أرشيف المدونة الإلكترونية

الجمعة، 23 أبريل 2010

الموشحات الأندلسية مسموعة لا مقروءة

منشور: في الملحق الثقافي جريدة الدستور الأردنية  23/4/2010

https://www.youtube.com/watch?v=13BPG5451Kc

سبحان الذي علَّمنا منطق الألحان، وأنعم علينا بمتعة السماع...وبعد، فما زال للموسيقا سحر خاص يفتن، ونشوة غامضة تننتشي لأجلها الروح، ولقد مرَّ حديثُ الموشحات الأندلسية على كثير منا في أثناء دراسة الأدب العربي، وما بقي في النفس من ذلك الحديث خلاصةٌ: أن الموشحات تجديد شعري وغنائي وموسيقي ابتدعه أهل الأندلس في القرن الرابع الهجري استجابة لظروف خاصة بهم زمانياً ومكانياً. وقد وجدنا أصداء هذا التجديد الأندلسي العبقري تتردد في المشرق العربي، حين انتقل ذلك الفن إلى هناك، وأصبح مَعْلَمةً لا تُنكر في صرح الموسيقا العربية.
لكن الذي ما فتئ يخطر في البال منذ أقدمتُ – بحكم المهنة- على تدريس بعض الموشحات الأندلسية هو: لماذا لا ندرِّس تلك الموشحات مسموعة؟! فماذا تنفعنا تلك الصفحات الملأى بأنواع الموشحات وأقسامها وأوزانها...وغير ذلك من قضايا، إزاء دقائق معدودة نقضيها في الاستماع إلى الموشحات مغناة بصوت عذب ترافقه الألحان الأندلسية المتميزة الإيقاعات؟
كنتُ أنفق حصة كاملة أقتطعها من جدول زمني لا يكاد يكفي لتدريس منهج اللغة العربية على النحو المطلوب؛ لأجعل طلبتي يستمعون - قبل الشروع في تدريس موضوع الموشحات- إلى بضع مقطوعات موسيقيية عثرتُ بها على إحدى المحطات الإذاعية العربية التي تبث من باريس، وقُدِّمت في الإذاعة على أنها نماذج مستوحاة من موسيقا زرياب الأندلسية، فقمتُ بتسجيلها وتقديمها للطلبة.
ولم أفهم وأنا أخوض التجربة كيف أن أساتذتنا، على ما لهم في قلوبنا من منزلة واحترام، كيف قاموا بتدريسنا موضوعاً كمثل الموشحات الأندلسية دون أن يفكر أحدهم في أن يُسْمِعنا شيئاً من الموشحات والأزجال الأندلسية المؤداة على نحو مخصوص على أنغام الموسيقا الأندلسية. ربما يكون ذلك من باب ركونهم إلى ما شاع بين أهل المشرق وعرفوه مما غَـنَّت فيروز من ألحان الرحابنة وغنّاه غيرها من المطربين من الموشحات الأندلسية، وأشهرها "يا زمان الوصل بالأندلس".
وبحكم الإقامة في المشرق العربي لم أزل بعيدة عن معرفة التراث الأندلسي الغنائي الذي ما زال حياً، والذي يحافظ عليه حتى اليوم عشاقُ الطرب الأندلسي في بلاد المغرب، ويتناقلونه جيلاً فجيلا، إلى أن حانت فرصة معرفة هذا الفن على نحو آخر حين أتاح تقدم وسائل الاتصال والإعلام -كالقنوات الفضائية مثلاً- في مشارق الأرض ومغاربها أمام الجمهور عرض الثقافات والفنون المتنوعة للأمم والشعوب، كان منها عرض مجالس غنائية للطرب الأندلسي على التلفزة المغربية تحديداً، وقد أثارت هذه المجالس إعجابي وكانت فاتحة عهد جديد لي مع الموشحات والأزجال الأندلسية، جعلتْني أراها كما لو أنني أسمع بها للمرة الأولى.
وازداد تعلقي بهذا الفن حين عَرَضت الوسائطُ الأخرى –كالإنترنت- تلك المجالسَ عرضاً جديداً لما كنا نسمع به، ولما كنا نقرؤه وندرسه مما يسمى الموشحات الأندلسية، وكانت شيئاً غير ما ألِفَه أهلُ المشرق من موشحات أندلسية أدّاها المغنّون المشارقة؛ فالموشحات المغنّاة في المشرق كانت توقَّع على أنغام وألحان لا تشبه تلك الألحان التي ابتدعها الأندلسيون خصيصا لتلك الموشحات، ولم تتشابه الإيقاعات المشرقية في أداء هذا الفن مع الموسيقا الأندلسية بإيقاعاتها وألحانها وآلاتها ومجالسها...التي كان قد وضع أسسها الأولى عبقري الأندلس زرياب - من أهل القرن الثالث الهجري- الذي طبقت شهرته الآفاق، وما زال تجديده الموسيقي هو سر هذا الفن الفريد؛ فقد "أورث [زرياب] بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان ملوك الطوائف، وطما منها بإشبيلية بحر زاخر.."، على حد قول ابن خلدون في (فصل صناعة الغناء).
https://www.youtube.com/watch?v=PNJo23qbMgI

