أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 18 مارس 2019

الحب الأخير

بقلم: لانا مامكغ

 
انشغلتُ بمراقبته من حينٍ لآخر؛ خمسينيٍ مكتنز، صلفِ الملامح، به غلظةٌ في بنيته وصوته ذكّرتــــني بممثّــــل قديم اشتهر بأدوار الشّر في السّينما المصريّة، ولم أعلم لماذا خلته من محدثي النّعمة … ثروةٌ طارئة شجّعته على الارتباط بتلك الشّابة العشرينيّة التي ترافقه، لينجبَ ذلك الطّفل الذي بدا أنّه شُغلُه الشّاغل طوال الوقت، لأقولَ لنفسي باستهزاء: طبعاً، لابدَّ من إثبات الذّكورة والفحولة المطلوبة في لقاء خريفِه بربيعها … لابدَّ من إنجابِ مخلوقٍ بريء يتّسلى به فيما تبقّى له من عمر!
حدث هذا خلالَ إحدى الرّحلات السّيّاحيّة، حين بقيتُ أرصدُ حالة الرّجل إلى أن لمحتُ الطّفلَ يبتسمُ لي ذات صباح، فاقتربتُ بسعادة لأحيي الرّجلَ والصّبيّة وأنا أداعبُ الصّغير وأقول: «الله يخليكم لبعض أنت والمدام أستاذ، ويحميه لكما، فرصة سعيدة «. وفيما كنتُ أهمُّ بالابتعاد وصلني صوتُ الرّجل يشكرني ليضيفَ ضاحكاً: «هذه ابنتي، وليست المدام … وهذا حفيدي، تفضّلي إشربي معنا قهوة». وفعلاً لم أقوَ على الاعتذار، فانضممتُ لهم وأنا أوّبخ نفسي على توّقعاتي السّخيفة … إذ عرفتُ أنّه سافرَ خصّيصاً إلى بلد الغربة حيث تستقرُّ ابنتُه وزوجها، حتى يُحضرَها والصّغير ليشاركاه هذه الرّحلة، ثمَّ قال بتأثّر: «أبوه مشغول جدّاً، ولم يتمكّن من قضاء الإجازة معي هذا العام، وأنا اشتقتُ لحفيدي، والباقي عندك … « فتبادلنا الضّحكات إلى أن أضافَ وهو يحتضنُ الطّفل، وبنبرةٍ مشحونةٍ بالحزن: « آه لو تعرفين حالتي لمّا تنتهي الإجازة، ويحينُ موعدُ عودته إلى هناك، كلّما أتذكّر هذا اليوم أشعر بقلبي يكاد يتوقّف!».
وهكذا، غادرته مطرقةً وأنا نادمةٌ على خيالاتي البلهاء! 
ثمَّ حدث أن حضرتُ أحدَ المؤتمرات الرّسميّة في بلدٍ عربي ذات مرّة، ليقوم بمرافقتي إلى المطار يوم العودة أحدُ مسؤولي الجهة الدّاعية كما أوحت به هيئته وعمره. بدا متنفّذاً في المكان فأنهى الإجراءاتِ جميعَها بسرعة غير متوقّعة، إلى أن انتهى بنا المطاف في قاعة انتظار باذخة الأناقة … 
مرَّ وقتٌ ما وكلٌ منّا منشغلٌ بتصفّح هاتفه المحمول دون أن نتبادلَ حرفاً واحداً، ثمَّ ليُعلنَ عن تأخير الرّحلة لمدّة ساعتين … نظرتُ نحوه وأنا أتأفّف لأفاجأ بملامحِه هادئةً محايدة لا تحملُ أيّ تعبير، فشغلتُ نفسي بقراءة بعض المطبوعات حولي حتى سئمت. الوقتُ كان يمضي بطيئاً ممّلاً في قاعة بدت فيها درجةُ الحرارة حول الصّفر بقليل كما بدا لي حينها، فقلت لاختراق حاجز الصّمت القاتل، وكمحاولةٍ يائسة لكسر جليدِ المكان: «الجوّ ملتهب في الخارج، وباردٌ جداً هنا … «فهزَّ رأسه موافقاً من دون أن ينظرَ نحوي!
بدأ السّأمُ ينخرُ في كتلتي العصبيّة وأنا أتأملُ ألوانَ السّتائر، والجدران، والّلوحاتِ التّجريديّةَ الغامضة، والبحثُ الجادّ عن الثّقوب الّلعينة في السّقف كمحاولةٍ لاكتشاف مصدر الهواء القطبي الذي يحتلُّ المكان، والزّمان كذلك … ذاك الذي تجمّدَ وصارَ عصيّاً على المضيّ!
سألته دون تفكير وأنا أعبثُ بمكوّنات حقيبتي اليدوّية بلا سبب: «عفوأ، هل لديك أبناء؟ بماذا تحبُّ أن أناديك؟». هنا، فوجئتُ به يلتفتُ نحوي بكامل جسده ليجيبَ بحماسة: «لديّ الكثير منهم، ولديّ حفيدةٌ أيضاً… « فوجئت به يغيّر جلسته، ويقتربُ منّي وقد فتحَ هاتفه على بعض الصّور ويبدأ في الحديث والشّرح «هذه حفيدتي … انظري ما أحلاها، لا أراها إلا في نهاية الأسبوع، أعدُّ الدّقائق حتى تأتيني!» وبدأ يُقلّبُ صورَها واحدةً بعد الأخرى، منذ كانت في يومها الأوّل حتى دخلت الرّوضة قبل شهر … وأنا أردّدُ: «ما شاء الله … ما شاء الله … ما شاء الله»!
كان يُحدّثني عن حركاتها، وطريقة نطقها للكلمات، وماذا تحبُّ من الألعاب، وكيف يضبطها تعبثُ بأغراضه، وكيف أنَّ الأمرَ يُفرحه بدلَ أن يُزعجَه، أو أنّه نسي بالأحرى كيف يغضبُ من شقاوتها!

وهكذا حتى حان وقتُ المغادرة، فأوصلني إلى باب الطّائرة وهو ما زال يقلّبُ في الصّور وأنا أردّدُ بصـــبر: «ما شاء الله … ما شاء الله!».
 
وماذا بعد، إلهي كم كتبنا وقرأنا وانشغلنا بما يُسمّى الحبّ الأوّل … لكن يبدو أنَّ الحياة تُهدينا ما يمكن أن نطلقَ عليه «الحبّ الأخير» ذلك المتمثّل في ولعِــــنا بمخلوقاتٍ صغيرةٍ رائعة تملأ قلوبنا المتعبة في نهاية العمر بكميّاتٍ من الرّقة والرّهافــة والعذوبة، وتهدمُ ببراءة كلَّ ما اصطنعناه من وقارٍ وتماسكٍ وهيبة مزعومة في مسيرة حياتنا، مخلوقات تملأ قلوبنا حبّاً وشغفاً وفرحاً لم نعرفه في تجاربنا العاطفيّة السّابقة البائسة مهما ادّعينا غير ذلك!