أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 29 ديسمبر 2019

وليد سيف ساحر الفن والتاريخ


بقلم : محمد إلهامي

لـو كـان يخلد قـوم بمجدهمـو *** أو ما تقدم من أيـامهم خلـدوا
أو كان يقعد فوق الشمس من كرم *** قـوم بأولهـم أو مجـدهم قعدوا

(1)

كنت على أحر الشوق في رمضان الماضي (1429هـ) لأن أشاهد مسلسل "سقوط غرناطة"، وهو المسلسل الأخير في سلسلة تاريخ الأندلس التي كتبها المبدع الموهوب، نادرة الزمان بحق الدكتور وليد سيف، وهي تبدأ بمسلسل (صقر قريش) ثم مسلسل (ربيع قرطبة) ثم مسلسل (ملوك الطوائف).. غير أن المسلسل لم يعرض، وتضاربت حوله الأخبار على الإنترنت برغم أن المسلسل بحسب كثير من الأخبار كان جاهزًا للعرض منذ رمضان (1428هـ)، ولكن خريطة الإنتاج لم تسمح بعرضه في تلك الفترة، ثم اختفت حتى الأخبار الأكيدة حول مصير المسلسل في رمضان (1429هـ).

ترى هل انتبه الرقيب العربي أخيرًا إلى خطورة ما يكتبه وليد سيف من دراما، خصوصًا بعد مسلسل (ملوك الطوائف)؟ لعل هذا ما قد حدث، فإن الذي لا شك فيه أن (ملوك الطوائف) وإن كان عرض لتلك الفترة البائسة من تاريخ الأندلس -وهي تشبه إلى حد كبير حاضر دولنا العربية المتفرقة- فإن (سقوط غرناطة) سيكون أبلغ في المأساة، إذ لن يفوت الكاتب الكبير أن يحكي فيه سقوط بغداد وكابول وإن كان يتحدث عن غرناطة.. إنها النتيجة التي يخبرنا بها التاريخ، والتي لا أشك لحظة أن عقل وقلم الدكتور وليد سيف لن يمسك بها فيبدعها.
في أمر الكتابة عن الدكتور وليد سيف، لا بد من الإمساك بعدة محاور رئيسية، ثم التفرع فيها إلى فرعيات كثيرة.. ودائمًا حَيَّر الجمالُ الأدباءَ والشعراءَ، فقد يكتب الشاعر بيتًا جميلاً لكن حين يثني أديب أو شاعر على هذا البيت فقد يستغرق الوصفُ صفحات وصفحات.. الجمال بطبيعته مُكْتَنِز، كشعاع النور مثلاً، مهما بدا لك واضحًا وجليًّا فإن جماله محير، ووصف جماله محير أكثر، ومعجز أكثر وأكثر.. ومحاولة تحليل جماله وتعديد مظاهره أمر عسير بل ومحال.
ومن المذهل المثير للدهشة حقًّا أن اسم الدكتور وليد سيف ما يزال مغمورًا في بحر الإعلام، والبحث على الإنترنت لا يعطيك عنه إلا مواد قليلة برغم أنه يعد بحق أعظم كاتب للدراما التاريخية بإطلاق، وبلا منافس، وإذا حاولنا أن نضعه في المرتبة الأولى لأرهقنا البحث عمن يمكن وضعه في المرتبة الثانية.. إن الفارق بين نصه التاريخي لا يكاد يقارن بالمرة مع أي نص آخر، وأحسب أن هذا من الوضوح بحيث يعترف به كل أحد.. فلا أدري هل تلك الغفلة الإعلامية عنه محض صدفة أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ وإن كنت أميل إلى أن علاقة الإعلام بالفن بتوجهات رأس المال هي التي توجه التيار نحو الفن الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
اشتَعَلَت في رمضان (1429هـ) معاركُ فنية بين المصريين والسوريين؛ المصريون يصرون على أنهم الأعظم والأقدر والأقدم، وأنه وإن وافقنا جدلاً على تراجع مستوى الدراما المصرية فإنها استراحة المقاتل وكبوة الجواد ونبوة السيف لا أكثر ولا أقل، السوريون يرون أن زمان التفوق المصري قد انتهى وأن الريادة الآن في دمشق، وعلى المصريين إن أرادوا استرجاع مكانتهم أن يتركوا الطنطنة بتاريخهم وأمجادهم وليتواضعوا ويقبلوا بمقاعد التلاميذ لأساتذة هذه الأيام (السوريين)، فلربما إن أحسنوا التعلم استعادوا مجد الماضي في مستقبل الأيام.
لست في معرض المساهمة في هذه المعركة الآن، ولكني لا أجيز أن تكون مسلسلات وليد سيف من عوامل تفوق الجانب السوري، وذلك لأن النص هو بطلها الأكبر والأول، وهذا النص كاتبه أردني من أصل فلسطيني -طالما يحب البعض أن يفرق بين العرب حتى فيما يجمعهم-.. والدليل المتين أن المسلسلات التاريخية السورية التي لم يكتبها وليد سيف تحفل بفضائح علمية، ورداءة فنية لا تخطئها العين.

(2)

تحمل المسلسلات التاريخية طابعًا خاصًّا، فهي ليست قصة من الخيال، بل ولا لها "مجرد علاقة" بالواقع، إنما هي قصة حدثت بالفعل، ويصير نقلها إلى الدراما والحكاية المصورة تلفزيونيًّا أمرًا يتطلب -فوق صنعة الفن والسيناريو- أمانة علمية ومجهودًا بحثيًّا.
وبعد الأمانة العلمية والمجهود البحثي ستوجد عدة ثغرات تاريخية، فالكتابة عن أحداث وقعت قبل ألف سنة ليس كالكتابة عن أشخاص ماتوا قبل سنين، فالذي سيكتب فيلمًا أو مسلسلاً عن عبد الناصر أو السادات أو قاسم أمين أو أسمهان أو أم كلثوم يجد أيضًا ثغرات وفجوات تاريخية، ولكنه لن يعاني كمن يكتب عن القديم، فإن لكل الشخصيات الحديثة حواريين ومعجبين اجتهدوا بحثيًّا فملئوا تلك الثغرات بمجهود بحثي وأكاديمي، فصار على الكاتب مهمة نقل هذا التاريخ -المكتمل والمتناسق إلى حد كبير- إلى ساحة الدراما.. ثم أضف إلى هذا قرب الزمان، ووجود المواد المصورة والفيلمية.