فالموشحات المؤداة في المشرق تختلف اختلافاً واضحاً عما يؤدَّى في المغرب في هذا الباب؛ إذ تمتاز مجالس الطرب الأندلسي في المغرب بأن الموشحات فيها تؤدَّى بمرافقة الألحان المحفوظة والمتوارثة لدى أجيال أحفاد الأندلسيين ومن سار على خطاهم في حب هذا الفن، وهي تمتاز كذلك بأجواء خاصة ليس لأهل المشرق عهد بها: فأجواء مجالس الطرب الأندلسي خاصةٌ ومميزة، ابتداء بالمكان وليس انتهاء بأدق التفاصيل لدى المؤدّين والمؤديات من المغنين والعازفين والمردّدين جميعا: إذ يظهر أفراد الجوق (المجموعة الغنائية) بملابسهم المغربية التقليدية: الجلابة والطربوش والبلغة (الخُفّ) للرجال، و(التكشيطة) والقفطان الحريري للسيدات، وهذا تقليد متّبع حتى اليوم لكون هذا النوع من الغناء ارتبط سابقاً بأهل التصوف الذين كان منهم بعض العلماء والفقهاء والأدباء..ممّن تعاطوا غناء الموشحات الدينية، فظلّ طابع الوقار يلفّ مظهر مَنْ يغني الموشحات والأزجال الأندلسية حتى اليوم، وإن كانت كلماتها أحياناً بعيدة بعداً كبيراً عن مظهر مَنْ يغنّـيها.
ويجلس الجوق الغنائي في قاعة فسيحة تزدان فضاءاتها بالزخارف الفنية ذات الطابع الأندلسي الرفيع، وتمتد أمامهم السجاجيد الحمراء ذات النقوش الخاصة، المنتشرة في المجالس التقليدية المغربية، وربما تترقرق المياه في نافورة واسعة تناثرت على صفحاتها أوراق الورد. ويجلس أعضاء الجوق الغنائي جميعاً على مقاعد تُصّفُّ على نحوٍ معين، يحمل كلٌّ منهم آلته الموسيقية بيديه، الآلات الوترية منها والإيقاعية، ومنها: الكمان الذي يوضع على الفخذ على هيئة مخصوصة لا على الكتف، مخالفين بذلك ما اعتاده أهل المشرق .
وتستوقف عينَ الملاحِظ لهذه المجالس أن أعضاء الجوق يكونون عادة متفاوتين في أعمارهم: فتجد فيهم الطفل والشاب والرجل والكهل والعجوز والفتاة المليحة والمرأة الحسناء والمرأة العجوز، يجمعهم - على اختلاف مقاديرهم من الحياة- حبُّ الموسيقا الأندلسية وروعة الموشحات والأزجال.
كما أن جمهور حفلات الطرب الأندلسي التي يبثها التلفاز يستحق هو الآخر وقفة؛ فالناظر إلى جمهور تلك المجالس  الطربية يلمس بعينيه مدى تفاعل هؤلاء مع تلك النغمات الرائعات والأصوات العذبة الشجية والأداء الساحر الذي يأخذ بالألباب، يرددون على قلب رجل واحد كلمات الموشحات المغناة على طولها بلا كلل، حتى لتكاد قلوبهم تطير من نشوة الطرب، فترى عياناً ما كنتَ تقرؤه في الصفحات الكثيرات عن شيوع مجالس الطرب في بلاد الأندلس واعتياد الناس ارتيادها، ودَوْر ذلك في ازدهار فن الموشح والزجل الأندلسي وانتشارهما على كل صعيد بين الخاصة والعامة؛ كالقصة المعروفة التي تُروى عن ابن تِيفَلْويت "ملك سرقسطة" وممدوح الفيلسوف وصاحب التلاحين ابن باجة، إذ حضر ابنُ باجة مجلسَ ابن تِيفَلْوِيت، فغنَّت إحدى قيناته موشحة ابن باجة:
"جرر الذيل أيما جرِّ   وصل الشكر منك بالشكر"
فطرب الممدوح لذلك لما ختمها الشاعر بقوله : "عقد الله راية النصر   لأمير العلا أبي بكر" فلما طرق ذلك التلحين سمْعَ ابن تيفلويت صاح :واطرباه، وشقَّ ثيابه، وقال: ما أحسن ما بدأت وما ختمت، وحلفَ بالأَيْمان المغلَّظة لا يمشي ابن باجة إلى داره إلا على الذهب. فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهباً في نعله ومشى عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض الناس في عصرنا الحديث ربما فاتته لسبب أو لآخر فرصة أن يشنف آذانه بأصوات المغنين في مجلس حقيقي، ليس عن طريق الاستماع إلى تسجيلات إذاعية كانت أو تلفازية، فللأصوات الغنائية وللأنغام الموسيقية مذاق ساحر إذا سمعتْها الأذنُ دون مكبرات الصوت أو غيرها من أدوات التوصيل الإذاعي أو الفضائي، وهي تُحدِث في النفس أثراً يفوق بمرات ما يُحدِثه الاستماع إلى الأنغام والألحان والأصوات نفسها بالوسائط الإعلامية المتنوعة.
وقد يكون هذا من جملة الأسباب التي تقف وراء تلك القصص التي رُويت عن أهل الأندلس وعن مبلغ تأثرهم بالموشحات الأندلسية حين تُغَنَّى، وهي التي ما نشأت إلا لحاجة غنائية اقتضتْها ظروف الغناء في الأندلس وأجوائه والحاجة إلى تنويع القوافي والألحان والأوزان..وهو الجانب الأحرى أن ينال الاهتمام حين تدرَّس الموشحات الأندلسية، لذا فلا مناص من دراسة الموشحات والأزجال الأندلسية مسموعة لا مقروءة فقط، لأجل الوقوف على جماليات هذا الفن الفريد، وتنمية الذائقة الموسيقية، وتحقيق المتعة مجسَّمة في ألحان وكلمات وإيقاعات تمتلك الوجدان. فقد أسرف الباحثون في دراستهم الموشحات الأندلسية على أنه فن شعري حين حاولوا أن يُجروا عليه ما يجري على الشعر الموزون من ضوابط، فما نفع ذلك تماماً في حسم مسائل عديدة حول  ذلك الفن ما زالت محل خلاف بين المهتمين، وربما كان للمسألة وجه آخر لو أنهم أعاروا مسألة غناء الموشحات وألحانها قسطاً من عنايتهم، فالموشح ببساطة أغنية، والأغاني تُسمع بالدرجة الأولى ولا تقرَأ فقط.
ومما يعزز هذا أن ابن سناء المُلْك - من أهل القرن السابع الهجري - الشاعر المصري الذي أخذت منه الموشحات كل مأخذ وملكت عليه حياته وجنانه، الذي أقدم رائداً على تقعيد هذا الفن حين أهمل ذكرَه الأندلسيون، فوضع كتابه "دار الطراز في عمل الموشحات"، إن ابن سناء هذا -وإن لم يكن قد صرَّح أو اعترف في كتابه هذا أنه حضر مجالس الموشحات الأندلسية التي هام بها، إلا أن الناظر في "دار الطراز" وفي محاولته تقعيد هذا الفن ومحاكاته- لا يمكن إلا أن يقول إن ابن سناء قد سمع الموشحات الأندلسية مغناة، وليس فقط أنه قرأها في دواوين أصحابها وفي الكتب التي أتت على ذكرها. فقد أُغرم ابنُ سناء بهذا الفن حين كان صغيراً؛ إذ يقول في مقدمة كتابه: "...فكنتُ في طليعة العمر وفي رعيل السن قد هِـمْتُ بها [الموشحات] عشقاً، وشُغِفْتُ بها حباً، وصاحَـبْـتُها سَماعاً، وعاشرتُها حفظاً...ولبثتُ فيها من عمري سنين..". (ص30).
ولو قُدِّر لابن سناء أن يعيش في عصرنا هذا، عصر التسجيلات المتعددة الوسائط مرئية ومسموعة، لكان استمتع بسماع الموشحات في كل حين؛ وذلك لأننا نشعر بالحسرة في كلماته حين اعتذر لقارئه عن أي نقص قد يصيب كتابه : "...فاعذر أخاك فإنه لم يولد بالأندلس، ولا نشأ بالمغرب، ولا سكَنَ إشبيلية، ولا أرسى على مرسية، ولا عبر على مكناسة، ولا سمع الأرغن....ولا وجد شيخاً أخذ عنه هذا العلم، ولا مصنَّفاً تعلَّم منه هذا الفن..." (ص53). وهذا يعني أن الموشحات الأندلسية خُلقت لتُغَنّى أولاً، على الرغم من أن إنشاءها يأتي قبل غنائها.
ويعزز هذا أيضاً أن ابن بشري الأغرناطي - من أهل القرن الثامن الهجري- الذي جمع مجموعة موشحات أندلسية تناهز ثلاثمائة موشح، حفظتْها لنا يد الزمان في كتابه "عُدَّة الجليس ومؤانسة الوزير والرئيس"، قال في الخطبة القصيرة التي صدَّر بها كتابه عندما تحدث عن دوافعه لجمع الموشحات الأندلسية: "...فإني لم تزل تتوق هِـمَّتي وتستدعيني على طول المدى عزيمتي إلى تصنيفِ تأليفٍ يشتمل على ما استعذَبَـتْه المسامع، وإنْ أرهف الأفئدة وأسالَ المدامع، من  مختار ما سمحتْ به قرائحُ أرباب الأذواق من مهذِّبي الطِّباع الطيّـبـي الأخلاق، من التوشيحات التي تصبو لها الألباب، وتفتح على باب السرور كل باب، وتستلب من أعماق الأفئدة كلَّ همٍّ كمَن، وتصقل عنها كلَّ صدى [كذا] استحكم أو درن، بلفظٍ أوْقَعَ في الآذان من الزلال البارد للظمآن..."، بما لا يدع مجالاً للارتياب في أن ارتباط الموشح بالموسيقا والألحان وثيق جداً، وأن وظيفة الموشح الأساسية التي خُلِق من أجلها هي الغناء والسماع، فالموشح أغنية قبل أن يكون شيئاً آخر.



السبت، 10 أبريل 2010

أمر محزن أن نضطر إلى التفكير بحماية اللغة العربية




رشا الخطيب : أمر محزن أن نضطر إلى التفكير بحماية اللغة العربية!

* اعداد : موسى حوامدة

باحثة أردنية مقيمة في الإمارات ، حاصلة على دكتوراه في اللغة العربية عن أطروحة بعنوان: "الأدب الأندلسي في الدراسات الاستشراقية البريطانية" ، عملت في تدريس اللغة العربية في الأردن وبريطانيا والإمارات. لها: "تجربة السجن في الشعر الأندلسي" ـ 1999 ، وعدد من البحوث والمقالات في دوريات مختلفة.


ماذا تقرئين حالياً؟


- أنهيت رواية سلام (بتشديد اللام) لهاني نقشبندي ، وهي تطرح بعض الأسئلة حول وجود المسلمين في الأندلس ، أسئلة ربما تكون معروفة ومشروعة لدى الباحثين في التاريخ والتراث الأندلسي ، لكنها أحدثت حيرة واستفزازاً لدى بعض القراء والنقاد حين نُشرت الرواية سنة ,2008


هل تشاهدين السينما أو المسرح؟


- السينما نعم ، المسرح لا ، فمنذ زمن لم أتابع على خشبته إلا الحفلات الموسيقية والغنائية ، منها يوم 25 ـ 3 حفل فرقة "أغاني العاشقين" على المسرح الوطني في أبوظبي ، ويوم 7 ـ 4 الحفل الموسيقي للفنان العراقي نصير شمة على العود بمرافقة الأوركسترا من مصر ومن سويسرا ، على مسرح قصر الإمارات.


ما الذي يشدّك في المحطات الفضائية؟


- من قبل كانت تشدني البرامج الحوارية ، أما الآن فتشدّني البرامج الوثائقية الاحترافية ، خاصة ذات المواضيع التاريخية ، على قناة الجزيرة الوثائقية وقناة "ناشيونال جيوغرافيك" أبوظبي ، وبرامج عن المدن الإسبانية على قناة "سفن ستارز" الأردنية. هذا بالتأكيد إلى جانب الفضائية المغربية الثانية "دوزيم" ، ولا أستغني فيها عن برنامج الطبخ المغربي الشهير - بالنسبة لي على الأقل - (شهيوات شميشة) وبرنامج (شذى الألحان) للموسيقا والطرب الأندلسي والمغربي.


ماذا تكتبين هذه الأيام؟


- حالياً أعمل على إعداد بعض البحوث عن الأندلس والاستشراق ، كما أعمل على الانتهاء من تنقيح أطروحة الدكتوراه لدفعها إلى المطبعة لتصدر في كتاب ، عما قريب إن شاء الله.


