقق لقاءً واقعيًا واحدًا، تُظهر كلًا من جبران ومي في مظهر أسطوريٍّ ملهم يوازي قصص الحب العذرية الأسطورية التي لطالما تغنَّى بها العشاق، لكن هل كان جبران عاشقًا مخلصًا لمي؟
في مقدمة كتاب »الشعلة الزرقاء، رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة«، تظهر تلك الطبيعة المتوترة لهذه العلاقة الغريبة، فبين آمال مي ومراد جبران، كانت هناك مساحةٌ جعلت هذه العلاقة تتصل وتنقطع مراتٍ عدة، فما الذي كانت تحلم به مي؟
تقول مقدمة الكتاب موضحةً أسباب هذا التوتر، »تُرى هل كانت مي تنتظر قدوم جبران إليها، أو دعوته للقائها في أوروبا؟ ما من شكٍّ في أنها كانت راغبةً في لقائه، منتظرةً قدومه بشوقٍ كبير، فطالما دغدغ أحلامها. نقول هذا استنتاجًا؛ لأن معرفتنا بطبيعة المرأة التي تحب، ولا سيما الشرقية المحافظة، تمنعها من المبادرة، وتجعلها تنتظرها من الرجل، أما دليلنا الثاني فهو عزوف مي عن الزواج… لقد عبَّر جبران عن رغبته في السفر إلى القاهرة عدة مرات في رسائله إليها، ولكنه لم يبرح مكانه«.

في موضعٍ آخر، تُوصف مي بأنها »ضحية جبران«؛ فقد »عاش جبران في الغرب كما يروي ميخائيل نعيمة حياةً منطلقة دون أية قيود، فعرف العديد من النساء، وطمح إلى أن يعيش حياةً خيالية مع امرأة شرقية، تغذِّي إبداعه بنبضٍ خاص. كانت هذه الازدواجية تريحه، وربما مصدرَ إلهامٍ له، في حين كانت العلاقة بالنسبة إلى مي حياتها بأكملها، بالرغم من أنها خيالٌ أقرب إلى الحلم… لقد كانت مي ضحيةَ علاقة رسمها الرجل كما يريد له طموحه الإبداعي بغض النظر عما تريده المرأة أو تحلم به«
في الحقيقة أن جبران لم يَعِد ميَّ بالزواج، وهي لم تكن ضحيته بالمعنى المباشر، لتكون امرأةً ما ضحية وعودٍ كاذبةٍ لرجلٍ مخادع، لكنه كان منتفعًا من هذا الإلهام الشاعري لقصة الحب الغريبة تلك، والتي توازيها علاقات نسويةٌ أخرى، بينما كانت مي تعاني شوقًا ومحبةً من نوعٍ آخر، كانا يغذيان إلهامه بتلذذ.
لقد بقي جبران أعزبًا؛ إذ كانت له آراؤه الواضحة في التفريق بين المحبة والزواج؛ يقول جبران »ولدتما معًا، وتظلان معًا. حتى في سكون تذكارات الله، ومعًا حين تبددكما أجنحة الموت البيضاء، ولكن، فليكن بين وجودكم معًا فسحات تفصلكم بعضكم عن بعض، حتى ترقص أرياح السموات بينكم. أحبوا بعضكم بعضًا؛ ولكن لا تقيدوا المحبة بالقيود، بل لتكن المحبة بحرًا متموجًا بين شواطئ نفوسكم، ليملأ كل واحد منكم كأس رفيقه؛ ولكن، لا تشربوا من كأس واحدة».
ولعلَّ هذه الرؤية المتعالية للحب تشبه رؤيته السابقة للفقر، إنها رؤيةُ مرحلة الرفاه، التي يحتاج فيها كأديب إلى ملهم، إلى إبقاء جذوة روحه مشتعلة غير متخمة بالمزيد من الإشباع.

هل كان جبران شاعرًا رومانتيكيًا؟
لابدَّ أن أبرز السمات التي يوصف بها نتاج جبران الأدبي هي صفته الرومانتيكية ذات النزعة الإنسانية المحبة للطبيعة والوجود، والمشرقة بروحٍ إلهيةٍ حاضرةٍ في الذات تمنحها شيئًا من الطهر والقداسة، ولكن الأمر لا يبدو بهذه الصورة بالنسبة للشاعر الباحث خليل حاوي، والذي يرى أن رومانتيكة جبران كانت هروبًا، وتمثِّل مخرجًا وهميًا من واقعٍ عجز عن حل تعقيداته؛ فلا هو استطاع التفهم والتكيُّف، ولا هو استطاع الفعل والتغيير.
وحسب هذه الرؤية لا يكون الجمال الروحي الذي تتردد أصداؤه في »مواكب» جبران ناجمًا عن روحه السامية، بل عن ضعفه في غربةٍ قاسية لم يستطع مواجهتها، فهجرها إلى الغاب ليغنيَ أغانيه ويشدو بأحلامه، فهل يكون أدبه ملاذَ الضعفاء الهاربين؟
هذا هو جبران بتناقضاته، بين طموحاته في استغلال أدبه من أجل الثروة والشهرة وبين مؤلفاته الرومانسية السامية. بين رسائله الغرامية، وما خلَّفه وراءه من عذاب امرأة ارتضت لنفسها هذا العذاب الحر. بين صورته الأصلية كطفلٍ فقير أبوه سكيرٌ مقامر، وبين صورته التي أرادها له طموحه السامي الاستعلائي كابن مرفَّه تأتيه المربية بالهدايا.
ومهما يكن من أمر هذه الروايات، يبقى السؤال عن حق الإنسان في الاستمتاع بالجمال بغض النظر عن مدى إمكانية تحققه في الواقع، أو صدق قائله، هذا الذي يراه البعض حقًا يلوذ به البشر من قسوة العالم ووحشته.