ليس هذا متيسرًا في حال الكتابة عن تاريخ قديم، ففضلاً عن أن كثيرًا من كنوز التراث الإسلامي أغرقت أو أحرقت أو أتلفت على يد همج ليس لهم في الحضارة نصيب، في اجتياحات التتار أو حروب الصليبيين في المشرق، وخصوصًا حين طرد المسلمون من الأندلس.. وهذا بدوره أضاع كتبًا كثيرة تحمل لا شك تفاصيل تاريخية مهمة عن التاريخ الإسلامي عمومًا، وتاريخ الأندلس خصوصًا. فضلاً عن هذا، فإن القدامى لم يكونوا مولعين بالتأريخ اليومي للحوادث، الذي بدأه -على حد علمي- الجبرتي في تاريخه، بل كانوا يؤرخون بالسنين.. فطبيعة العصر وقتها لم تكن بالسرعة التي نعرفها الآن، ووصول الأخبار نفسها كان يستغرق أيامًا وربما شهورًا. قد تمسك بالكتاب القديم فلا تجد في بعض السنين من الحوادث المهمة شيئًا، أو قد يكون فيها حدثًا أو اثنين فقط يراهما المؤرخ مستحقين للتأريخ.. وكان البعض من المؤرخين يؤرخون بـ"التراجم"، حيث يجعل الشخصية التاريخية هي المحور، فيؤرخ لها ويروي التاريخ من خلالها.

وكلما أردنا صناعة تاريخ متماسك ومتقصٍّ للتفاصيل كانت حاجتنا إلى مجهود بحثي أكبر وأعظم، وقد قام بهذا كثير من المؤرخين المسلمين المُحْدَثين؛ فيمكننا أن نجد تاريخًا مفصّلاً للحروب الصليبية مثلاً في موسوعة الدكتور سهيل زكار (موسوعة الحروب الصليبية - طبعت في خمسين مجلدًا)، وكذلك نجد أفضل تأريخ لمرحلة الأندلس في موسوعة الدكتور محمد عبد الله عنان (دولة الإسلام في الأندلس). وهذه مجهودات بحثية ضخمة جمعت أشتات التاريخ المتفرق من المصادر العربية والأجنبية وجعلتها في كتاب واحد.

ولكنها -وحدها- لا تغني في رصد كل جوانب الحياة التاريخية، ومنها الجانب الأدبي مثلاً، وهو جانب لا يستغني عنه كاتب الدراما المجتهد، بل هي أيضًا لا تجيب عن كل الأسئلة إذا نظرنا إليها من منظور من سيحكي قصة مصورة، ففي التاريخ قد تختفي شخصيات فاعلة في خضم الأحداث ولا يعرف على وجه الدقة كيف كانت تلك النهاية، وكذلك تولد شخصيات فاعلة ولا يعرف على وجه الدقة كيف كانت البداية.

إذن.. رصد التاريخ القديم بشكل متماسك هو مجهود بحثي وحده.

ثم محاولات رصد الجوانب الأخرى التي لا علاقة لها -بشكل ما- بالتاريخ السياسي مجهود آخر، ويتطلب دون شك الرجوع إلى المصادر القديمة أو الدراسات الحديثة المتخصصة في هذه الجوانب.

ثم الإجابة على هذه الأسئلة التي لا بد ستثار إذا انتقلت الحكاية إلى الصورة، ومن ثم لا بد من الإجابة عليها مجهود ضخم آخر.. وهو هنا مجهود يتحمله كاتب القصة بالكامل -إن لم يكن في التاريخ إجابة واضحة- ويتحمل مجهودًا أكبر إن اختلفت الروايات التاريخية في بعض الإجابات، أو اختلفت تحليلات المؤرخين وإجاباتهم.. هنا يوضع الكاتب على محك كبير.

فإما أن يهرب من الحادثة أساسًا، وهذا كالذي خرج من الدنيا لا له ولا عليه، وإما أن يبذل مجهودًا عقليًّا وبحثيًّا في اختيار وتفسير أقرب الروايات إلى رؤيته لتلك الفترة، وهنا يصير مجهوده هو الحاكم عليه فسيرضى عن اجتهاده بعض الناس وسيغضب آخرون، وهذا طالما التزم بالصحيح من التاريخ وتحركت تفسيراته في إطار ما هو ثابت يكون أفضل الحالات، وإما أن يدع كل هذا جميعًا ويبحث عن "حبكة" درامية ولو خرجت عن إطار "التأريخ" إلى إطار "التأليف" (وهو في الحقيقة تزوير وتزييف).. وهذا أسوأ الجميع، وغالبًا ما تكون هذه المسلسلات فضيحة علمية. وشخصيًّا أرى أنه لا يجب أن يسمح بعرضها، لا من قبيل تقييد الإبداع بل من قبيل احترام المنهج العلمي.


(3)

كانت السطور الماضية تتحدث عن الإشكالية ما بين النزاهة والأمانة العلمية، وما بين "ضرورات" الحبكة الدرامية.

فإذا دخلنا إلى تفاصيل القصة التاريخية، سيجد الكاتب نفسه على محك آخر، وهو تحليل وتفسير الشخصيات الفاعلة، شخصيات الأبطال، وشخصيات الأقزام، وكذلك شخصيات الخونة.

والبشر ليسوا خيرًا خالصًا، وليسوا شرًّا خالصًا كذلك. ومنهم من ينتقل من البطولة إلى الخيانة، ومنهم من ينتقل من الخيانة إلى البطولة. وقد صار مملاًّ وكئيبًا وفضائحيًّا أن تتحول المسلسلات التاريخية إلى شخصيات هي إما خيرٌ مصفى أو شرٌّ مكثف.. فإذا وجدت شخصية من كان بطلاً ثم تحول إلى الخيانة فلا بد حينئذ أن تفسر على أنه كان متآمرًا منذ أول لحظة ويصطنع البطولة، كما تفسر شخصية الخائن الذي تحول للبطولة بأنه بطل منذ أول لحظة، ولكنه "بذكائه" كان يقف منحازًا للعدو ثم سيختار اللحظة المناسبة للانقلاب عليه.

حياة البشر ليست بهذه السذاجة والسطحية.. ولم تكن كذلك يومًا.

وهذا ما يجعلنا نُصِرُُّ ونؤكد على أن يكتب التاريخ كما نقلته المصادر التاريخية التي تَوَفَّر عليها باحثون مجتهدون فقدموا أفضل ما استطاعوا من مجهود لاحتواء تفاصيل الفترة التاريخية، وألا يُترك هذا لكاتب يجتهد وحده دون امتلاك الأدوات، فإن كان يمتلك الأدوات البحثية فربما اضطرته ظروف الإنتاج إلى "سلق" المسلسل (وهذا لا يغفر له).