ما الذي أثار استفزازك مؤخراً؟


- يثير استفزازي في بلادنا العربية إهمال الطفل في الأنشطة العامة والثقافية التي يمكن للأمهات أن يشاركْن بحضورهن فيها: فكثير من الأمهات لا تجد في تلك الفعاليات مَن يفكر بأنّ لها أطفالاً قد لا يتوافر لديها مَنْ يعتني بهم ، فتُحجًم بسبب ذلك عن الحضور: في حين أن الفعاليات الترفيهية والاستهلاكية تفكر بالطفل أولاً وثانياً وإلى ما لا نهاية: مستهلًكاً وجاذًباً للأمهات وللآباء للمشاركة في حضور تلك الفعاليات ، كمثل معارض الكتب التي أصبحت تخصص جزءاً جيداً لاحتياجات الأطفال الاستهلاكية والترويحية ، فلماذا لا تتوافر مثل هذه التسهيلات في بعض الفعاليات الثقافية الجادة لتتمكن الأمهات من حضورها،


حالة ثقافية لم ترق لك؟


- استهزاء بعض حملة الشهادات والمناصب المهمة بالتظاهرات الثقافية الجادة كبعض المؤتمرات والندوات... وغيرها من المنتديات العامة ، التي يأمل المشاركون فيها عادةً بتنفيذ التوصيات التي يسعون بصدق لكي ترى النور.


حالة أو موقف أعجبك؟


- انخراط الشباب من طلبة الجامعات والمدارس في الأنشطة التطوعية المتعددة: التي تُغني تجربتهم الشخصية وخبرتهم في الحياة الحقيقية ، خارج مقاعد الدرس وبعيداً عن شاشات التلفزيون والكمبيوتر.


ما هو آخر نشاط إبداعي حضرته؟


- حفل توزيع جائزة "البوكر" للرواية العربية الشهر الماضي ، التي فاز بها السعودي عبده خال عن روايته"ترمي بشرر".


ما هي انشغالاتك الاجتماعية؟


- على الصعيد الخاص: الواجبات العائلية المعتادة ، وتبادل الزيارات مع الأصدقاء. وعلى الصعيد العام: الانضمام إلى جمعية حماية اللغة العربية ، وهذا الأمر في جوهره مفارقة محزنة: حين نضطر في دولة عربية وأهلها عرب إلى التفكير بحماية اللغة العربية،


فرصة ثمينة ضاعت منك؟


- فرصة إكمال الدراسات العليا فور التخرج في البكالوريوس.


ما الذي يشغل بالك مستقبلاً؟


- ليس هناك شيء محدد ، فالمستقبل آتْ سواء انشغلنا به أم لا ، ولكن ربما تكون مسألة ضمان حياة أفضل لأولادنا - أولوية مهمة.


هل لديك انشغالات وجودية؟


- يشغلني كثيراً التفكير في شكل العالم المستقبلي - البشري والطبيعي - في ضوء كثير من الإشارات والأحاديث النبوية عن نهاية الكون والقيامة ، وأربطها بما أستطيع أن أجد له تفسيراً في واقعنا الآن ، أو بما يجود به خيالي عن المستقبل.


ما الذي ينقص الثقافة العربية؟


- الجدية ، وثقافة الـ "ثقافة" ، أي أن تكون الثقافة والحضارة العربية أسلوب حياة ونمطاً اختيارياً يُقبًل عليه الناس.


ما الذي ينقصنا في الأردن على الصعيد الثقافي؟


- تنقصنا أشياء كثيرة ، ربما يكون أحدها: أخذ العمل الثقافي ـ بمستوياته جميعها ـ على محمل الجد.


رابط اللقاء المنشور في جريدة الدستور الأردنية:

السبت، 13 فبراير 2010

فضل الاستشراق الهولندي على الدراسات الأندلسية


منشور في جريدة الدستور الأردنية (الملحق الثقافي)، الجمعة 12/2/2010
د.رشأ الخطيب

لم تكن الدراسات الأندلسية التي نراها تزدهر يوماً بعد يوم وتلقى اهتمام الباحثين – على هذه الحال دائما؛ إذ يلاحظ أن ثمة فجوة تفصل بين ما صُنِّف حول التراث الأندلسي وبين الدراسات الحديثة التي قامت فيما بعد تعالج المنجز الحضاري للعرب والمسلمين في الأندلس، أو ما اصطلح المستشرقون على تسميته "إسبانيا الإسلامية"، فهناك حلقة مفقودة كان ينبغي لها أن تربط بين تأليف "نفح الطيب" في القرن السابع عشر، وبين نشر متون التراث الأندلسي ومصادره الأخرى وطباعتها على يد المستشرقين في القرن التاسع عشر.



قد يكون "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" للمقّري التلمساني (ت1041هـ/1631م) آخر المؤلفات التي وُضعت عن الأندلس في المدة الواقعة بين بقايا العصور المزدهرة للحضارة العربية الإسلامية وبين بدايات النهضة الحديثة في القرن التاسع عشر، وقد انتهى المؤلف من تصنيفه في حدود سنة 1628، ولا نكاد نلمح في القرون التالية لتأليف النفح عملاً يوازيه بناء ومضموناً في دراسة تراث الأندلس الحضاري المتعدد الجوانب؛ إذ توقفت دراسة التراث الأندلسي أو كادت حتى استأنفها المستشرقون، بعد نحو قرنين من وفاة المقّري.


ويشغل "نفح الطيب" منـزلة مميزة في التأريخ للدراسات الأندلسية في العصر الحديث؛ فقد فتحت معرفتُه والاطلاع عليه البابَ أمام الباحثين في تراث الأندلس فكان هادياً ومرشداً لهم في كثير من المسائل المتصلة بتاريخ الأندلس والحركة الأدبية والفكرية والثقافية فيها، كما كان أول كتاب أندلسي عرف طريقه إلى المطبعة في العصر الحديث في ديار المستشرقين أولاً ثم في البلاد العربية.

وإذا ما ساد الاعتقاد بأن جُلَّ ما بقي من التراث الأندلسي المخطوط -بعد سقوط دولة المسلمين في الأندلس- الذي تُحكِم إسبانيا عليه قبضتَها، سيجعل مستشرقي هذا البلد أَوْلى من غيرهم بفتح باب الدراسات الأندلسية على مصراعيه في العصر الحديث– فإن خيبة الأمل كبيرة؛ إذ قد كانت بدايات الدراسة العلمية المنظمة للتراث الأندلسي قد بدأت في القرن التاسع عشر في هولندا لا في إسبانيا؛ وذلك لعوامل عديدة تتصل بنشأة الدراسات العربية في البلاد المنخفضة وبنشاط المستشرقين في جامعاتها.

كان الهولندي هندريك فايِرْس (ت1840) قد نشر في ليدَن سنة 1830 أطروحته الجامعية التي جمع فيها بعض شعر ابن زيدون من المصادر الأندلسية والعربية المحفوظة في مكتبة جامعة ليدَن، وقد حقّق ذلك الشعر وترجمه إلى اللاتينية، وكان هذا الأستاذ يمضي وقتاً طويلاً مع طلبته في الجامعة يتلو على مسامعهم شعر ابن زيدون وأشعاراً أندلسية أخرى، أتاحتْها له وفرة المخطوطات العربية في مكتبة ليدَن، راجياً أن يكون من بين تلاميذه من يلتفت إلى هذا الشعر الرقيق، لكن لم يطل به العمر حتى فارق الحياة قبل أن يتمّ الأربعين.

وكان من بين أولئك التلاميذ الذين عرفوا الأدب الأندلسي على يديه الشاب هوغفليه Hoogvliet الذي نشر كتاباً سنة 1839 عن بني الأفطس حكام بطليوس بتشجيعٍ من أستاذه، ثم عكف على دراسة رثاء ابن عبدون لبني الأفطس في قصيدته المعروفة بالبسامة، لكن هذا التلميذ توفي ولمّا يبلغ الحادية والثلاثين.

وإذا كانت الدراسات الأندلسية في هولندا قد ابتُليت في بداياتها بوفاة المهتمين بها وهم في خطواتهم الأولى نحو إزالة الغبار عما تراكم من تراث المسلمين في الأندلس، فإن القدر لم يحرم عالَم البحث العلمي في التراث الأندلسي من التلميذ الثاني لفايِرْس الذي سيقيم أركان هذا الميدان، ليس في هولندا وحدها وإنما على مستوى أوروبا والعالم.

كان ذلك التلميذ رينهرت دوزي (ت1883) ، وقد كانت ميوله تجاه دراسة الرومانسية ودراسة أوروبا العصور الوسطى قد تحققت معاً في مجال دراسة "إسبانيا الإسلامية"، التي كانت تغلّفها أوائل القرن التاسع عشر الصبغة الرومانسية بتأثير بعض الكتّاب أمثال: شاتوبريان في روايته "مغامرات آخر أحفاد بني سرّاج"، وواشنطن أرفينج في روايته "الحمراء".