الخميس، 5 سبتمبر 2019

أين تختبئ الحكايات؟

بقلم: بروين حبيب
جريدة القدس العربي

تختبئ الحكايات في ثنايا الأشياء، وإن شئنا أن نسرد حكاية من اللاشيء سنلجأ للمخيلة لابتكار تفاصيل تغري المتلقي بالاستماع والمتابعة ولو بإطلاق كذبة.
نتذكر بعض الأشياء التي رافقتنا في أفراحنا، وأخرى في أتراحنا، أقلّب في خزانتي فأتوقف عند

السبت، 24 أغسطس 2019

سيكولوجية البيت.. لماذا نرتبط ونتعلّق بمنازلنا؟

بقلم: غيداء أبو خيران
http://www.noonpost.com/content/26357?fbclid=IwAR23Q5K6_jefm7IRsURKEnHMbruS3LS3mKYh5zUr2sWSmYA7hb-lrDTHZYQ#.XVeB4z2boFo.facebook

يُقال بأنّ البيت هو كوننا الأول وركننا في العالَم. وليس غريبًا البتّة أنّنا على مدى سنواتٍ عديدة نقضي الكثير من الوقت والجهد والتفاني في تصميمه وتجميع أثاثه وحاجياته وأشيائه بطريقةٍ تُشعرنا بالفعل أنّنا في "البيت"، حتى أنّنا نجد أنفسنا كثيرًا بعد قضاء عددٍ من الليالي في غرف الفنادق

السبت، 17 أغسطس 2019

لماذا نحب ربيع قرطبة؟

بقلم: دينا سعد

أُنتجت الكثير من المسلسلات التاريخية في جميع أنحاء الوطن العربي، وبميزانيات ضخمة، لكن يبقى المسلسل السوري «ربيع قرطبة» يحتل مكانة خاصة في قلوب الكثيرين. المسلسل أتى ضمن ثلاثية المؤلف الفلسطيني «وليد سيف» والمخرج السوري «حاتم علي»، التي تناولت

الأربعاء، 14 أغسطس 2019

لماذا نحب القصص؟

بقلم: د.أحمد خيري العمري

سواء كنا نحب أن نقرأها- أو نسمعها ..أو نشاهدها، فنحن نحب القصص. منذ فجر التاريخ عندما كان البشر يتجمعون حول النيران، إلى عصر النتفلكس، نحن نحب القصص..


قد يبدو الأمر مجرد تسلية وتزجية للوقت، لكن أي شيء منتشر إنسانيا لهذه الدرجة، وعبر التاريخ، لا بد أن يرتبط بشيء أكثر جوهرية من مجرد التسلية.
الـتأثير المباشر للقصص واضح، ويمكن ملاحظته بسهولة في أي محاضرة، عندما تكون هناك قصة شخصية متضمنة، فأن التفاعل والنشاط من قبل الجمهور يكون أكبر بكثير مما يكون عندما يخلو الحديث من القصة..
الدراسات البيولوجية تقدم تفسيرا مدهشا للأمر:

الاثنين، 22 يوليو 2019

العربية الفصحى ثورة على الطغيان

بقلم: ديما مصطفى سكران

 قد يبدو الرقم صعب التصديق، لكن الاسكتلنديين، ووفق دراسة لجامعة غلاسكو، يملكون في لغتهم 421 كلمة للثلج، في حين يملك العرب كلمة واحدة فقط ليس لها أي مرادفات!

اللغة، أداة الفكر أم سجنه؟
إن المرء حبيس لغته، وإن فهمه لأي أمر محدود بقدرته على صياغة ذلك الأمر لغويًا، لذا فإنّ هذا الفارق الشاسع في عدد المفردات المتعلقة بالثلج بين اللغتين العربية والاسكتلندية، لا يعني فقط فارقا بسطور المعاجم الخرساء، ولكنه يعني

الخميس، 11 يوليو 2019

المحجبات في ألمانيا ليس لهن آذان

بقلم ديمة مصطفى سكران
مدونات الجزيرة
https://bit.ly/2Ga5N21


"تقول الأسطورة إن النساء المسلمات ليس لهن آذان ولذا هن يضعن الحجاب"، هذا ما قاله لي مديري الألماني في اليوم الأول في العمل ممازحا، فوجدت نفسي أتحسس أذني من فوق الحجاب السميك وأنا أصطنع ضحكة، فمن المهم أن تضحك على نكات مديرك مهما كانت سمجة، خصوصا في اليوم الأول في العمل، ولكن هل كانت هذه نكتة بالفعل؟ أم أنه كان يريد التأكد؟ لأنني ضبطه أكثر من مرة يتأملني من بعيد وكأنه يبحث في رأسي عن شيء ما. إنني أملك أذنين بالفعل، ولكنني للأسف لا أستطيع جعله يتأكد من ذلك.
لا أستغرب أبدا أن يصدق أحد معارفي الألمان، في هذه المدينة الصغيرة غير المعتادة على الأجانب، أنني لا أملك تحت الحجاب أذنين، ما دام أنني سُئلت مرارا إن كنت أنام بالحجاب أو أستحم به، فحولنا نحن المسلمات تنتشر هنا الكثير من الخرافات المضحكة. وفي كل مرة أجلس فيها مع أحد الزملاء أفند له خرافة جديدة، فيتحلق الباقون حولي باهتمام، بينما أنا أروي لهم كيف أنني زرت الجامعة، وكيف أنني أتحدث عدة لغات، وكيف أنني أعرف من يكون أينشتاين، وكيف أنني أفضل الجاز على الراب. تفاصيل صغيرة عن امرأة عادية لم تكن لتثير اهتمام أي أحد، لكنها تبدو مثل أخبار الصفحة الأولى عندما تصدر عن امرأة مسلمة. يكون الأمر مسليا بالنسبة لي في المرة الأولى والثانية والثالثة، لكنه يصبح في المرة العاشرة مملا جدا.
العقل الألماني يقف عاجزا أيضا عن فهم قدرتي على تثبيت حجابي الكبير بدبوس واحد، فتتجمد صديقتي الألمانية فاغرة فاهها لتراقبني أمام المرآة وأنا أضع الحجاب خطوة خطوة، منبهرة بكل ما أفعله
ولا يعكس هذا الفضول لدى شريحة واسعة من الألمان إلا حالة من الجهل المطبق بالمرأة المسلمة، واستسلاما للصور النمطية التي تُعتنق دون كثير من التدقيق. إنه فضول يشي بنظرة دونية للمرأة المسلمة، تكشفها شهقات الانبهار وعبارات التقدير التي تلي ذكر أي أمر عادي، كدخول الجامعة أو قيادة السيارة أو القدرة على السباحة، فهذا التقدير في الحقيقة هو تعبير مبطن عن الازدراء، يصبح معه أي إنجاز مدعاة للتصفيق! لكن اضطراري لشرح نفسي للآخرين على مرارته يظل أفضل من عدم تمكني من الشرح على الإطلاق، وإن سيل الأسئلة الذي يغرقني به البعض هو أكثر إيجابية من الصمت المطبق لدى البعض الآخر، الذي يكتفي بما يؤمن به من قناعات حول المرأة المسلمة، ليأتي سلوكه تعبيرا عمليا عن هذه القناعات. ولعلنا كنساء مسلمات تزداد حساسيتنا بشكل مضاعف في الغرب، ونتمكن من التقاط أي تعبير عن الكراهية والنفور مهما كان صغيرا!