إن الكاتب سيجتهد لا محالة في ملء الثغرات التاريخية لأنه يكتب للصورة، ويجب أن يكون اجتهاده في إطار التاريخ الموجود لا أن يصنع تاريخًا من رأسه، ولو بحسن نية.. حسن النية هذا الذي دفع من قبل أناسًا لتأليف أحاديث نبوية؛ لكي يحثوا الناس على فعل الخير وترك المعاصي.
ولا يطلب أحد أن يكون الكاتب محايدًا، فهذا لا يستطيعه بشر ولا حتى الباحث العلمي، ولكن كما نطلب من الباحث الالتزام بمقاييس البحث العلمي، يجب أن نطالب كاتب التاريخ خصوصًا بالالتزام بالتاريخ؛ لأنه يعيد تقديم التاريخ الذي وقع ولا يؤلف قصة من خياله.

لم أصدق نفسي حقًّا حين شاهدت مسلسل صلاح الدين، الذي لم يتردد كاتبه أن يذكر أن صلاح الدين مثلاً شرب الخمر في شبابه، أو أن البطل الكبير عماد الدين زنكي غدر بحامية قلعة حارم بعد أن أعطاهم الأمان، أو أن عبد الرحمن الداخل قتل أسرى في بعض حروبه مع اليمنية، أو أن البطل الكبير المنصور بن أبي عامر -ذروة تاريخ الأندلس- كان يشرب الخمر قبل أن يتوب عنها.. وهكذا.

هذا هو المطلوب فعلاً، أن نقدم أبطالنا بشرًا كانت لهم أخطاؤهم وفي السياق الطبيعي الذي لا يجعل هذه الأخطاء تأخذ كل الصورة، كما يفعل مزورو التاريخ لأغراضهم، ولا أن تختفي من الصورة، كما يفعل مزورو التاريخ منا بحسن نية، وأن تقدم الشخصية التاريخية بأقرب ما يمكن لحقيقتها التاريخية لا بأفضل ما يمكن ولا بأسوأ ما يمكن.

وأُطَمْئِن الجميع أن هذا لن يخدش لأبطالنا بطولتهم، ولكنه سيجعلهم مثالاً قريبًا من الناس وقابلاً للتكرار والوجود، بل سيُعَوِّد الناس على أن يفهموا أنهم ليسوا شر خلف لخير سلف، بل هم من الأمة التي كالغيث لا يدرى أولها خير أم آخرها، وعلى أن يحكموا بالموضوعية والعدل فيقبلوا الخير، ويرفضوا الأخطاء، ويزنوا الناس بحسناتهم وسيئاتهم، فكل بني آدم خطاء.

وكذلك يجب أن نحاول فهم أولئك الذين خانوا، لماذا خانوا؟ وما هي حججهم وأفكارهم؟ وكيف استطاعوا أن يغلفوا هذه الخيانة بعبارات وشعارات وحجج إسلامية؟ سنرى في التاريخ أمثال صدام وعبد الناصر... وغيرهما الكثير ممن ذبحوا الأمة وقدموها لعدوها لقاء أن يظلوا على كراسيهم (وإن كنت أعتبر أن تاريخنا لم يعرف ملوكًا كملوك هذه الأيام في الخيانة أبدًا، ولهذا حديث وتفصيل آخر).

إنه من الضروري أن نفهم الشر والفساد والاستبداد؛ كيف يتغطى بـ"الوطنية والعروبة ومصلحة الأمة"، وقديمًا كان سيدنا حذيفة بن اليمان t يسأل النبي عن الشر مخافة أن يقع فيه، ومسلسل (ملوك الطوائف) خير من قدم هذه الأمثلة من الطغاة: المعتضد بن عباد، والوزير أبو بكر بن عمار وزير المعتمد. وما يمكن أن يجنيه هذا على الأمة التي تساقطت -في عهدهم- عواصمُها، كما سقطت في عصرنا القدس وكابول وبغداد، وعواصم أخرى مهيأة للسقوط.

بقيت شخصيات ترددت بين الخير والشر، أو وقفت في مناطق بينهما فلا يغلب عليها الخير أو الشر إلا في الأهوال وبعض الأحوال، أو لنقل بدقة أكثر: ترددت بين الصواب والخطأ، بين مثالية الأخلاق وضرورات الواقع، بين المفترض والمفروض. وستبقى هذه شخصيات يختلف فيها المؤرخون أبد الدهر، وإنها حقًّا مهمة جسيمة لرجل يريد أن ينقل التاريخ عبر الصورة، وهو مهما فعل فلن يرضي جميع الأطراف، وإني أشهد أن ذلك الساحر المبدع د. وليد سيف قد قام برسم هذه الشخصيات خير قيام، وحاول أن يقدم لها الصورة المتماسكة التي تتراوح بين الخيانة والبطولة أو تقف فيما بينهما أو حتى لا تتبين أحيانًا قرار الصواب من قرار الخطأ، بل أحيانًا كان يذكر اختلاف المؤرخين في ثوب درامي بديع. وهو رسم للشخصية يراعي أحوالها وأهوالها وإمكاناتها وطريقة تفكيرها ومواقع مصالحها، مما يجعلك تشعر أنك ترى تاريخًا حيًّا نابضًا لا مجرد سرد لما في بطون الكتب.

فمن هذه الشخصيات مثلاً: الأمير الشاعر أسامة بن منقذ ومعين الدين أنر حاكم دمشق والعاضد خليفة مصر الفاطمي (مسلسل صلاح الدين)، أبو مسلم الخراساني وأبو سلمة الخلال وعبيد الله بن أبان والمغيرة بن الوليد وعبد الملك المرواني (مسلسل صقر قريش)، وغالب الناصري وجعفر المصحفي الحاجب وعبد الله بن الملك المنصور (مسلسل ربيع قرطبة)، ويزخر مسلسل ملوك الطوائف بهذا النوع من البشر.

وخلاصة القول: أنك ترى تاريخًا حيًّا نابضًا، ورسمًا بديعًا للشخصيات بعيدًا عن حدية الأبيض والأسود، وحدية الخير والشر، وحدية البطولة والخيانة، وهذه النقطة تحديدًا -في نظري- أكبر مزية في مسلسلات الدكتور وليد سيف عن غيرها، حتى إننا كثيرًا ما نختلف في التقييم -أصدقائي وأنا- لبعض الشخصيات، تمامًا مثلما نختلف -في الواقع- في تقييم شخصيات معاصرة. ذلك أننا رأينا تاريخًا يقدم صورة أقرب إلى المتكاملة وأقرب إلى البشرية، حيث الأخطاء لها أسباب ولها مبررات ولها تفسيرات، وكذلك البطولة قد تكون سمعة ومفخرة وليست عملاً خالصًا لوجه الله والأمة.