درَس دوزي على أستاذه فايِرْس وهو الذي عرّفه على المخطوطات العربية في مكتبة جامعة ليدَن حيث كان يعمل مديراً لقسم المخطوطات العربية فيها، وقد دفعه أستاذُه إلى البحث في تاريخ بني عبّاد حكّام مدينة إشبيلية، وكان دوزي موفّقاً في هذا الاختيار فأنجز أطروحته الجامعية عن تاريخ بني عباد واستكمل البحث في الموضوع حتى نشره سنة 1846 بعنوان "أخبار بني عبّاد عند الكتّاب العرب"، ثم انبرى هذا التلميذ النجيب وأتمّ تحقيق القصيدة البسامة لابن عبدون التي كان زميله قد بدأ في دراستها من قبل.

كان دوزي مجتهداً ومتعدد الاهتمامات، حتى إنه أنفق بعض أوقاته في شهر العسل الذي كان يمضيه في ألمانيا- يبحث في مكتباتها ويقلّب المخطوطات العربية فيها، وقد اكتشف من بينها كتاب "الذخيرة" وهو من المصادر الأندلسية المهمة. وألفى نفسه يؤسس لميدان الدراسات الأندلسية بالعديد من الإنجازات، كان من أهمها: العمل على تحقيق بعض المصادر الأندلسية المخطوطة ونشرها للمرة الأولى، وهي من المصادر التي لا غنى عنها للمبتدئ وللمتخصص في الأندلس، وقد اجتمع له من العمل فيها مادة غزيرة لم تتح لغيره من قبل في هذا الباب، أغنت مقالاته وبحوثه التي عالج فيها تاريخ المسلمين وحضارتهم في الأندلس.

وقد تجلت ثمرة جهود دوزي –بغضّ النظر عن آرائه المثيرة للجدل- في كتابه "تاريخ مسلمي إسبانيا"، وهو من الكتب "الكلاسيكية" في مجاله، كان قد نشره سنة 1861 باللغة الفرنسية، وطُبع أكثر من عشرين مرة حول العالم، وتُرجم إلى لغاتٍ عديدة، العربية واحدة منها.

ومن بين المستشرقين الهولنديين الذين كانت لديهم اهتمامات بجوانب من التراث الأندلسي ميخائيل دي خويه (ت1909)، الذي اشتهر بعمله على إخراج مجموعة من المصادر عُرفت بـ"مكتبة الجغرافيين العرب". وكان من جهوده فيما يتصل بالتراث الأندلسي– عمله مع أستاذه دوزي سنة 1866 على إخراج قطعة من "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للشريف الإدريسي (ت560هـ/ 1166م)، وفيها القسم الخاص بإفريقيا والأندلس، مع ترجمة إلى الفرنسية. ونشْره سنة 1897 "صلة تاريخ الطبري" لعَريب بن سعد القرطبي (ت370هـ/980م)، الذي اختصر فيه تاريخ الطبري وأضاف إليه تاريخ المغرب والأندلس. كما أعاد دي خويه تحقيق رحلة ابن جبير (ت614هـ/1217م) التي كان الإنجليزي وليم رايت (ت1889) قد نشرها باللغة العربية سنة 1852 عن نسخة وحيدة في مكتبة ليدَن.

ومن الجوانب الأخرى التي شجّعت على الاهتمام بالدراسات الأندلسية في هولندا: اقتناء المخطوطات العربية ومن بينها الأندلسية؛ الذي ابتدأ أواخر القرن السادس عشر مع العناية بتدريس اللغة العربية إبّان تأسيس جامعة ليدَن سنة 1575.

فقد كان الحرص على اقتناء المخطوطات العربية من الأعمال التي نفذها مجموعة من المستشرقين الهولنديين -الذين أقام بعضهم في المشرق أو في المغرب- بالتعاون مع تجار المخطوطات الشرقية. وقد نشط هؤلاء المستشرقون في القرن السابع عشر على وجه التعيين؛ إذ تمكنت مكتبة جامعة ليدَن في ذلك القرن من اقتناء مجموعة مهمة من المخطوطات العربية، حققت لها سمعة علمية رفيعة على مستوى أوروبا وعلى مستوى العالم في مجال الدراسات الشرقية.

وتجدر الإشارة إلى أن هولندا تحتفظ بمجموعة من المخطوطات الأندلسية المهمة بعضها فريدٌ على مستوى العالم، فمكتبة جامعة ليدَن تضم النسخة الفريدة التي نعرفها لما وصل إلينا من كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي (ت456هـ/1064م)، وهي إحدى المخطوطات في مجموعة ليفي فارنر (ت1665) الذي كان سفيراً لهولندا في القسطنطينية، وهو أحد تلامذة المستشرق الهولندي ياكوب خوليوس (ت1667) أستاذ العربية في ليدَن، وقد عمل فارنر في أثناء إقامته هناك على جمع ما أمكن من الكتب، كان من بينها نسخة الطوق التي اشتراها عام 1660 في القسطنطينية، وحين توفي وهَبَ مكتبته التي احتوت ألف مخطوطة شرقية- إلى مكتبة الجامعة.

وتضم المكتبة كذلك مجموعةً من مصادر التراث الأندلسي كانت موجودة في مكتبة ليدَن منذ القرن السابع عشر، وهي ثمرة لإقامة بعض المستشرقين الهولنديين في المغرب واتصالهم بأهله ، مثل أستاذ العربية في ليدَن توماس إربينوس (ت1624) الذي أمضى بعض الوقت يتعلم اللغة العربية ويعلِّمها –تعلمها على يد المغربي الأندلسي الموريسكي أبي القاسم الحجري- وقد جمع بعض الكتب العربية، المخطوطة، لكن مجموعته تلك لم تصل بكاملها إلى مكتبة ليدَن بعد وفاته بل أخذت طريقها إلى إنجلترا؛ حين اشترتها مكتبة جامعة كامبردج.

أما خليفته ياكوب خوليوس الذي اشترك في بعثة دبلوماسية إلى المغرب 1623 فقد استغل وجوده هناك في الحصول على بعض الكتب العربية، وتشير مراسلاته المحفوظة في مكتبة الجامعة مع بعض الوسطاء العرب من تجار الكتب، إلى الجهد والمال الذي أنفقه في سبيل الحصول عليها. وتحتفظ جامعة ليدن بمجموعته الشرقية في مكتبتها، ومن بينها مصادر أندلسية مهمة مثل: "قلائد العقيان" و"البيان المُغرِب"، أفاد منها في القرن التاسع عشر- دوزي ومن قبله أستاذه فايِرْس في البحوث الأولى التي أُنجزت في ميدان الدراسات الأندلسية في العصر الحديث.

وهكذا يتبين من النظر في تاريخ الاستشراق الأوروبي أن ميدان الدراسات الأندلسية الحديث يدين بالفضل في بداياته إلى جهود المستشرقين في هولندا؛ وكان مما أعانهم على هذا بعض العوامل منها: أن إسبانيا وريثة التراث الأندلسي ومهد ما بقي منه من شواهد وآثار- قد اتخذت موقف العداء الصريح والقطيعة التامة تجاه كل ما يذكّرها بماضيها حين كانت تحت حكم المسلمين، وكان من مظاهر تلك القطيعة التعتيم على التاريخ العربي الإسلامي فيها، لذا فإن إسبانيا لم تعتنِ بالتراث الأندلسي المحفوظ لديها إلا عندما نشطت الدراسات الأندلسية على يد مستشرقي الدول الأخرى.

ومن جانب آخر أتاحت ظروف التاريخ والجغرافيا لهولندا بعض العلاقات الدبلوماسية والتجارية النابعة من المصالح المشتركة- مع دولة المغرب؛ فقد جمع بين هولندا والمغرب عداؤهما المشترك لإسبانيا، التي كانت تحتل قسماً من الأراضي الهولندية، وفي الوقت نفسه تعادي المغرب جارتها اللدود على الضفة المقابلة للمتوسط، مما جعل التقارب ممكناً بين هولندا والمغرب، وقد تجلى هذا التقارب على صعيد العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين البلدين، بما تتطلبه هذه العلاقات من الحاجة إلى زيارات أو سفارات متبادلة، والحاجة إلى مترجمين على دراية باللسان العربي واللسان اللاتيني. فكانت العلاقات بينهما سبباً قوياً في معرفة المستعربين الهولنديين المخطوطات المغربية التي ضمت جزءاً جيداً من التراث الأندلسي، وليس أدلّ عليها من صفحات أقدم وثيقة تؤرخ لبدايات الدراسات العربية في أوروبا وتحتفظ بها مكتبة ليدَن، وهي صفحاتٌ من معجمٍ عربي-لاتيني كان في مُلْك بعض المستعربين الهولنديين، وتظهر في تلك الصفحات صورة الكلمات العربية مكتوبة بالقلم المغربي لا المشرقي؛ مما يشير إلى أن مَنْ كتبها من الأوروبيين كان قد تعلّم الكتابة العربية على الرسم المغربي الأندلسي المعروف في المغرب، وهو قلم غير منتشر بين أوساط الكتّاب والنسّاخ في المشرق على نحو واسع.