فالوقوف في طابور في السوبر ماركت، على رأسه موظف يحيي الجميع تحية آلية لطيفة، يتحول إلى حالة من الترقب فيما إذا كانت هذه التحية ستجد طريقها إلى وجهي أم لا. وكثيرا ما يحدث أن يطبق البائع شفتيه تماما عندما أقف أمامه، ليقوم مجبرا بخدمتي، مع عدم ترك أي فرصة تفلت منه لإشعاري بأنه يفعل ذلك بلا أي سرور، على عكس عبارة "بكل سرور" الترويجية المطرزة على قميصه.
لقد تحولت هذه المواقف إلى شيء من الروتين اليومي، فهناك دوما هؤلاء الأشخاص الذين يتحكمون بمزاجي الشخصي عند لقائهم على طاولات الحساب، أو خلف مكاتب الدوائر الحكومية، فأخرج من عندهم باشة عندما يقابلونني ببشاشة، ومعكرة عندما يقابلونني بعبوس.
وعلى الرغم من تكرر هذا الأمر كثيرا، لكنه يبدو في كل مرة يحدث فيها وكأنه يحدث للمرة الأولى، وكأن المرء غير قادر أبدا على التعود على الشعور بالإهانة! تلك الإهانة التي فاجأني بها الضابط الذي استقبلني في مطار التيغيل في برلين، عندما تقديمي طلب اللجوء. لقد كان تحقيقا طويلا خاضه الضابط مع طاولته تقريبا، لأنه لم يرفع نظره عنها، متحاشيا تماما النظر في عيني. وكانت تلك المرة الأولى التي أعاين فيها بنفسي معنى أن أكون مسلمة على أرض أوروبية، ومعنى أن أتعرض للتمييز بسبب معتقدي، وأدركت حينها أن جزءا كبيرا من حياتي سأمضيه على هذا النحو، يُخاطب فيه الآخرون الطاولات والكراسي ولوحات الجدران وساعات الحائط وهم يتكلمون إلي، أو ينظرون إلي أحيانا بحدة بالغة وكأنهم، رغم استخدامهم ضمير المخاطب المحترم، يهددونني بالقتل.
وعلى الرغم من أنني قد أُتهم بالإصابة بالرُّهاب إذا تحدثت عن الخوف من تعرضي للإيذاء، لكن صمتي عن هذا الأمر لن يغير حقيقة شعوري به أحيانا، ولعل هذا ما يدفعنا نحن المحجبات أحيانا إلى تغطية حجابنا بقبعات السترات الشتوية قدر الإمكان، لكن الصيف يجعلنا نبدو في مجتمع تتكشف فيه سيقان الرجال والنساء على حد سواء ملفتاتٍ جدا للنظر، ثم هَبْ أننا تمكنا من حل المشكلة في الصيف بطريقة ما، فماذا نفعل بملامحنا الشرق أوسطية؟ وأين نذهب بأنوفنا؟ إن أنوفنا تفضحنا للأسف، وأنوفنا هي المسؤولة الأولى عن انكشاف أمرنا حتى عندما يكون حجابنا متوار تحت القبعات الشتوية!
لكن أنوفنا لا تسبب للبعض أي مشكلة، فعلى النقيض من أولئك الذين يريدون إشعاري أنهم لا يرونني على الإطلاق أو أنهم يرغبون بقتلي، هناك أولئك الأوروبيون اللطيفون الذين يريدون إظهار مودتهم إلى درجة الاحتضان، دون أن تعني لهم هويتي المسلمة أنني امرأة لا تعانق! نعم، لم نعد الآن في جدال "أنا لا أصافح"، بل انتقلنا إلى جدال "أنا لا أعانق"، والذي أجد نفسي بسببه أدفع عني بعنف زملاء لطيفين يريدون معانقتي على الطريقة الشبابية. العناق، وزجاجة الشمبانيا الصغيرة التي وضعها أمامي زميلي في العمل بمناسبة يوم المرأة، والشوكولا التي يناولونك قطعة منها لتنكسر في فمك عن جرعة من الخمر، كلها ليست إلا تفاصيل في جهل الأوروبي بالمرأة المسلمة، يبرِّرُه أحيانا بأنها ليست إلا جرعة صغيرة من الخمر فقط، وبأن بإمكاني ابتلاعها، طيب وماذا عن زجاجة الشمبانيا؟ هل آخذها لأنها زجاجة "صغيرة" أيضا ويمكنني احتساؤها؟ يفاجئك العقل الألماني أحيانا عندما لا يستوعب أن الأمر لا علاقة له بالحجم.