ولعلي قد أطلت في هذا الجانب، جانب الأمانة العلمية في العمل الدرامي التاريخي، وهي إطالة بعضها مقصود؛ لما أرى من فضائح في مسلسلات أخرى، وبعضها غير مقصود لانبهاري بما يكتبه الدكتور وليد سيف.

هل تصدق مثلاً أن مسلسل (هارون الرشيد) المصري -وأنتج تقريبًا منذ 12 سنة- كان هارون الرشيد (قام بدوره نور الشريف) يلبس الأخضر والأصفر والأزرق من الثياب، بينما طالب التاريخ المبتدئ يعرف أن الدولة العباسية منذ نشأتها وحتى عصر المأمون كان شعارها السواد، وكانت تلبس الثياب السوداء؟

وهل تصدق كذلك أن مسلسل (أبو جعفر المنصور) السوري الذي عرض في رمضان الماضي (1429هـ/ 2008م) قدم العباسيين وكانوا يلبسون السواد حتى قبل أن يظهروا الدعوة ويحوزوا الدولة؟ في خطأ يعد فضيحة حقيقية لكاتب السيناريو أولاً، وللمخرج ثانيًا.

على أية حال، بقيت نقطتان في جانب الأمانة العلمية هذا نذكرهما بإيجاز:

1- الأمانة العلمية في نقل معسكر الخصم أو العدو
كان الصليبيون أعداءنا.. نعم، وذبحوا الآلاف.. لا شك في هذا، وكان تخلفهم الحضاري وتوحشهم الحيواني لا شبهة فيه، ولكن هذا لا يمنع أن يكونوا أبطالاً صناديد في القتال، وأن منهم من كان يؤمن بعقيدته إيمانًا يبذل فيه النفس والنفيس، كما كان منهم خونة وقتلة وأهل بطش وقسوة.

ليس من الواقعي أبدًا أن نصور كل الأعداء، كلهم وفي سلة واحدة، بأنهم أحط أهل الأرض أخلاقًا ونفوسًا وطباعًا، فهذا -فضلاً عن أنه ضد الطبيعة البشرية- فإنه مخالفة لحقائق تاريخية، ونحن نرى في عصرنا هذا نشطاء السلام الصهاينة ولهم حقًّا فعاليات ونشاطات مهمة ومشكورة، فلا هذا يحببنا في الكيان الصهيوني ولا هو يمنعنا من مقاومتها، ولا هو يحذف من عقولنا الصورة الوحشية الدموية للكيان الصهيوني.

وفضلاً عن تلك الأمانة العلمية في الوصف، فإني لا أعرف كاتبًا آخر اهتم بتفاصيل معسكر الخصم وما يدور فيه كما فعل الدكتور وليد سيف، حتى لو كان المسلسل يناقش فترة تاريخية مزدهرة لا يأخذ فيها الأعداء نصيبًا كبيرًا من المشهد مثل مسلسل ربيع قرطبة.

2- تنبيه مهم

أخشى بعد هذا أن يُفهم أحد أني أريد أمانة علمية تبحث عن أخطاء أبطالنا وعن بطولات أعدائنا، وأن يكون هذا هو "الأمانة العلمية". وقد مورس هذا ضدنا في مجال الفكر والتأريخ يوم أن سيطرت على بلادنا حكومات الاستعمار ثم عملاؤهم، وصعد "مثقفون" إلى مناصب التعليم والثقافة لأنهم لم يكونوا يفعلون إلا هذا، بل أشد منه.. كانوا يزورون التاريخ تزويرًا فاحشًا، بل ويزورون التاريخ القريب لا البعيد فقط، وقد منَّ الله علينا في هذا الزمن بحرية نسبية للإعلام من خلال الفضائيات والإنترنت، فصار الكذابون لا يحوزون ما كان لهم من سطوة فيما مضى. ولئن كان كل مهتم بالفكر الآن يعلم من هم المنافقون والكذابون من المرتبطين بالحكومات أو الاستعمار، فيُشْبِعهم لعنة واحتقارًا.. فلم يكن هذا متاحًا لمن كان قبلنا، فارتفعت نفايات الفكر وأصبحت أسماء كبرى، ولو قُدِّر لهم ما قُدِّر لخَلَفِهم ما صنعوا فتيلة.

القصد أن يقدم التاريخ كما هو، لا تاريخ المناقب ولا تاريخ المثالب، حتى نعمق بطولاتنا ونستفيد من أخطائنا، وهي بطولات بشرية ولهذا تستحق التعظيم، وهي كذلك أخطاء بشرية؛ ولذا تستحق التقويم. ويظل التاريخ الإسلامي أفضل تاريخ بشري، ويظل المسلمون حقًّا وصدقًا أعظم أمة صنعت حضارة إنسانية أخلاقية لم تتكرر حتى يومنا هذا، فالمنهج العلمي النزيه هو من يحكم بهذا ويُصَدِّق عليه، وشهادة التاريخ هذه تُقَدَّم لمن لم يؤمن بقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].


(4)
أزعم أن مسلسلات الدكتور وليد سيف كانت ستحتفظ بأوليتها وميزتها وتفردها عن باقي المسلسلات التاريخية لو أنها اكتفت بميزة التحقيق العلمي الممتاز، وباستبطانها العميق والرائع لنفوس شخصيات العمل التاريخي، لكنها زادت على هذا ثوبًا ولا أورع ولا أبدع من لغة فخمة جذلة.

يحز في نفسي أن كثيرًا من عمالقة الفكر ضاعوا أو نُسُوا أو لم يكن لهم جمهور؛ لأنهم لم يمتلكوا الأدب، وأكاد أقول: إن من خلدوا من العلماء والمفكرين كانوا واحدًا من اثنين: من امتلك الفكر والأدب معًا، فاستطاع أن يصوغ فكره في عبارات بليغة ومؤثرة، فَخَلَد فكره عبر لغته العذبة، أو مفكر أحدث نقلات نوعية في الفكر وقدم لعصره أو للأجيال بعده ما لم يقدمه أحد ممن قبله من نظرات وتفسيرات ورؤى احتاجها عصره أو عصر من بعده.