الأحد، 31 يناير 2010

خطبة 3: المدينة

 
الخطبة (3) الهدف: نظِّم خطبتك
عنوان الخطبة: الـمديـنة
 
..استوقفني قبل أسابيع كاريكاتير يـجمع ما قلَّ ودلّ في مسألة تمسُّ حياة كثير ممن يعيشون في أبوظبي.. فيه يبدو الرجل منهكاً من البحث عن موقفٍ لسيارته، وفي نـهاية الأمر تقول له الزوجة التي تجلس إلى جانبه: خلاص، طلع الصباح، وصِّلْني عالشغل!!
هذه مسألة من مسائل عديدة تخطر في البال ونحن نتأمل أنماط السلوك الاجتماعي المختلفة حول العالم ؛ فلكل مدينة تحط فيها رحالك نمط حياة خاص بها، وإن نظرنا جيداً وجدنا أن هذه المسألة تتصل من ناحية أو أخرى بالأسلوب المعماري الذي تـمتاز به كل مدينة عن غيرها. فهل هناك ثمة صلة ما بين العمارة والبنيان من جهة والسلوك الاجتماعي من جهة أخرى؟
الجواب بطبيعة الحال لدى إخواننا المهندسين، وهو جواب أدق مما لديّ، لكنني لا أملك نفسي من أنقل إليكم خواطر كثيرة تعرض في خاطري تجعلني أفكر في هذه المسألة. وسأضرب بعض الأمثلة للتوضيح، فالمدن بشوارعها وطرقاتها وتوزيع مبانيها وتصميم منازلها...وغير ذلك، تفرض نوعاً من العلاقات الاجتماعية أو هي انعكاس لتلك العلاقات، ففي المدينة العربية مثلاً كان المسجد الكبير هو مركز المدينة تتوزع حوله الأسواق والأماكن الرسمية والإدارة الحكومية وحتى قصر الخليفة، ثم تتناثر منازل الناس في الضواحي والأطراف، وامتازت البيوت العربية بالأسوار العالية الجرداء والمظهر البسيط من الخارج بسبب دواعي الاحتشام الذي تفرضه التقاليد العربية والإسلامية؛ فليس هناك نوافذ كثيرة أو كبيرة تطل على الخارج إلا مرتفعة، وقد أدى ذلك إلى أن تتجه جماليات الزخرفة الفنية والزينة الإسلامية إلى الفضاء الداخلي للمنـزل؛ فامتلأ بالزخارف والنقوش والتشكيلات الفنية المتنوعة العناصر كالماء في الفوّارة ( النافورة، الفسقية ) والأصص الفخارية التي تحتوي النباتات والأزهار ...فعوَّضت هذه المبالغات الزخرفية والفنية في الداخل، الملامح الجرداء للمنـزل من الخارج.
في حين أنك تلاحظ في المدن الأوروبية البيوتَ الصغيرة المتلاصقة المتراصّة، التي فرضت نوعاً من السلوكيات بقيت شاهدة على ذلك التأثير المتبادل بين النمط المعماري والسلوك الاجتماعي؛ فأبواب البيوت ومداخلها الرئيسية متقاربة مما يخلق نوعاً من فضول الجيران تجاه جيرانهم، كما أن نوافذ البيوت -التي ربما كانت ملاصقة لرصيف الشارع أحياناً- تـمتاز في الواجهات الأمامية للبيوت بأنـها كبيرة الحجم ، وقد يكون ذلك طلباً للنور في بلادٍ تخجل الشمسُ فيها من الظهور كثيراً على الملأ ! فهم لا يتحرجون من أن تكون ستائر النوافذ رقيقة شفافة لا تمنع أعين المارة الفضوليين من اقتحام خصوصياتهم. كما أنهم لا يتحرَّجون من أن تكون نافذة الحمام واسعة وكبيرة تحتل واجهة المنـزل الأمامية – كما كانت حالي حين سكنتُ في شقةٍ أرضيةٍ في مدينة إدنبرة في أسكتلندا، وكانت واجهة الشقة ذات نافذة ضخمة للحمام على غير ما اعتدنا في بلادنا !
وكان لصغر حجم بيوتـهم أثرٌ في تصميم الأثاث بطريقة يُراعَى فيها استغلال المساحات الضيقة إلى أقصى درجة ممكنة، وتجدون الأمثلة عليها لدى محلات "إيكيا" مثلاً التي تنتشر متاجرها في الإمارات، وهي تقدم أفكاراً خلاقة مبدعة لاستغلال الفراغات والإفادة منها. ولضيق بيوتهم أيضاً تراهم يعشقون السفر والترحال، وقضاء الوقت خارج تلك المنازل الصغيرة.
 
...ولن أنتقل بعيداً للتوضيح، فانظروا حالكم اليوم في هذا الاجتماع وفي الاجتماع الماضي، حين انتقلنا إلى مركز أبوظبي، لقد تأخّر بعض الحضور عن موعدهم المعتاد، وماذا كان سبب التأخير يا ترى؟ الازدحام!
والازدحام في هذه المنطقة من أبوظبي –كما تعلمون- سببه مشاريع عملاقة تغيّر وجه المدينة بإنشاء شبكة طرق جديدة وعصرية. وقد أثَّرت هذه المشاريع على حياة الناس في مظاهر كثيرة في السلوك الاجتماعي ، بـما يجعلنا نلمس أثر النمط المعماري الذي تعيشه مجموعة من البشر في مكانٍ ما. فالازدحام في أبوظبي قد غيَّر في سلوكنا في مواقف عديدة منها: مثلاً مواعيد الخروج لقضاء بعض متطلبات الحياة كالتنـزّه والتسوّق والترفيه...وغيرها. من منكم ما زال يقصد " أبوظبي مول" للتسوق والترفيه؟ مغامراً بالوقوع في براثن الأزمة الخانقة، التي لا ترحم.
أصبح السير في بعض الطرقات في أوقات معينة يتطلب ضعفَيْ الوقت الذي كان يستغرقه في السابق، مما ساتدعى المرء أن يفكر  بهذا ويأخذه في الحسبان حين يخرج.
كما انعكس الازدحام في سلوك السائقين والسائقات ؛ فقد كانت من اولى الملحوظات حين قدتُ سيارتي للمرة الأولى في أبوظبي أن السائقين يمتازون بالذوق والأخلاق ، مما يجعل القيادة سلسة وآمنة ، فأنتَ تجد الغالبيى ملتزمة بقواعد المرورية خاصة الأولويات....فيا سبحان مغير الأحوال ، لم نعد نرى –إلا فيما ندر- مَن يسمح لك بالمرور والانتقال من مسرب إلى آخر، وتجد السائقين كالوحوش الكل مترقب لاقتناص فرصة الانتقال من مسرب طويل لآخر قصير في سبيل السباق تجاه خط النهاية وهو الإشارة الضوئية.
تجده يعتدي على حقك حين تنتظر دورك في طابور طويل ممل  بطيء، يأتي ليقطع الطريق أمامك ويعتدي على دورك الذي أنفقتَ في سبيله وفتكوأعصابك وأنت تنتظر... أما الشاحنات الكبيرة فحدَّث ولا حرج عن سلوك سائقيها حين يظن الواحد منهم أنه (خفيف الظل) فيقتحم الطريق ويغلق أمامك الأرض والسماء،  ولا تملك من أمرك معه شيئاً، فمثله لا يمكن المزاح معه!!
وتحضرني هنا قصة تروى في الأردن، التي تعاني من مشكلات في انسيابية حركة المرور في الشوارع الرئيسية ، فأحضروا خبيراً يابانياً ليدرس وضع حلول مقترحة تسهم في حل المشكلة، وبعد حين من إقامته في البلاد قال إن المشكلة ليست في تجهيزات الطرق أو الإشارات الضوئية والمرورية والإرشادية... إنما المشكلة في أن السائقين لا يتقيدون بالقواعد المرورية وأولها الشعار الشهير: القيادة فن  وذوق وأخلاق.
حقا إن النمط المديني يؤثر في أخلاق الناس وسلوكياتهم.
 