والعقل الألماني يقف عاجزا أيضا عن فهم قدرتي على تثبيت حجابي الكبير بدبوس واحد، فتتجمد صديقتي الألمانية فاغرة فاهها لتراقبني أمام المرآة وأنا أضع الحجاب خطوة خطوة، منبهرة بكل ما أفعله، طالبة مني التوضيح، فأبدأ بالتفلسف عن نوعية معينة من القماش أحتاجها، وعن أبعاد معينة لأطراف الحجاب، وعن آلية معينة للفه حول الرأس، لأنني أجد من غير اللائق بمكان الاعتراف ببساطة الأمر أمام مقدار ما تبديه هذه المرأة من انبهار ، كما أنني أجد انبهارها فرصة للتباهي بأمر ما أمامها. نعم يا سيدتي، أنتم الألمان لديكم فولكس فاجن، لكننا نحن المسلمات نستطيع تثبيت حجابنا بدبوس واحد فقط!
وكما تعجبت السيدة من قدرتي على ارتداء الحجاب بهذه السرعة، فإنها أبدت اندهاشها الذي كاد يقارب إصابتها بأزمة قلبية حين حضرت عرسا سوريا، رأت فيه النساء المسلمات اللواتي تعرفهن بالحجاب حاسرات الرأس متزينات! كانت تحتاج قرابة العشر دقائق من البحلقة بكل امرأة على حدى قبل أن تبدأ بالنطق، وهذا هو الأمر الوحيد الذي لم يفلح أحد بعد في شرحه للألمان، فهم لا يستطيعون أن يفهموا كيف بوسع النساء أن يكن جميلات ثم يخفين جمالهن بالملابس المحتشمة! ولعلي بعد هذا الموقف فهمت سبب الثرثرات الهامسة التي أسمعها من خلفي أحيانا، عندما أكون واقفة أمام رفوف محل التجميل، أقلب علب الشامبو بين كفي، وأجرب ألوان أحمر الشفاه كعادة النساء العربيات على ظهر يدي. نعم يا عزيزاتي نحن نستخدم الشامبو، ونحن نضع أحمر الشفاه، ونحن ندرس في الجامعة، ونحن نعرف من هو أينشتاين، ونحن نقود السيارات، ونحن نستحق تحية لطيفة أمام الكاشير، ونحن لا نعض ولا نرتدي أحزمة ناسفة تحت ملابسنا الواسعة، ونحن لا نتحجب لأننا قبيحات، ونحن قبل كل ذلك أيضا لدينا آذان!

الاثنين، 1 يوليو 2019

كيف فقدت الأمومة قيمتها في المجتمعات الحديثة؟

بقلم: نور علوان


طالما عُرفت الأمومة بأنها مهمة المرأة الأساسية ومهنتها الثابتة على أساس أنها جزء لا يتجزأ من طبيعتها البيولوجية وفطرتها الغريزية، كما اعتقد لوقت طويل بأن قوتها تكمن في عاطفة الأمومة لديها، لذلك خضعت النساء اللواتي لم يتبعن هذا النمط المعيشي إلى أحكام اجتماعية قاسية، وفي أحيانٍ أخرى تعرضن للرفض والنبذ.
اعتبارًا لذلك قدست العادات والتقاليد دور المرأة داخل المنزل لتقوم بمهماتها الروتينية على مدار الأسبوع، وكأن أسلوب الحياة هذا

الثلاثاء، 25 يونيو 2019

دفاتر الأيام

وتكتشفين يا صغيرة
بقلم: سما حسن

في ساعات ما بعد الظهر وبين يدي مصففة الشعر التي تهوى العراك مع خصلات شعري أكتشف أن الشعر الأبيض قد غزا شعري بقوة، باندفاع لم أعهده، وبأن الشعيرات السوداء تتراجع، وقد عاهدت نفسي ألا أغير من لون الأبيض، فلست أهوى أن اخدع نفسي، ربما أن تغييره ليس مفسدة ولا حراما، ولكني

الجمعة، 21 يونيو 2019

الخوف الجميل

بقلم: مصطفى محمود


كانا يتمشيان على النيل .. و الشمس تغيب في الأفق .. و النسيم يداعب أغصان الشجر
قال و هو يمسك يدها في حب:- أتعرفين ماذا تحت قدميك الآن ؟
قالت:- ماذا تعني ؟؟
أتعرفين على ماذا تقفين ؟
نظرت إليه تنتظر أن يكمل
قال:- هل تصدقين أن تحت قدميك عصراً رومانياً .. و عصراً فاطمياً .. و عصراً تركياً .. و عصراً فرعونياً و عصراً حجرياً
أكاد أسمع صهيل الخيل ، و جلجلة السلاح
أكاد أرى الناس تختصم و تتصارع و تتزوج و تتاجر
أكاد أرى نظرات الغرور ما تلبث أن تأكلها الديدان
أكاد أرى الدموع تلمع على خدود آلت ترابا
أين ذهب الغضب ؟؟ .. أين ذهب الجنون ؟؟ .. أين رقد اليأس ؟
أين نامت الفتن ؟ .. أين ذهب الحقد و الحسد الذي كان في الصدرور ؟
قالت له و هي ساهمة تنظر إلى التراب تحت قدميها :- ترى هل يبقى شيء من حبنا ؟ أم أننا ماضون نحن أيضاً إلى لاشيء ؟
قال ضاحكاً :- في عصر السرعة الذي نعيشه يكاد يكون الحب فستاناً تتعلقُ به الفتاة لمدى لبسة واحدة .. ثم بعد ذلك تتغير الموضة
قالت :- هل هذا رأيك ؟
قال :- هذا حال أكثرُ الناس
قالت :- وهل نحن من أكثر الناس ؟
قال :- كلُّ الذين تحت قدمكِ قد أقسموا - و هم يبكون - أن مابينهما كان شيئاً خاصاً نادراً ليس له مثيل
قالت :- ألم يَصْدُقْ بعضهم ؟
قال :- نعم ، أقل القليل .. الذين استودَعوا عند الله شيئاً .. فالله وحده هو الذي يحفظ الودائع
و أردف و هو ينظر إلى السماء :- الذين أحبوا بعضهم فيه .. و نظروا إلى بعضهم في مرآته .. الذين أفشوه أسرارهم .. و أسلموه اختيارهم .. فأصبح هو مرادهم .. هؤلاء أهله .. الذين هم إليه وليسوا للتراب
قالت و هي تنظر في عينيه : و أين نحن من هؤلاء ؟
قال و هو مازال ينظر إلى السماء :- الكل يدَّعي أنه من هؤلاء .. لكن الزمن هو وحده الذي يكشف صِدق الدعوى ! .. و لهذا خلق الله الدنيا ، ليتميز أهل الدعاوي من أهل الحق
قالت :- ألا ترى نفسك مُخلِصاً ؟
قال :- لست من الغرور بحيث أسبق الزمن إلى الحكم فما أكثر ما يُخدع الإنسان في نفسه .. و ما أكثر ما يُستدرج إلى ثقة في النفس مبالغ فيها ، ثم أردف :- الإخلاص ، هو أخفى الخفايا .. و هو سر لا يكاد يطلع عليه إلا الله !
قالت و يدها ترتجف في يده :- إني خائفة
قال :- و أنا أعيش هذا الخوف الجميل .. خوف يدعونا يدفعنا إلى إحسان العمل .. خوف لا يوجد إلا عند الأتقياء .. لأنه خوف يحمي صاحبه من الغرور ... ألم يقل أبو بكر الصديق : مازلتُ أبيت على الخوف و أصحو على الخوف ، حتى لو رأيت إحدى قدمي تدخل الجنة فإني أظل خائفاً حتى أرى الثانية تدخل .. فلا يأمن مكر الله إلا القوم الضالون
قالت :- ولماذا يمكر الله بنا ؟
قال :- مكر الله ليس كمكرنا ..فنحن نمكر لنخفي الحقيقة .. أما الله فيمكر ليظهرها .. و هو يمكر بالمدعي ، حتى يُظهره على حقيقة نفسه ، فهو خير الماكرين
قالت :- ألا توجد راحة ؟
قال :- ليس دون المنتهى راحة
قالت :- و متى نبلغ المنتهى ؟
قال :- عنده
"وإنّ إلى ربكَ المنتهى"..