وأتذكر دائمًا في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كان عظيمًا لم يمتلك الأدب، بينما كان تلميذه ابن القيم عظيمًا كذلك لكن أدبه أفخم وأقوى وعبارته أحلى وأحسن، وبرأيي أن خلود ابن تيمية نصيب الفكر منه أكبر، وخلود ابن القيم نصيب الأدب منه أكبر. وفي عصرنا هذا أخشى أحيانًا أن ينسى -بعد حين- رجال عظام كان حظهم من الأدب قليلاً.

ولا أظن يخفى على أحد أن البلاغة وحدها خَلَّدت فكرًا فاحشًا وأخلاقًا ماجنةً، فكم خَلَد في الشعر شعراء فاحشون حقًّا! بل ولا أحسب محبًّا للأدب لا يحفظ أبياتًا ماجنة من فرط بلاغتها وإن كان لا يرددها إلا مع نفسه برغم استنكاره لمعناها تمامًا؛ فأبو نواس وبشار بن برد وعمر بن أبي ربيعة وسلسلة طويلة ربما انتهت بنزار قباني، كل هؤلاء صنعوا أسماءهم ببلاغتهم التي كانت ثوبًا جميلاً لأفكار فاحشة.

وإن هذا يلفت الأنظار إلى أن القرآن لم يكن حقًّا فحسب، ولكنه كان حقًّا بليغًا، حقًّا أعجز أساطين البلاغة أن يأتوا بمثله أو بسورة منه. الحق الذي لما فاجأ قريش في منتدياتهم ببلاغته ثم قال: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62] لم يملكوا أنفسهم فسجدوا، سجدوا انبهارًا، فلقد سلبت بلاغة القرآن إراداتهم على نفوسهم.. وحتى نبي الله محمد لم يؤت الحق فقط، بل أوتي معه (جوامع الكلم).

وأتذكر في هذا كلمة للأستاذ محمد قطب في كتابه (منهج التربية الإسلامية) حين قال: "إن الجبال لا تكتفي بأن تكون جبالاً.. ولكنها تكون جميلة ورائعة، مكسوة بالثلوج، أو مكسوة بالغابات! إن السحاب لا يكتفي بأن يكون سحابًا يحمل الماء.. ولكنه كذلك يكون جميلاً بأشكاله وألوانه، ثم ينتشر عليه في بعض الأحيان، طيف الشمس (قوس قزح) في منظر رائع جميل! إن النبات لا يكتفي بأن يكون نباتًا، ولكنه يورق ويزهر، ويستمتع منه الإنسان بزهره الأريج وشكله البهيج! إن الطير لا يكتفي بأن يكون طيرًا، ولكنه يسقسق ويغرد ويلعب ويقفز، وتزهو منه الألوان! إن الحيوان لا يكتفي بأن يكون حيوانًا، ولكنه يقفز ويمرح، و(يتخابث) في لطف ويستألف للإنسان"[2].

ورحم الله شيخنا محمد الغزالي الذي كان يردد بلا ملل: معنا الحق الذي لم نحسن عرضه، وغيرنا معه باطل تفنن في عرضه.

ولهذا أجزم يقينًا بأن مسلسلات الدكتور وليد سيف خالدة بإذن الله، وإذا كانت المسلسلات التاريخية بطبيعتها مستمرة ويمكن إذاعتها بعد إنتاجها بعشرين سنة أو أكثر دون أن يمثل هذا عيبًا، فإن اللغة الفخمة التي كُسِيَت بها هذه المسلسلات ستجعلها دائمًا مطلوبة ومرغوبة.

والدكتور وليد سيف شاعر أصلاً، وهو أستاذ أدب في الجامعة الأردنية، وهو حقًّا ممن يمتلك ناصية اللغة فأنت تسمع في مسلسلاته اللغة العربية الباهرة التي تقرؤها في كتب الأدب القديم، اللغة التي تنقلك لذلك العصر البعيد، فتشعر أنك تشاهد التاريخ حقًّا كما كان.

ولهذا فلن تسمع الألفاظ العربية التي ولّدها العصر الحديث، وهذا شيء لم يسلم منه أحد من المؤلفين الآخرين الذين يعانون من الكتابة بالفصحى في الأصل، ولذا فلا يمكنهم أن يعرفوا أن مثل هذه الكلمات لم يعرفها بنو الزمان القديم الذين يكتبون تاريخه.. ومن هنا تحفل نصوصهم بكلمات وتعبيرات مثل "الوقت المناسب" و"الوقت الحالي" و"تصفية الحسابات" و"خلف خطوط العدو" و"من يضحك أخيرًا يضحك كثيرًا" و"أمر غامض" و"القوة الكافية"... إلخ، ولولا أن يصير المقال مَذَمَّةً لأطلت في هذا.

ولم يكن يُنْتَبَه إلى هذا الأمر حتى سمعنا اللغة الفخمة في مسلسلات وليد سيف، فَبِضِدِّها تتميز الأشياء، وإذا طلعت البدر غارت النجوم، وإذا جاءت الشمس طغى نورها على كل نور.

إن واحدًا من أسباب معاناتي مع المسلسلات الأخرى أني سمعت مسلسلات وليد سيف، فصار كل مشهد يجبرني على أن أتخيل كيف كان سيصوغه وليد سيف. إن هذه المسلسلات قد أحدثت طفرة في هذا الجانب، فلغة المسلسلات التاريخية بعده بعامة أفضل منها قبله، فمسلسلات (الحجاج، المرابطون والأندلس، أبناء الرشيد، خالد بن الوليد (بطولة باسم ياخور)، خالد بن الوليد (بطولة سامر المصري)، قمر بني هاشم، أبو جعفر المنصور..) أفضل لغة من المسلسلات فيما قبل بشكل عام، ولا أستثني من هذا إلا مسلسل (الظاهر بيبرس/ السوري) فلغته ركيكة إلى حد يثير الاشمئزاز.
وشخصيًّا كنت أظن أن جمهور الأمة لا يفهم اللغة العربية القوية، فعلمت من تلك المسلسلات أن الأمة أقرب إلى روحها وتراثها مما كنت أتصور. وبالمناسبة، فإن الأمة أقرب إلى روحها وتراثها كثيرًا مما يتصور كثير من السياسيين وحتى كثير من العلماء والدعاة، ودائمًا تكون الانتخابات هي الكاشف عن هذه المفاجأة.