 

الأحد، 3 يناير 2010

خطبة 2: لغتنا العربية

الخطبة  رقم (2)     الهدف: التحدث بصدق


لغـتُـنا العـربـيّـة
(1)
يقول أحد المؤلفين في خطبة كتابه إنه قد ألّف ذلك الكتاب "... لِـما رأيتُه قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحنُ في الكلام يعدُّ لحناً مردودا، وصار النطقُ بالعربية من المعايب معدودا، وتنافسَ الناسُ في تصانيف التَّرْجُمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعتُ هذا الكتاب في زمنٍ أهلُه بغير لغته يفْخَرون، وصَنَعْـتُه كما صنع نوحٌ الفُلْكَ وقومُه منه يسخرون..".
معجم لسان العرب، مقدمة المصنِّف ص 13
لابن منظور جمال الدين أبي الفضل محمد بن مكرَّم (1232-1311م
(2)
فمن هو صاحبُ هذه الكلمات؟
وأيُّ زمان ذلك الذي ضيَّع في أبناءُ العربيةِ لغتَهم وتفاخروا فيه بغيرها؟
إنه ابن منظور، صاحب المعجم الشهير لسان العرب. وهو الكتاب الذي يسمع به الجميع، وربما تصفَّحه أحدُكم ذات يوم.
أتعرفون متى كُتِبت هذه الكلمات؟؟
لقد كتبها ابن منظور منذ نحو 700 سنة، نعم 700 سنة ولكنْ... لكأنَّ ما قاله هو عينُه ما يقوله أيُّ غيور على لغتنا العربية في هذا الزمان.
فماذا لو خرجتَ يا ابن منظور من قبرك اليوم، ونظرتَ في كلام العرب في هذه الأيام...  ما الذي كنتَ ستفعل وأيَّ كتاب كنتَ ستجمع؟؟؟
(3) 
إن حالَ اللغة العربية اليوم لا يسرُّ صديقا، ومكانتُها تتراجع في نفوس أبنائها قبل غيرهم.
قد يكون حقاً ما يُقال من أنها ليست لغةَ العلوم العصرية، والحياة الحديثة..
اللغةُ لا ذنب لها في هذا كلِّه، أبناءُ اللغة هم الذين يخلقون فيها المصطلحات الجديدة والتعبيرات العبقرية الفريدة.
ولا سبيل إلى ذلك إلا بالإبداع والنهوض، فمتى نهضت الأمةُ وارتقت علومُها وآدابُها، كانت اللغةُ مراةً لذلك كلِّه، تنقل ذلك الرقي وتلك النهضة..
(4)
فلننظرْ في سيرة أجدادنا، ولننظر في سيرة غيرنا من الأمم الأخرى التي نهضت من لاشيء، وخلقت لها مكاناً ودوراً في المشهد الحضاري الإنساني.
لننظرْ سيرتَها ونرَ:  أين كانت اللغةُ من هذا كله؟؟
إخوتي وأخواتي..
كانت اللغةُ دوماً أداةً للتعبير عن الحضارة الجديدة، فلا يمكن لحضارةٍ ناشئةٍ بعلومها وآدابها وفنونها أنْ تنجز لها سَبْقاً بين الأمم، إنْ لم تكن قد سكبت ذلك كلَّه في حروفٍ وكلمات تستولي على وجدان أبنائها.. ولا يكون ذلك إلا باللغة الأم. 
(5)
لقد أفادت أمم أوروبا في بدايات النهضة الحديثة من العلوم العربية، وسَعَتْ لأجل ذلك إلى دراسة اللغة العربية، لقراءة الكتب المكتوبة بالعربية.
ومرَّ زمانٌ على بعض أهل أوروبا كانت فيه معرفةُ اللغة العربية مبعثَ زهوٍ وفخر لدى متعلّميها، كمثل ما نرى اليوم من إعجاب أبناء العرب بلغات غيرهم.. لكنّ إعجابَ الأوروبيين باللغة العربية وبالحضارة الإسلامية لم يدفعهم إلى اتخاذها لغةً للعلوم حين فكروا في النهوض والتقدم.
بل لقد دفع ذلك الأوروربيين إلى تنشيط الترجمة ونقل العلوم العربية إلى لغاتهم، تلك العلوم التي حين استوعبوها جيداً بلغاتهم الأم كانت نواةَ العلم الأوروبي الحديث.
(6)
فما أحوجَنا اليومَ إلى التعلم من تجارب الأمم، وما تجربةُ اليابان -مثلاً- عنا ببعيدة، فليس التنكّر للغة الأم هو مفتاح التقدم والنهضة، بل إنّ الحفاظَ على تلك اللغة هو الذي يشحذ همة المبدعين؛ لأننا بذلك نضمن أنّ اللغة لن تكون عائقاً بين أجيال المتعلمين وبين العلوم التي يدرسونها.
فإنْ لم يشفع ذلك للغة العربية لدى أبنائها، فلتشفعْ لها عندهم منـزلتُها الخاصة: لعمرها المتطاول لقرون مضت، تجعلها جسراً بين أبناء العرب اليوم وبين أجدادهم القدماء .. أو لتشفع لها -على الأقل- مكانتُها الدينية الخاصة؛ أنها لغة السماء التي بها نتعبد ونتقرب إلى الله.

الأحد، 8 نوفمبر 2009

خطبة 1 : محطات من الذكريات


                                                


       الخطبة الأولى، الهدف: كسر الجمود

مـحـطّـات من الذكـريـات

...كنت أظن أن الوقوف بين يدي الجمهور والحديث عن نفسي أمر سهل؛ ذلك أنني قد أكون أكثر الناس علماً بنفسي، إلا أن هذا الأمر – التحضير للخطبة الأولى في توستماسترز- أخذ من تفكيري وقتاً، عندما أدركتُ أن الحديث عن النفس أمام الآخرين قد لا يكون كذلك أبداً !

لهذا فكرتُ أن خطبتي الأولى أمامكم - أيها المستمعون- قد يكون مناسباً فيها أن نجعل الحديث على نحوٍ يختصر سيرة الإنسان في دقائق معدودات؛ وذلك بالحديث عن الطفولة والشباب، وربما أحدثكم لاحقاً -إنْ طال العمرُ بنا- عن مراحل أخرى بإذن الله.

فأنا مولودة في إربد شمال الأردن، لكني عشت حياتي في العاصمة عمان، مكان استقرار الوالديْن للعمل. وأنا البنت الكبرى بين خمسة: أخت واحدة وثلاثة إخوة، عشت طفولة ربما تكون عادية جدا أو فوق عادية، وما أزال أحتفظ بذكريات طيبة منها.

ما هو عالق بذهني حتى الآن من تلك الطفولة هو شهادتي المدرسية للصف الأول الابتدائي، التي فقدتُها للأسف -لا أدري أين؟؟- وما تزال تلك الشهادة مطبوعة صورتها في ذاكرتي، وكلمات معلمتي التي تمتدح فيها اجتهادي.

ومن الأشياء المتصلة بالمدرسة الاستيقاظ مبكراً للذهاب، وكان من طقوس الصباح الاستماع إلى برامج الإذاعة الأردنية الصباحية خاصة برنامج "أخي المزارع"! وما زالت أمي –حفظها الله- مع مئات المحطات الفضائية والأرضية التي ملأت الدنيا، ثابتةً على تقاليدها في الاستماع للإذاعة الأردنية.

... ومن الطفولة أشياء أخرى بطبيعة الحال لا تمحوها الأيام، كذكريات اللعب والأوقات اللاهية مع إخوتي والجيران في البناية التي كنا نسكن.

وأذكر أنني كنت أحب القراءة والكتب والأوراق...وكل ما له بها صلة، وكنت أسمع التعليقات من جدتي –رحمها الله- وتسمّيني "الشيخ علي"! وهي التي لم تكن تطيق البنات، فكيف إذا كُنّ كذلك ميّالاتٍ إلى الورق والأقلام؟! ..وكبرتُ وأنا أجد في الكتاب والمطالعة رفقة ممتعة طيبة، أقرأ الجريدة منذ أن كنت في الابتدائية، وسمعت مرة جارتنا وهي تقول لابنها وهو في عمري: انظر إلى رشأ تقرأ الجريدة وأنت لا تجيد حتى قراءة دروسك!

..كانت الرحلة الأسبوعية من عمان إلى إربد لقضاء إجازة نهاية الأسبوع – فرصةً للالتقاء ليس بالأقارب فقط، بل وبالكتب في بيت جدي لأبي وفي بيت جدي لأمي، والمكتبة في كل بيت منهما لها مذاقها الخاص: هنا الروايات والكتب الثقافية العامة والكتب الدينية العتيقة ذات الأوراق الصفراء، وهناك المجلات والكتب السياسية القومية والثورية. أما في بيتنا فالمجلات النسائية وغيرها من الدوريات: "حواء" من مصر، و"الشبكة" وأخواتها من لبنان، و "العربي" من الكويت، وعدد من الكتب التراثية المتنوعة.

...وكان استماعي للراديو جزءاً مهماً من ثقافتي وحياتي وأنا مراهِقة، خاصة الاستماع لمحطة "مونت كارلو" في باريس، ولم تكن هذه المحطة معتادة في بيتنا، فقد كانت المحطة "صرعة" ومبهرة للشباب العربي في حينه، وفتحت آفاقا كبيرة أمامي لأنها محطة عالمية.        