من كتاب (علم نفس قرآني جديد) ص71

الأحد، 9 يونيو 2019

قلوب منزوعة الفرح

بقلم: د. ديمة طهبوب

لا ريب أن الله عندما خلق القلب و خصه بالمكانة الأكبر أراد له وظيفة معنوية أهم من الوظيفة العضوية فجعل القلب مناط الفهم والتأثر والإدراك وجعل ابتداء خلقه رقيقا طاهرا شفيفا كالآنية، وبالرغم من صغر حجمه المادي إلا أن اتساع مداه المعنوي يسع إدراك عظمة الخالق فقد ورد في الأثر" ما وسعتني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن الوادع اللين".
إلا أن هذا الصفاء ما يلبث أن يتلوث نكتة فنكتة تلو أخرى، ليس من أثر السيئات بالضرورة ولكن من تراكم الهموم والغموم والانكسارات، حتى يقف تماما وقد أنهكته الحياة والناس، ويقرر أن يسترجع حالة الصفاء الأولى ليعود إلى الله كما بدأ... ولكن هذه المرة بوصف النفس المطمئنة الراضية المرضية وقد تخلصت من التعب؛ لذا كان دعاء أهل الجنة أول دخولها "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن".
أغلب ما في الدنيا يقتطع شيئاً من قلبك ناقلا إياه من حالة السعة إلى الضيق، ومن الفرح إلى الحزن، ومن الأمن إلى الخوف، ومن الثبات إلى الضعضعة، ومن اليقين إلى الشك، كلما كبرت يخف منسوب البراءة في قلبك ويزيد منسوب الخبرة، ولكنها تلك الخبرة السوداء التي يشيب منها شعرك، فما أدركتها إلا بألم فقد أو خيانة أو خسارة !
عندما نحس بالألم نسارع إلى إجراء الفحوصات، ولكننا لا نجد فحصا يقيس منسوب الفرح أو نسبة الأمل أو أنزيمات التفاؤل، مع أن هذه و ما تمثله من حياة القلب قد تبث الروح في جسد نصفه في القبر! 
لو كان هناك فحص لاعمال القلب المعنوية و حالته الشعورية لوجدنا ان معظم قلوب البشر تعاني من أنيميا و ضعف حاد في المشاعر التي تحافظ على استمرار دقات القلب و تدفق الدم، فما الفرح؟ ما عاد البشر يعرفون سوى اسمه فهم يقومون بكل أعماله و لكن مردود الاعمال لا يعود بنفس النتيجة! تمر بنا مواقف عصيبة بعضها من القدر و بعضها من ظلم البشر فتعلمنا دروسا قاسية تحفر على جبين القلب و في سويداه: هنا يوجد قلب منكسر، و بعد ضربة اول معول خيانة لا يستعيد القلب عافيته تماما مهما أخذ من المدعمات أو المنشطات بل يظل على حذر و وجل يتشكك من كل شيء و كل احد قبل أن يمنحه جزءا من بقايا ثقة مهلهلة مستعدة لتحمل الخيبة في أي وقت!
الغريب أن البشر لا يتورعون أن يكونوا تلك النكت السيئة في قلوب الآخرين فإننا كما نتعلم أبجدية القراءة والكتابة فهناك للقلب أبجدية ولغة وذاكرة لا تنسى أولَّ من علَّمها درسَ الغدر، ولا من طَبَعَ عليها بختم الخديعة!
إن القلب يحتفظ بالإحسان طويلا ويحتفظ بالإساءة أطول؛ لذا يبقى في القلب صديق لا تنساه  ويبقى في القلب عدوّ لن تغفر له.
نمرُّ بالأفراح فلا نجد لها سعادة، نمرُّ بالأعياد فنتكلف ونجتهد لنفرح، نخرج وندخل ونكرر ذات الطرق والأحوال التي أفرحتنا في زمان طفولة القلب فلا يكون لها ذات الأثر في قلبٍ شاخَ في عزِّه من كثر ما تعاقبت عليه سوءات البشر وأصنافهم!! و هي حالة الكلل والعمى التي ذكرها الحديث وهي من حالات إعلان موات القلب!!
قد نفهم تقلب صروف الدنيا وأثرها على القلب، ولكننا لا نفهم تدخل البشر عن سابق إرصاد و ترصد لاستهداف قلوب الآخرين!! نفهم أن يكون الفقر سببا في نزع الفرحة من قلوب البعض ولكننا لا نفهم مثلا أن يستقوي الناسُ على بعضهم فيأكلون مال المستضعفين!!
 كيف يمكن لبشر أن يرضى أن يكون اسمه رديف خيانة أو ظلامة أو قهر أو دمعة أو غش أو كسر في قلبِ عبدٍ آخر، فإذا ذكرت الخصلة السيئة كان هو صنوها و صورتها المجسدة!! ليست هذه مبالغة فكما كان العدل عمريا كذلك كان البطش حجاجيا فأصبح البشر دلالة على صفات حميدة او ذميمة!
ينسى العباد وهم يتركون بصماتهم السيئة وخناجرهم المسمومة في قلوب الآخرين أن للقلوب سجلات، وحسابها عند الله غليظ، وربما أغلظ من سجلات حساب الأجساد: فالأصل في القلب أن يكون مفرغا من الهم و الغم و الحزن مقبلا مطمئنا على عبادة الله و من صرف قلب عبد عن هذه الحالة فقد صرفه عن الايمان
إن البكا  والضحك والفرح والحزن بيد الله، فسبحان من أضحك وأبكى فمن تدخل في حكم الله بالابكاء و الإتعاس كان لا بد له من جزاء عسير كما كان لا بد لمن يرسم بسمة بعد دمعة على خد قد حفر فيه الحزن أخاديده ان ينال الجنة كما جاء في قصة ابي نصر الصياد الذي لم يغن عنه ماله و سلطانه من دخول النار و لكن نجته دموع أرملة و ابتسامة يتيم أعطاهما رقاقتي خبز يوم كان فقيرا
إن لكل عبد صيتا في السماء يسبقه عند الله فيعرفه أهل السماء بما يعرفه به أهل الارض، فمن كان لقلوب العباد محسنا عُرف عند الله بذلك و من كان لهم مسيئا لم ينفعه مال و لا بنون في يوم لا يُقام فيه وزن الا للقلب السليم
جاء في الحديث القدسي" أحبكم إليّ وأقربكم مني منزلا يوم القيامة الموطئون أكنافا" أي الذين يبذلون أنفسهم أرضا ذلولا ليطؤها البشر بأريحية و كنف المرء حضنه ماديا ورعايته معنويا،  ومنها نقول عاش في كنفه، فمن عاش الناس في كنف معروفه الشعوري كان له أملا بتلك المنزلة، ومن ابتعد في الدنيا عن رعاية قلوب العباد ابتعد عن مجلس رب العباد في الاخرة
كنا نستقبح مصاصي الدماء في الصورة التخيلية لهم و نازعي الفرحة من القلوب ليسوا أقل قبحا ووجودهم حقيقي فإياك أن تكون أحدهم!