(5)
الحب في مسلسلات وليد سيف
ما نراه في مسلسلات وليد سيف يؤكد أن لهذا الرجل تجربة في الحب، ففي مشاهده ما لا يمكن أن يعرفه إلا عاشق قديم، أو عاشق قديم مقيم.

والحب أمر عجيب، وهو لغزٌ وسيظل هكذا، وهو من أدلة إعجاز الله في خلقه، فهو شيء لا يوصف ولا يفسر ولا يُعرف كيف يبدأ وكيف يثور ثم كيف يذبل وينتهي، ومن حاول أن يفسر الحب فليعلم أنه سيفشل حتمًا، وما من نظرية في الحب إلا ونستطيع أن نسوق قصصًا تؤكد فشلها وعجزها عن التفسير.

وأرى أن لا يتكلم في الحب من لم يعرفه، ولو كان عالمًا أو داعية، فإن كلامه يؤخذ منه على أنه كلام الله وحكمه، ومن قال لا أدري فقد أفتى.

وإنك لتجد في مسلسلات وليد سيف الحب الذي لا يخدش العفة، فلن تبتئس كثيرًا من حب صلاح الدين لعصمت الدين خاتون أرملة الملك العادل نور الدين، ولن تبتئس أيضًا من حب الملك المنصور محمد بن أبي عامر لصبح جارية الحكم وأم الخليفة هشام، ولن تعتبر حب المعتمد بن عباد لزوجته اعتماد الرميكية ضعفًا في شخصيته.

وهذه الأمثلة وغيرها ليس للتاريخ فيها رأي قاطع أكيد، فنحن لا نعرف على سبيل اليقين إن كان جرى حب بين صلاح الدين وعصمت الدين خاتون أو بين الملك المنصور والسيدة صبح، فإن أحداث التاريخ تجعل هذا احتمالاً واردًا ويمكن أن يكون قويًّا، ولكن يمكن أن نفسر كل الأحداث كذلك من منظور آخر غير الحب.

إنما الإبداع يكمن في أن وليد سيف حين يقدم رواية الحب هذه فإنه يقدمها في إطار العفاف والأخلاق، في إطار أنه قد حدث فعلاً حب عظيم وعميق، لكن هذا ليس مظنة السوء أبدًا ولا يمكن أن يكون موضع ريبة، وهو في ثنايا المسلسل يهاجم بشدة من يعتبر هذا الحب ريبة ودنسًا، ويظن فيه السوء ويجعله تهمة.

وما يؤكد اهتمامه بهذا اللغز المسمى بالحب هو أنه أحيانًا يصنع قصة حب قد لا يحتاجها المسلسل، صحيح أنه يستعملها في بيان معان أخرى في صلب المسلسل، لكن تلك المعاني كان يمكن أن تؤدى بغير قصة الحب، وذلك أسهل على كاتب محترف مثل وليد سيف.

سترى في مسلسلات وليد سيف أعاجيب المحبين:

- زواج سياسة ينقلب إلى حب عميق (نور الدين وعصمت الدين خاتون - مسلسل صلاح الدين).

- حب وكفاءة يتحولان زواجًا (صلاح الدين وعصمت الدين خاتون - مسلسل صلاح الدين).

- حب رغم العذاب والإيذاء (الوليد بن يزيد وجاريته وَرْد - مسلسل صقر قريش).

- حب الصعاليك (بدر خادم عبد الرحمن الداخل وزوجته زينب - مسلسل صقر قريش).

- حب الملك لجاريته (عبد الرحمن الداخل و جاريته حَلَل - مسلسل صقر قريش - والحكم المستنصر لجاريته صبح - مسلسل ربيع قرطبة).

- حب من لا يملكون ولا يستطيعون ولا يملون (المنصور بن أبي عامر وصبح - مسلسل ربيع قرطبة).

- حب الزوجة التي تعلم أن قلب زوجها لغيرها فتفضل حبه على نفسها رغم ألمها (المنصور بن أبي عامر وزوجته عائشة - مسلسل ربيع قرطبة).

- حب النظرة الأولى (المعتمد بن عباد واعتماد الرميكية - مسلسل ملوك الطوائف).

- حب المستبد الطاغية الذي بقوته استطاع أن يتزوج من لا تطيقه (الوزير ابن عمار ولبنى - مسلسل ملوك الطوائف).

- المصالح التي تطرد الحب القديم الملتهب (زيد ولبنى - مسلسل ملوك الطوائف).

- الكره العميق الذي ينقلب حبًّا عميقًا (الوزير ابن عمار وزوجته لبنى - مسلسل ملوك الطوائف).

- الحب الملتهب الذي يذبل وينتهي عند تغير الحال (ابنة المعتمد وزوجها - مسلسل ملوك الطوائف).

وكل هذه المشاهد واقعية جدًّا، ونراها في حياتنا المعاصرة، وإن كنت أكرر أنها كلها ليس مقطوعًا بها على سبيل اليقين التاريخي -ما عدا حب المعتمد للرميكية وحب الحكم لصبح وحب الداخل لحلل-، وأكثرها مؤلَّف لخدمة الدراما.

وأراني مضطرًّا هنا لذكر انتقادين في هذا الجانب، وما كنت أحب أن انتقد في هذا المقال أبدًا لعلمي أنها اجتهادات سنختلف حولها، وقد أختلف معه في بعض الوقائع والروايات التي يقويها بينما أراها ضعيفة، أو بعض التفسيرات لبعض الأحداث، وكذلك بعض التركيز على أمور وإغفال أخرى، فكل هذا هو في نطاق الاجتهاد الذي يسع كل الناس الاختلاف فيه دون أن يؤثر هذا على الإجلال والتقدير لهذا الإبداع الكبير.

لكن جانب الحب هذا لا بد من قول كلمتين فيه:

1- أن كثيرًا من المشاهد بين المحبين، خصوصًا في مسلسل ربيع قرطبة، فيما بين ابن أبي عامر وصبح لا يمكن أن تكون حدثت، فهي غنية بكلام الحب الذي لا يتصور أن يقال بين جارية بل وأم ولد الخليفة وبين عامل لها. وقد كان يمكن أن يستعيض عن هذا الكلام الصريح بكثير من المشاهد الصامتة التي تعبر عن المعنى، والتي ستصاحبها موسيقى تصويرية مناسبة. فإنه لا يمكن أن تكون قد حدثت خلوة بينه وبينها أبدًا، حتى ولو كانت جارية تبرز للناس ولا يحوطها ما يحوط الزوجة الحرة من تقاليد، فهذه ستخدش نطاق الأمانة التاريخية التي عودنا الكاتب على احترامها.. هذه نقطة ضعف في السيناريو كنت أتمنى ألا تحدث.