...وفي الثانوية العامة اكتشفتُ أنني متفوقة على زميلاتي، وحصلت على المرتبة الأولى في الشعبة الوحيدة في مدرستي، ودخلت الجامعة الأردنية لأدرس الأدب الإنجليزي بتشجيعٍ – لا بإجبار- من الأهل. وكان الطالب يأخذ في الفصل الأول في الجامعة مجموعة من المواد العامة من متطلبات الجامعة أو الكلية، ليختار فيما بعد التخصص الذي يرغب في دراسته مستقبلا. ولما وجدتُ أنني متفوقة في بعض مواد اللغة العربية التي درستُها في الفصل الأول، فكرتُ في أن لا أستمر بدراسة الأدب الإنجليزي؛ حتى لا أكون في مرتبة متأخرة عن زملائي في ذلك التخصص، وأكثرهم من خرّيجي المدارس الأجنبية. ولكي أغيّر تخصص البعثة الدراسية التي كنتُ قد حصلت عليها من وزارة التعليم العالي، كان يجب عليّ أن أفشل في تحقيق متطلبات التخصص حتى توافق الوزارة على طلب التغيير. فتقدمت لامتحان القبول في التخصص الإنجليزي، وكان الامتحان مغامرة: فهو امتحان صعب جداً، قضيتُ في الامتحان أكثر بقليل من  نصف ساعة ثم خرجت، وسط دهشة مراقِب الامتحان الواضحة في عينيه، ودهشة الطلاب الخَـفِـيَّة، يقولون في سرّهم: إما أنْ تكون عبقرية، وإما أنها لا تعرف شيئا!! وفعلا نجحت في الرسوب بامتياز، وتمكنت من إقناع "التعليم العالي" بتغيير تخصص البعثة إلى دراسة اللغة العربية.

وكنت  -بحمد الله- مجتهدة في دراستي الجامعية إلى جانب أنشطة أخرى جامعية: فقد كنت عضوا في المرسم الجامعي أجد بين الألوان متنفّساً لأمارس الرسم، الهواية الموهبة التي أحببت، وبقيت أقوم بها حتى أنجبتُ أطفالي.. فتوقفت مع مشاغل البيت والأسرة.

أما المرحلة الثانية من حياتي فكانت بعد التخرج في الجامعة، والعمل ثم الزواج ثم الدراسات العليا، ثم إنجاب الأطفال والسفر والتنقل وتعاظم أعباء الحياة ومتطلبات البيت على عاتق الزوجة، بما قد يقتل روح الإنسان... لكن الشيء الوحيد الذي لم أنسَه طوال تلك السنوات هو الكتاب، وأنا أقرأ كثيرا لكني ربما أصبحتُ أنسى أكثر.

الخميس، 2 يوليو 2009

إسهامات عربية في مسيرة الاستشراق الأوروبي


منشور في الملحق الثقافي جريدة الاتحاد، (((الإمارات العربية المتحدة، عدد 103، الخميس 2/7/2009 صفحة 6-7