الخميس، 16 مايو 2019

محمود درويش بعيون حبيباته وبلسان أعدائه (3)

2019-05-15  بقلم: بلال فضلالعربي الجديد

لم تكن قصة حب الشاب الفلسطيني محمود درويش والشابة الإسرائيلية تمار بن عامي، هي قصة الحب الوحيدة التي عرضها فيلم (سجل أنا عربي) للمخرجة ابتسام مراعنة، فقد أفرد الفيلم مساحة أقل لقصة حب محمود درويش مع السورية رنا قباني ابنة شقيق الشاعر السوري الكبير نزار قباني، والتي تحولت إلى زواج قصير مضطرب انتهى بطلاق عاصف، ثم عودة قصيرة إلى الزواج، ثم فراق أخير أنهى قصة الحب التي بقي منها لدى رنا قباني تقدير كبير للشاعر الذي ترجمت بعض أشعاره إلى الإنجليزية، وذكريات مركّبة عن الإنسان استعادتها في سلسلة حلقات نشرتها صحيفة (القدس العربي) اللندنية قبل سنوات.
رنا قباني 

ربما كان من شأن عرض الفيلم لقصة الحب "العربية" تلك، أن يهئ غضب بعض محبيه الذين أزعجهم حب "شاعر الأرض المحتلة" لفتاة إسرائيلية، خاصة أن حبه لتمار لم يكن نزوة عابرة كما أوضح الفيلم، إلا أنني شعرت وأنا أشاهد تفاصيل تلك القصة كما عرضها الفيلم، أن قصة حب محمود وتمار ألقت بظلالها على قصة حب محمود ورنا، وما جعلني أتصور أن ذلك مقصود من صانعة الفيلم، أنها لم تعرض وقائع قصة حب أخرى في حياة محمود درويش انتهت أيضا بزواج قصير، كانت بطلتها المصرية حياة الهيني، مع أن تلك القصة لم تكن سرية، حيث ظهرت بطلتها من قبل لتتحدث في فيلم تسجيلي سابق عن زواجها بمحمود درويش، وكان يمكن لو لم يتيسر لمخرجة الفيلم لقاءها خصيصا، أن تستعين بما تم تسجيله معها من قبل، خاصة أن المخرجة كانت قد قالت في تصريحات سابقة لها إنها هدفت من صناعة الفيلم لأن يرى الجمهور محمود درويش في الفيلم بعيون النساء اللواتي أحبهن. لا أريد أن أجزم بتعمد ذلك الإسقاط لقصة حياة الهيني، للإبقاء على وجود تشابه بين قصتي محمود مع تمار ورنا، فقد يكون حصل ذلك مصادفة أو سهوا، لكن المؤكد أن الفيلم لم يقدم كما وعد كامل تفاصيل صورة "العاشق سيئ الحظ" محمود درويش، وهو تعبير وصف محمود به نفسه في قصيدة جميلة له في ديوان (هي أغنية هي أغنية) يقول مطلعها: "أنا العاشق سيئ الحظ.. تمرد قلبي عليّ.. أنا العاشق سيئ الحظ.. أغنية لي وأخرى عليّ".

حياة الهيني ومحمود درويش 

بمجرد أن ترى في الفيلم صورة قديمة لرنا قباني، التي وقع محمود في غرام جمالها الصاعق، حين رآها وهي في الثامنة عشر من عمرها عام 1977 في أمسية شعرية له بالعاصمة الأمريكية واشنطن حيث كانت تدرس هناك، ستدرك وجود تشابه كبير بين ملامح رنا وملامح وجه حبيبته القديمة تمار، التي كانت في نفس عمر رنا حين أحبها محمود، وكانت قصة حبهما قد ولدت أيضا في أمسية شعرية، كانت تمار تجلس بين جمهور الأمسية، بعد أن أنهت فقرتها الغنائية التي لفتت نظر محمود إليها، أما رنا فقد كانت تجلس في الصف الأول وتستمع فقط إلى محمود، وأربكها أنه لم يرفع عينيه عنها طيلة الوقت، تماما كما حدث مع تمار، لكن الفارق أن محمود قام هذه المرة بعرض الزواج على رنا بعد ساعة من انتهاء الأمسية، ليتزوجا بالفعل قبل أن تمر 24 ساعة على لقائهما الأول، ولتجد نفسها في وقت قياسي معه في باريس، في انتظار فتح مطار بيروت أمام حركة الملاحة.
أقامت رنا مع محمود في شقته الصغيرة بباريس، وفوجئت هناك بعالم صاخب لم تكن تتوقعه، حيث يشاركها في زوجها كل ليلة، عشرات من أصدقائه الذين يأتون ليأكلوا ويشربوا ويسهروا دون إشعار مسبق، ولذلك لم تتحمل عناء هذا الزواج طويلا، لتنفصل عن محمود وتعود لإكمال دراستها في واشنطن، لكنه لم يقو على فراقها، وأخبرها أنه مستعد لأن يعودا سويا وأن يعيشا خارج بيروت، في مكان يحتفظان فيه بخصوصية زواجهما، وبالفعل عادا وأقاما في باريس لفترة، كانت فيه الزوجة والصديقة والحبيبة والمرشدة والمترجمة أيضا، لأن محمود لم يكن يتكلم الفرنسية، لكن الزيجة لم تستمر طويلا، وحدث بعدها انفصال نهائي، وإن كان محمود درويش قد بقي مقيما في باريس لفترة طويلة، قبل أن يكون له بيت آخر اختار أن يكون في العاصمة الأردنية عمّان، ربما ليكون أقرب إلى رام الله التي ووري جسده في ترابها.