2- الكارثة العظمى هي التي أحدثها الإخراج، أو ربما المسئول عن الملابس، (لست خبيرًا في فنون الكواليس) فلقد كانت تظهر الجواري عاريات تقريبًا، بل ويمشين عرايا هكذا في طرقات القصر وبين العمال والوزراء، بل سيدات القصر أنفسهن تظهرن عرايا وأمام غير المحارم مثل دور صبح في ربيع قرطبة ودور اعتماد الرميكية في ملوك الطوائف. ولئن كنا لا نقبل أبدًا تلك الملابس التي أُلبست لصبح في ربيع قرطبة وهي جارية، فلا مكان أبدًا لقبول ملابس اعتماد الرميكية في ملوك الطوائف.. ومن كان لديه دليل من التاريخ يقول غير هذا فليخرجه لنا. وإن كان أغلب الظن عندي أنها من صنع المخرج الذي أفسد كثيرًا -بتلك المشاهد- الصورة التاريخية التي يعبر عنها السيناريو أفضل تعبير. وسنتكلم عن هذا بعد قليل بمزيد تفصيل.

(6)
المخرج حاتم علي
يُحسب للمخرج حاتم علي أنه يحافظ على السيناريو ولا يتدخل فيه، هذا ما صرح به الدكتور وليد سيف، وما صرحت به كذلك الدكتورة لميس الحديدي مؤلفة مسلسل (الملك فاروق)، ويشهد من تابع هذه المسلسلات أن نصها قوي ومحبوك من الجانب التأريخي.

وشخصيًّا لا يعجبني إخراج حاتم علي، ولست كذلك ناقدًا فنيًّا، وإنما مجرد متذوق، وكنت أود لو توفر لمسلسلات وليد سيف مخرج مصري متمكن، فكثيرًا كثيرًا من المشاهد المؤثرة لم يستطع الإخراج أن يخدمها كما ينبغي.

لكن هذا يظل في إطار المقبول أو ما يسعنا فيه الخلاف، أما الكارثة الحقيقية فهي في هذا الكم الهائل من العري والرقص في المسلسلات التاريخية، وهو عري أقطع بأنه لم يكن موجودًا لا على هذا النحو ولا بهذه الكثرة في تلك الأيام، ولا أعرف تحديدًا مدى موافقة الدكتور وليد سيف على هذا الإخراج لهذه المشاهد.

مئات المشاهد تحفل بعري لا حاجة له مطلقًا، ولا دخل له في خدمة النص ولا الصورة، إلا أن يكون البعض ما يزال يعتقد أن الجمهور العربي ما زال متشوقًا لرؤية العري حتى في الأعمال الدينية والتاريخية، وهي مشاهد تمثل صدمة بالغة للمشاهد الملتزم، وخصوصًا أنها تعرض في رمضان فيتضاعف الحرج ويكون ترك المسلسل هو الحل الأفضل بالنسبة لشريحة الملتزمين، فما بالك وهذه الشريحة هي التي تهتم بهذه النوعية من الأعمال وتحرص عليها، أي أن هذه الشريحة هي الجمهور الأثير لهذه النوعية من المسلسلات.

وطالب المشاهد العارية لم يعد يجلس أمام التلفاز، وإن جلس فهو لن يذهب إلى مسلسل ناطق باللغة العربية الفصحى انتظارًا لبغيته. فلماذا هذا الإكثار العجيب وغير المبرر من هذا التعري والرقص؟

إن كفاءة النص الذي كتبه وليد سيف، وكذلك كفاءة الإخراج الذي لم يتدخل في النص جعلت الإسلاميين يحرصون على هذه المسلسلات ونشرها للناس، لكن هذا العري المتناثر كان عقبة شديدة القسوة.

من يصدق أن السلفيين الذي لا يعتبرون أساسًا بجانب الفن كانوا ممن حرص على نشر هذه المسلسلات، وهذا شيء لم يحدث لعمل فني -على حد علمي- منذ فيلم عمر المختار، لكنهم –كالعادة- حذفوا كل مشاهد النساء من هذه المسلسلات.

والحق أنه وإن كان يجوز نقدهم في تشويش صور النساء في فيلم عمر المختار، فإنه لا بد من التماس العذر لهم فيما حذفوا من مشاهد من مسلسلات وليد سيف. برغم أهمية وحيوية هذه المشاهد.

وقد شاهدت نسخًا كثيرة من هذه المسلسلات أول الأمر، فصعقت حين شاهدت النسخ الأصلية؛ لأن المشاهد التي حذفت مهمة في غاية الأهمية في السياق التاريخي، بل فيها أحداث تاريخية أو تفسيرات لا يمكن الاستغناء عنها، ولكن كيف يمكن أن تلومهم؟ لقد أعطاهم المخرج سببًا قويًّا لأن يحذفوا دون أي اعتبار لأهمية المشهد.

بعض النسخ حذفت كل النساء، حتى ما كان من نساء يلبسن الحجاب، وهذا تشدد مرفوض قطعًا، ولكن لا مجال للحوار مع هؤلاء وأنت تعرف أن مشاهد النساء في أغلبها عارية مستفزة.

ومقارنة بين مسلسل (ملوك الطوائف) ومسلسل (المرابطون والأندلس) تكشف بجلاء أن هذا العري غير مبرر أبدًا، فهذان المسلسلان ناقشا نفس الفترة التاريخية (عن غير قصد فلقد أنتجا في عام واحد) فلا تجد مقارنة بين العري هنا وهناك، واعتماد الرميكية التي قامت بدورها سلاف فواخرجي في ملوك الطوائف فَتَعَرَّت بشكل بشع، قامت بدورها مرح جبر في المرابطون والأندلس فلم يؤثر هذا على الدور ولم يظن أحد من الناس أنها صعلوكة؛ لأنها لا تلبس العاري المكشوف.

قد خسرت هذه المسلسلات جمهور الإسلاميين في جانب الدعاية، وإن كسبتهم في جانب الإعجاب، والإسلاميون كما يعرف الجميع جمهور يتطوع بالدعاية والنشر والدعم لكل ما يحبه وكأنه ينشر عملاً له هو، ويدعمه كأن ربحه عائد عليه هو. وما أخشى من شيء في مسلسل (سقوط غرناطة) إلا أن تزيد فيه هذه الجرعة "الإباحية" (وأسميها الإباحية عامدًا)، خصوصًا وهي تناقش فترة انهيار وضياع الأندلس.

فإني أناشد كل صانعي الأعمال التاريخية أن يحرصوا على جمهور سيكون أقوى من شركات الإنتاج قطعًا، جمهور متطوع لا يطلب إلا أن تُرَاعَى أخلاقه، ثم سيكون جنديًّا مخلصًا في نشر هذه الأعمال، وخيرها عائد على صانعيها في المقام الأول، ولن يطلب جزاء ولا شكورًا.

إن هذه المسلسلات بهذا الشكل لا تجرؤ الفضائيات الإسلامية على عرضها، وقد اضطرت قناتي اقرأ والرسالة إلى حذف كثير من المشاهد حين عرضت صلاح الدين وصقر قريش، ولم تستطع اقرأ أن تواصل عرضها لصلاح الدين لكثرة ما اضطرت أن تحذف مشاهد مستبدلة إياها بمنظر ساكن.

وهذه قنوات لا تعرض الأعمال الأخرى، أي أنها ساحة خالية من المنافسة لعرض الأعمال التاريخية، بينما القنوات الأخرى ساحات تتصارع على أوقات البث فيها كلُّ أنواع الأعمال الدرامية، فلماذا يضحي صانعو المسلسل التاريخي بهذه المساحة الخالية وبهذا الجمهور العريض؟! خصوصًا إذا كان لحساب مشاهد تتنافس عليه مسلسلات خليعة أخرى على باقي القنوات؟

لعلهم يستيقظون.. آمين.

(7)
بقي في هذا الموضوع شكر لأبطال العمل من الممثلين..

فتيم حسن موهبة تجلت واضحة من أول أدوراه (العاضد خليفة مصر الفاطمي) في مسلسل صلاح الدين، وهو بهذا الدور أجبر كل متابع على الإعجاب به، وهو حقًّّا موهبة لا محدودة، وإن كان الآن لا يحتاج ثنائي فهو ملء السمع والبصر عن حق وجدارة.

فأدواره في كل مسلسلات وليد سيف تستحق ثناء بلا حد، فهو الخليفة الذكي المغلوب على أمره في صلاح الدين، وهو الخليفة العابث الماجن المستهتر في صقر قريش، ثم هو البطل العظيم الملك المنصور ابن أبي عامر في ربيع قرطبة، ثم هو الملك الذي يجمع بين البطولة والخيانة في ملوك الطواف.

ولا أوضح ذكاء وإمتاعًا من جمال سليمان في كل أدواره: صلاح الدين، عبد الرحمن الداخل، الحكم المستنصر، الشاعر ابن زيدون.. ولا أقل منه تألقًا النجم الموهوب الفلتة محمد مفتاح في أسد الدين شيركوه، وبدر خادم الداخل، وإبراهيم عريف الحدادين، والوزير ابن عمار.

ونجم آخر يتألق بشكل فريد، ويظل له طعمه الخاص دائمًا، هو نجاح سفكوني في دور نجم الدين أيوب، وفي دور غالب الناصري، وفي دور باديس ملك غرناطة.. ومثله باسم ياخور الذي لا ينسى دوره في صقر قريش وهو شخصية أبو مسلم الخراساني، فضلاً عن دوره في شخصية نور الدين وجعفر بن حمدون.

ورجل أحب أن أسمع منه اللغة العربية وإن لم يكن من نجوم الصف الأول ذلك هو ناصر وردياني، فهو عز الدين كمشتكين، وسليمان بن كثير، وأبو يحيى التجيبي، ويحيى بن عمر اللمتوني. ومثله في إجادة العربية عبد الرحمن آل راشي، فهو عماد الدين زنكي في مسلسل صلاح الدين، وهو إسماعيل بن عباد قاضي الجماعة في إشبيلية ومتولي أمرها وقت الفتنة.

وثمة دور تأثرت به بشكل خاص، وبما أنني الذي أكتب فلي حق أن أعبر عن مشاعري الخاصة، ذلك هو دور زينب الذي قامت به أمل عرفة فأبدعت بما لا يوصف في مسلسل صقر قريش، حتى صار أصدقاؤنا الشباب يتمنون زوجة كهذه الزوجة.

***
لا شك أن الدكتور وليد سيف يمثل نقطة فارقة في الكتابة الدرامية التاريخية، وهو فاصل بين مرحلة قبله ومرحلة بعده. وأعلام أمتنا كثير ولكنهم كالعادة لا يأخذون حقهم، وهم كاللؤلؤة يحبسها قشرة صلدة صدأة غبية فيمنعونها من التوهج، وذلك -دائمًا- حال لآلئ عصور "ملوك الطوائف".

ما زال في الصدر كلام كثير، وهو كلام يثقلني الآن رغم أني أعرف أنه ما كان بالوسع الحديث عن الجمال المكتنز حديثًا مُحيطًا، ثمة مشاهد تستحق وحدها أن توصف لما فيها من علم بالتاريخ وبالأدب وبالشعر، ثم هو منسوج في ثوب من لغة ممتعة ومتمتعًا بتطور درامي مثير، ثم هو مشهد يمثل حلقة وصل محكمة بين المشهد الذي قبله والمشهد الذي بعده.

حقًّا إن المهارة لا توصف، وكما أنك لا تستطيع أن تصف جمال الصورة -ولو كانت مهارة لاعب كرة- فلن تستطيع وصف هذه الأعمال الفنية، وهي كائنات حية.

إنها دعوة للاهتمام بهذا الرجل ولو بسماع مسلسلاته وقراءة مقالاته، فهو أيضًا كاتب في هموم السياسة لا سيما الفلسطينية، وهذا واجب من لا يملك أن يفعل إلا هذا، أما من يملك فوق هذا فليؤد أمانة ما أعطاه الله من قدرة.

***
كثيرًا ما تخيلت الدكتور وليد سيف وهو يقف وحيدًا في ساحة الدراما، فيقفز إلى الذهن شخص المتنبي وهو يقول:
فؤاد ما تسليه المدام *** وعمر مثل ما تهب اللئام
ودهر ناسه ناس صغار *** وإن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهمو بالعيش فيهم *** ولكن معدن الذهب الرغام
ولو حيز الحفاظ بغير عقلٍ *** تجنب عنق صيقله الحسام
وشبه الشيء منجذب إليه *** وأشبهما بدنيانا الطغام
ولو لم يعلُ إلا ذو محلٍ *** تعالى الجيش وانحط القتام
ولو لم يرع إلا مستحق *** لرتبته أسامهم المسام
ولم أر مثل جيراني ومثلي *** لمثلي عند مثلهم مقام