تحكي رنا ذكرياتها تلك مع محمود، وهي تجلس في شقتها الجميلة بباريس بعد مرور أكثر من 35 عاما على بدء قصة حبها بمحمود، فتشعر وأنت تقرأ أن حبها له تماما مثل وجهها الجميل، لم تؤثر فيه كثيرا ملامح الزمن، لكن الأيام جعلتها وجعلت حبها أنضج وأهدأ، ويبدو حديثها عن قصتها العاصفة مع محمود، ممتلئا بقدر كبير من التصالح مع النفس، واستيعاب أن ما جرى من منعطفات حادة في علاقتهما، كان أمرا حتميا لعلاقة ولدت بشكل متسرع، ومضت نحوها مندفعة دون أن تهتم بتحذيرات الكثيرين من خطورة التسرع أو من وجود فارق سن كبير بينهما، لكنها برغم فشل العلاقة، تتحدث عن محمود طيلة الوقت بتقدير يخلو من المرارة أو الضغينة، ولذلك تبدو الحكايات التي تحكيها عن تفاصيل زواجهما مثيرة للضحك ودالة على الوجه الإنساني لمحمود درويش الذي كان يبدو لنا من خلال حواراته التلفزيونية وأمسياته هادئا متعقلا، لذلك ستضحك من قلبك وأنت ترى رنا تحكي كيف غضب منها ذات يوم، حين طلبت منه أن يقوم بغسل الأطباق المتراكمة من جراء امتلاء الشقة كل ليلة بأصدقائه القادمين للعشاء بلا دعوة ولا تحضير، ودخلت لتنام غاضبة، فاستمعت إلى أصوات تهز الشقة، فظنت أنها أصوات غارة اسرائيلية تداهم بيروت، لتجري مسرعة بحثا عنه، فتجد أن الصوت قادم من المطبخ، حيث كان محمود يقف ممسكا بالأطباق المتسخة، ويقوم برميها على الأرض لتنكسر تباعا، تحكي رنا هذا الموقف وغيره، وهي تضحك بهدوء لا يخلو من شجن تشعره وهي تتحدث عن محمود، مما جعلني أسأل كيف كان سيكون موقفها لو سألتها مخرجة الفيلم عما إذا كانت تعرف بقصة الحب الأولى التي جمعت محمود بالإسرائيلية تمار، وهل حكى لها عن تلك القصة أم لا، لكن يبدو أن المخرجة أدركت عواقب سؤال مثل هذا، وخشيت حتى من أن تسند مسئولية السؤال الطبيعي لمن يتحمل عواقبه.
برغم جمال وعذوبة ما حكته رنا قباني في الفيلم وما كتبته أيضا عن محمود درويش في ذكرياتها، إلا أنني شعرت من خلال حديثها، أنها ربما كانت متحرجة من أن تقول الكثير عنه كزوج وإنسان، وأكد لي ذلك تعليق كتبته ذات مرة على ردود أفعال قرائها المشجعة للحلقة السادسة من ذكرياتها، حيث قالت إن ردود الأفعال المرحبة بما كتبته ـ والتي رأت أنها تثبت تطور وعي القارئ العربي ـ شجعتها وقلّلت خوفها من أن يغضب جمهور محمود درويش إذا حكت أكثر عن حياتهما، ثم قامت بعد ذلك بتذكر واقعة ملفتة جدا ومتعلقة بموضوع فيلم (سجل أنا عربي)، وهي أنها كانت مدعوة للعشاء مع زوجها محمود درويش وقريبتها الشامية الكاتبة الشهيرة غادة السمان وزوجها الناشر بشير الداعوق، وتحدثت غادة في العشاء عن استعدادها لنشر رسائل الحب التي كان يبعث بها إليها الكاتب الفلسطيني الكبير غسان كنفاني، فأعجبت رنا الدارسة في الغرب والمقيمة أغلب عمرها فيه، ليس فقط بشجاعة وتحرر غادة السمان، وإنما بتحضر زوجها الذي لم يشعر أن في الأمر إهانة له، لكنها شعرت أن محمود درويش تغير مزاجه قليلا.
عندما عاد محمود ورنا إلى البيت فوجئت بأنه غاضب جدا، و كما تقول فإن محمود درويش "استهجن سماح الزوج لزوجته أن تفضح ماضيها الغرامي مع من سبقه، رغم أن من سبقه كان رجلا سيرته تهم الناس و القضية الفلسطينية خاصة أن الكاتب والشاعر و الفنان هو مجرد ما يُنتج — أي عمله فقط — و ليس حياته الخاصة، التي لا تدل على ما هو أبداً، فأغضبت محمود اكثر حينما ردّيت أن هذه النظرية السوفيتية المذهب التي كانت قد أقنعته بهذه السذاجة وقتها، تحرم القارىء من التفاصيل الأساسية لفهم الكاتبة أو الفنانة، أو الشاعر أو الموسيقار، وأعطيته ادلة كثيرة من حياة الشاعرة الأميركية أملي ديكنسون، والشاعر اليوناني الاسكندراني كافافي، والشاعر ت.س. إليوت، والكاتب الياباني تانيزاكي، التي لا بد وأن تزيد العمق في قراءة أعمالهم. سمع ما قلت، وأظن انه احتار بأمره، فذهب الى النوم وهو ما زال يقلب الفكرة بعقله الجدلي اللامع. بعد أسبوع، أخذ من بين كتبي كتابا يروي حياة مارسيل بروست، و طلب مني أن أختار منه عدة صفحات أعجبتني، و ان أترجمها له".



بالطبع، لا ندري كيف كان سيشعر محمود درويش لو كان حيا، وقرأ ما تكتبه رنا عنه، أو لو كان قد شاهد النساء اللواتي أحبهن، تمار ورنا وحياة، وهن يتحدثن عنه، هل كان سيغضب لأنه لا يزال يرى أنه ليس في حياته شيئا يهم أحدا سوى شعره ومواقفه وأفكاره، أم أنه كان سيتقبل وجهة النظر التي ترى أن معرفة قارئه بحياته تجعله يغوص أكثر في تذوق أدبه وفهم مواقفه، فلكل من الموقفين وجاهته ومنطقه. لا أستطيع مثلا كقارئ معجب بمحمود درويش وقارئ لكل ما كتبه شعرا ونثرا، أن أقول إن هذا الفيلم جعلني أرى محمود درويش بشكل مختلف يجعلني أحبه أكثر، أو أحب كتابته أقل، لأن كل ما أريد معرفته عن محمود درويش عرفته بالفعل من خلال شعره الجميل ونثره الرائع، ولا أعتقد أن حبي مثلا لقصيدة (بين ريتا وعيوني بندقية) كان سيقل لو كنت قد عرفت أن ريتا درزية أو شيعية أو صينية، لأنني كنت أرتل نفس القصيدة بخشوع بالغ، في حضرة حبيبتي الأولى التي كانت تسكن قرب مقابر الإمام التونسي، وكنت وقتها أتخيل أن البندقية التي تقف بيني وبينها هي بندقية المجتمع الذي يمنع شابا فقيرا مثلي من الزواج بها، وبنفس الطريقة كنت أقرأ وأردد (أيها المارون بين الكلمات العابرة) وأنا أتخيل أنني أوجهها لحسني مبارك وأسرته وألاضيشه، دون أن أفكر لمن كتبها محمود، وهل كان حقا يقصد بها كل الإسرائيليين حتى أصدقاءه المحبين للسلام من وجهة نظره، أم أنه كان يقصد فقط جنود الإحتلال الذين يكسرون أذرع الأطفال، وحتى المواقف السياسية التي أعلنها محمود درويش في الفيلم وفي غيره وبدت صادمة للبعض، لا أظن أنني سأتذكرها أبدا وأنا أقرأ مثلا (جدارية) محمود درويش التي قال فيها كل شيئ يمكن قوله ليس عن فلسطين فحسب، بل وعن كل شيئ في هذا الكون.



ما أضافه لي فيلم (سجل أنا عربي) أنني استمعت به، وأنني اكتشفت أنني لا زلت أحتفظ بهشاشتي تجاه صوت محمود درويش، بدليل أنني بكيت في ظلام قاعة العرض وأنا أستمع إليه يردد قصيدة "سجل أنا عربي" التي لم أعد أحبها منذ 15 عاما على الأقل، وما أنا ممتن لمخرجة الفيلم بسببه، وبرغم كل شيء، هو أنني قضيت وقتا جميلا بصحبة محمود درويش ومحبوبتيه، ومن حديثهما الحميم الدافئ عنه، أدركت كم هو جميل أن يحب الرجل امرأة حبا جميلا، يجعلها تذكره بحب حين تأتي سيرته، فضلا عن أن مشاهدة ذوق محمود درويش في الجمال، جعلني أتذكر أيام كنت معجبا مهووسا به، لدرجة أن إعجابي به جعلني أتخلى عن مبدأ أصيل كنت أعتنقه منذ اقتربت بدءا من عام 1991 من أوساط الفنانين والأدباء والكتاب، وهو ألا أطارد أبدا كاتبا أو فنانا مشهورا لكي أسلم عليه أو أحصل على توقيعه أو أطلب التقاط صورة معه، مهما كانت محبتي له، وهو ما التزمت به مع فنانين وكتاب كثيرين أحبهم، كان يمكن أن يكون لدي معهم ومنهم صور أو توقيعات أتفشخر بها على أقراني، وقد كانت محافل القاهرة في التسعينات من القرن الماضي لا زالت تموج بكبار الأسماء المصرية والعربية اللامعة في كل المجالات.

كنت أقول لنفسي دائما طالما لم تأت فرصة التقاط الصورة أو الحصول على التوقيع من الكاتب أو الفنان ونحن أصدقاء بالفعل أو نعرف بعضنا فعلا فلا قيمة لذلك، ومع ذلك فقد فشلت في الإلتزام بهذا المبدأ مع محمود درويش، حين حضرت له عام 1994 أمسية شعرية في قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبعد انتهائها ظللت أحوم حوله لأكثر من ساعة وأراقبه وهو يتبادل التحية مع معجباته، وربما غرني إقباله عليهن بالقبلات واللمسات والهمسات والضحك المسرسع، فأخرجت من حقيبتي المهترئة نسخة من ديوانه الأحدث وقتها (أحد عشر كوكبا) ـ طبعة دار توبقال المغربية ـ وكنت قد دفعت فيها ثمنا باهظا اقتطعته من قوتي المحدود كطالب جامعي، لأنتهز فرصة نزوله على السلالم وقد خف الزحام من حوله، لأقطع طريقه وأقف أمامه متسمرا ومادا يدي اليمنى بالديوان، واليسرى بقلم، وأنا "فاشخٌ ضَبّي" عن ابتسامة عريضة بلهاء، لأفاجأ به ينهرني، ويطلب مني أن أخلي السلم لكي يتمكن من النزول، لأعود إلى البيت ليلتها وفي قلبي جرح سطحي أحدثه شاعري الأوحد وقتها، فلم يعد كذلك بعد أن زاحمه مع مرور السنين شعراء آخرون في المكانة والمحبة والتقدير، وها أنا الآن بعد أن شاهدت هذا الفيلم أتذكر كم كانت جميلة وجوه المعجبات اللواتي كان محمود درويش لطيفا معهن، وكم كان مناقضاً لهن مظهري وأنا أعترض طريقه، فأتفهم موقفه وأسامحه على "شخطته "بعد أن كنت قد أزمعت أن أختصمه فيها يوم الحساب.