لئن كانت حركة الاستشراق والتوجه لدراسة اللغة العربية تضرب بجذورها أكثر من ألف عام، فإن الشائع أن هذه الحركة قد قامت بجهود أبناء أوروبا من العلماء المهتمين بدراسة اللغات الشرقية، والمستشرقين الذين اعتنوا بدراسة اللغة العربية والحضارة الإسلامية، إلا أن هؤلاء لم يكونوا دوماً بمعزل عن الاختلاط بأهل اللغة التي يدرسونها، وقد أفادوا من تواصلهم مع بعض العرب فوائد جمّة عادت عليهم وعلى أعمالهم بخير عظيم.
وقد كان "الحظُ السعيد" رفيقَ بعض المستشرقين الذين التقوا - في أثناء تحصيلهم العلمي وسعيهم لتعلُّم اللغة العربية- ببعض الناطقين بالعربية من أبنائها، كانوا خيرَ مُعينٍ لهم على إتقانها والتمكّن منها، مما بوَّأهم منزلةً مميزة كانت سبباً في ارتفاع نجمهم بين أترابهم.
وإذا ما كانت أقدارُ المستشرقين قد جمعتْهم أحياناً بهؤلاء من غير ترتيب، فإن بعض أبناء العرب كانت لهم إسهاماتٌ مقصودة ومخَطَّط لها في دعم ميدان الاستشراق والدراسات العربية في أوروبا، تتجلى في الأعمال التي قدّمها عددٌ من الرهبان من أبناء المشرق الذين تنقلوا في البلاد الأوروبية في أثناء خدماتهم الدينية، وعملوا في مجالات متعددة منها: تدريس اللغة العربية، وجمع المخطوطات الشرقية وفهرستها والتعريف بها، ومساعدة المستشرقين في قراءة النصوص العربية.
***
وتحكي سِيَرُ المستشرقين قصصَ اللقاءات التي جمَعَتْهم ببعض أبناء العربية ممن أسهموا في دفعهم قدُماً على طريق إتقان اللغة العربية: فقد كان ريموند لول (ت1316م) ابن ميورقة الفيلسوف والمستشرق- قد تعلّم اللغة العربية وشيئاً من القرآن الكريم على أحد المسلمين الذين ضنَّت علينا المصادر بأخباره، وأمضى لول في دراستها على يديه تسع سنوات، مكَّنتْه فيما بعد من التأليف باللغة العربية، وهو الذي لم يكن يتقن اللاتينية لغة العلم في زمانه.
وكان ولعه بتعلّم اللغة العربية شديداً بصفتها اللغة التي يريد بها محاربةَ الإسلام نفسِه، وما زال لول يسعى لدى الكنيسة وملوك أوروبا في بيان أهميتها حتى تكلل سعيه بالمرسوم الكنَسي الصادر عن مجمع فيينّا سنة 1312 الذي أقرَّ فيه البابا تدريسَ اللغات الشرقية ومنها العربية في أربع جامعات هي: باريس وأكسفورد وبولون وشلمنقة، لتبدأ بذلك المسيرةُ الرسمية - إن جاز التعبير- لدراسة اللغة العربية في أوروبا.
***
وكان وجودُ أبناء اللسان العربي مظهراً مهماً في الأنشطة الاستشراقية المختلفة منذ الإسهامات الأولى التي قامت بها مدرسة المترجمين في طليطلة في الأندلس بمساعدة الناطقين بالعربية: فقد كان بطرس المحترم (ت1156م) يعمل على ترجمة القرآن الكريم إلى اللاتينية، التي ظهرت سنة 1143، وأوكل المهمةَ إلى مجموعة من المترجمين وجعل معهم واحداً من الأندلسيين -لا نعرف عنه إلا أنه يدعى محمداً- ليقوم بمراجعة الترجمة على النص القرآني، أو ليكون وسيطاً في الترجمة: على ما كانت عليه العادة في ذلك الوقت بأن يترجِم الأندلسيُّ القرآنَ من العربية إلى الإسبانية العامية، ثم يتولى الآخرون الترجمةَ منها إلى اللاتينية.
وكان الإسباني بدرو دي ألكالا الذي كُلِّف بعد سقوط غرناطة بيد الإسبان (سنة 1492) بوضع قاموس عربي-إسباني قد استعان بعدد من العلماء المسلمين، أو على حد قوله بمن سمّاهم "الفقهاء العلماء المحترمين" ممن يتقنون اللهجة العربية الغرناطية؛ ليساعدوه في إنجاز ذلك المعجم، الذي ظهر مطبوعاً سنة 1505.
***  
كانت إيطاليا والفاتيكان تحديداً هي المكان الذي أفاد جيداً من أبناء المنطقة العربية في دعم الدراسات العربية في أوروبا؛ فقد حمل بعضُ القراصنة إلى روما أسيراً عربياً مسلماً وقع بأيديهم قرب جزيرة جربة في مياه المتوسط - ومعه كتبٌ وأوراق دَوَّنَ فيها أخبارَ رحلته التي تيسَّرت له في ديار الحج والبلاد الأفريقية- وكان القراصنة قد توسَّموا في هذا الأسير أمارات العلم ورفعة الشأن فحملوه للبابا ليون العاشر هديةً، وكان هذا البابا من أهل العلوم، فوجد في الأسير -الحسن بن محمد الوزّان الفاسيّ (ت1552)- كنزاً لا يقدَّر بثمن، فعلَّمه اللاتينية واللغات الأوروبية لينتفع بعلمه، وسمح له بالاطلاع على المخطوطات العربية في مكتبة الفاتيكان.
وهكذا أمضى ليون الأفريقي - وهو الاسم الذي اشتهر به الوزان فيما بعد - سنوات إقامته في إيطاليا ما بين تدريس اللغة العربية وتصنيف الكتب التي كان منها: "وصف أفريقية"، الذي ظل لعدة قرون المصدر الأول للأوروبيين حول أفريقية، وقام كذلك بسفارات عدة باسم البابا إلى ملك فرنسا وإلى السلطان العثماني.
***  
وفي الفاتيكان كذلك قام إبراهيم الحاقلاني (ت1664) بتدريس العربية والسريانية في معهد التبشير والدعوة في روما، وعمل مترجماً لدى البابا، وكانت له مشاركة في إعداد الترجمة العربية والسريانية للكتاب المقدس (الطبعة متعددة اللغات) بين الأعوام 1629و1646. وقد عمل في مكتبة الفاتيكان أميناً لمخطوطاتها السريانية والعربية.
وكان جبرايل الصهيوني (ت1648) من طلاب الدفعة الأولى في الكلية المارونية التي أنشأها البابا في روما سنة 1584، وقد درَّس العربية والسريانية في جامعة روما، ثم استدعاه ملك فرنسا مترجماً في بلاطه سنة 1614، وكان الصهيوني أول أستاذ يشغل كرسي العربية والسريانية في الـ "كوليج دي فرانس".
***
ومن بين الذين أفاد منهم المستشرقون في تعلُّم اللغة العربية كان المصري يوسف أبو ذقن (ت1643) أحد أعيان الأقباط، الذي رحل إلى روما في 1595، وتجول في البلدان الأوروبية ومنها فرنسا وإنجلترا، وأفاد من إقامته في تلك البلاد مستشرقون أخذوا عنه العربيةَ ولكن بالعامية المصرية؛ لأنه لم يكن يجيد الفصيحة: فقد أفاد منه الهولندي توماس إربينوس (ت1624) الذي التقى بأبي ذقن في باريس سنة 1609، وقد مكَّنتْه الدروس التي تلقّاها على يديه من أن يكتب رسالةً إلى أستاذه المستشرق الإنجليزي وليم بدْويل (ت1632) باللغة العربية.
ثم رتب القدَرُ لإربينوس لقاءً آخر بواحدٍ من أبناء العروبة والإسلام، وهو الأندلسي الموريسكي أحمد بن قاسم ابن الحَجَري (ت1638) صاحب كتاب "ناصر الدين على القوم الكافرين" ، الذي وجد إربينوس برفقته - في باريس سنة 1611- فرصة ذهبية لكي يتمرس باللسان العربي أفضل من ذي قبل، فأخذ يدرس عليه العربية الفصيحة حتى أتقنها، وعرف منه الكثير عن الإسلام والسُنّة النبوية.
ولقي المصريُّ يوسف أبو ذقن في إنجلترا ترحيباً من المستشرق الإنجليزي وليم بدويل، ثم ارتحل إلى أكسفورد وأمضى فيها ثلاث سنوات من 1610-1613 كان في أثنائها يعطي دروساً في تعليم اللغة العربية باللهجة العامية المصرية، حتى لَيمكننا أن نعده أول من قام فعلياً بتدريس اللغة العربية هناك.
***
أما الحضور العربي الواضح في مسيرة الاستشراق فيتجلى في مشاركة الرهبان اللبنانيين في بعض الأعمال المهمة في ميدان الاستشراق، وريادتهم ميدان فهرسة المخطوطات الشرقية في المكتبات الأوروبية.
وكان لعائلة السمعاني من بين هؤلاء نصيب، فقد اشتُهر نفرٌ منهم في تدريس اللغة العربية والسريانية، إذ كانوا غالباً ما يتعلمون في روما ويعملون في بلادهم، ثم يعودون أدراجهم من جديد إلى روما للعمل والاستقرار، حيث يجد المستشرقون فرصةً للإفادة من مواهبهم، التي يبدو أنها كانت مطلوبة في دوائر الاستشراق في أوروبا.
فقد أُرسل يوسف السمعاني (ت1768) إلى مصر من قبل البابا للحصول على المخطوطات، وقد عاد من مهمته بمجموعة من المخطوطات السريانية والعبرية واليونانية، فعيّنه البابا مديراً لمكتبة الفاتيكان، ثم اشترك مع ابن أخته اسطفان السمعاني (ت1782) في فهرسة مخطوطاتها. وقد أصبح اسطفان أميناً للمكتبة بعد وفاة خاله يوسف السمعاني. وعندما أنشأ فرديناندو دي مديتشي (المكتبة المديتشية) في فلورنسة ابتاع لها المخطوطات من الشرق وقام على فهرستها اسطفان السمعاني، وصدر الفهرس في فلورنسة سنة 1742، بعنوان: فهرس المخطوطات الشرقية في المكتبة المديتشية، ويقع في 492 صفحة. كما قام بفهرسة مخطوطات شرقية في مكتباتٍ إيطالية أخرى. وقام سمعان السمعاني بفهرسة المخطوطات الشرقية في مكتبة نانيا في مجلديْن صدرا في (بادوفا) سنة 1787 و1792.
وتشير المصادر إلى أن عدداً من المطابع الشرقية التي أُنشئت في أوروبا كانت إدارتها من نصيب بعض أبناء البلاد العربية، ومنها: "المطبعة السريانية" التي أسسها ميخائيل الطوشي وإبراهيم الغزيري في رومة سنة 1696، و"المطبعة الشرقية الغربية" التي أسسها يعقوب قمر في رومة 1595. و"المطبعة المديتشية" التي تولى بطرس مبارك إدارتها في القرن السابع عشر.
***
وكان ميخائيل الغزيري (ت1790) أشهر أبناء اللسان العربي الذين أسهموا في تقدم الدراسات العربية في أوروبا؛ إذ كان عمله إيذاناً بميلاد ميدان الدراسات الأندلسية، وهو الذي فتح الباب واسعاً أمام الباحثين في تراث الأندلس الزاخر؛ فقد عمل الغزيري في بلاط الملك الإسباني، الذي عهد إليه بالعناية بالمخطوطات العربية في مكتبة دير الإسكوريال، وكانت مقتنيات المكتبة فيما مضى من الكتب العربية ضئيلة إلى أن سنحت فرصة استيلاء القراصنة على سفينةٍ للسلطان زيدان بن المنصور السعدي سنة 1611 كانت تحمل متاعه، وفيه مكتبته التي احتوت بضعة آلاف من الكتب العربية المخطوطة.
قام ميخائيل الغزيري بفهرسة المخطوطات العربية في الإسكوريال، وظهرت نتائج عمله في الفهرس الذي صدر في مدريد بين 1760-1770، بعنوان" المكتبة العربية في الإسكوريال"  وقدم فيه مادة غزيرة عن تاريخ المسلمين في الأندلس وتراثهم الأدبي لم تكن معروفة من قبل للباحثين الأوروبيين، وقد اهتم الغزيري في هذا الفهرس بالحديث عن مضمون المخطوطات الموجودة وعرض مقتبسات طويلة منها أحياناً، مكَّنتْ الباحثين والمهتمين من الاطّلاع على التراث العربي في الأندلس الذي لم يكن مطروقاً من قبل، وكان لهذا العمل أثره البيّن فيما بعد في الاهتمام بالدراسات الأندلسية ضمن سياق اهتمام الأوروبيين بالتراث العربي الإسلامي.
*** 
إنّ هذه الأعمال وغيرها تقدِّم مثالاً على إسهامات أبناء العربية أنفسهم في مسيرة الاستشراق الأوروبي، وإنه مما لا يغيب عن عين الملاحِظ أن معظم الأعمال التي قدَّمها أبناءُ العربية في مسيرة الاستشراق الأوروبي قد صدرت عن أبناء الطوائف المسيحية في المجتمع العربي، الذين كانت إسهاماتهم متجهةً صوب شؤون تلك الطوائف التي أولتْها الكنيسةُ الأوروبية اهتماماً خاصاً، أكثر من اتجاههم نحو العناية باللغة العربية نفسها.  فهل من الممكن أن تضاف هذه الإسهامات إلى عداد الأعمال التي قامت على دعم دراسة اللغة العربية وتقوية أسبابها في أوروبا؟ وهل قدّمت شيئاً في سبيل فهمٍ أفضل بين الشرق والغرب؟  لكن هذه التساؤلات لا تنفي الجانب الآخر من الصورة التي يتضح فيها جهدُ هؤلاء في مجال تعليم اللغة لطلاب العربية من المستشرقين والمهتمين بالشرق في أوروبا، الذين بذلوا في سبيلها سنواتٍ من أعمارهم بغض النظر عن الأغراض التي كانت باعثاً أو حافزاً يغذي طموحاتهم.
***
من مصادر سِيَر المستشرقين (بالعربية):
  1. بدوي، عبد الرحمن (1984). موسوعة المستشرقين، (ط1)، بيروت: دار العلم للملايين.
  2. العقيقي، نجيب (1980). المستشرقون، 3 أجزاء، (ط4)، القاهرة: دار المعارف.


الخميس، 19 فبراير 2009

"رحلة إلى مكة"..عين على الاستشراق وعين على التكنولوجيا

صورةٌ ذات تقنيات تصويرية متقدمة جداً، وعرضٌ سينمائي باهر يأخذ بالألباب، ويجعلك تشعر وكأنك في الصورة نفسها المعروضة أمامك على الشاشة، وأصواتٌ وتفاصيلُ دقيقة جداً تتيحها الصورة الرقمية البديعة فتجعلك جميعها جزءاً من المشهد في تجربة سينمائية مثيرة.
ذلك هو العرض الذي تمّ في أبوظبي الشهر الماضي للفيلم العالمي "رحلة إلى مكة" (من إخراج بروس نيبور وإنتاج "كوزميتيك بيكتشر" و"أس كاي فيلمز") الذي صُوِّر بتقنية "آي ماكس" الفائقة الوضوح، في فرصة مميزة قدمتها "شركة أبو ظبي للإعلام" للجمهور في العاصمة الإماراتية لحضور هذه التجربة السينمائية الفريدة حقاً ، التي تمثل طريق الرحالة الشهير ابن بطوطة محمد بن عبدالله اللّواتي (703-779هـ) لأداء مناسك الحج في رحلته من بلده طنجة سنة 725هـ/1325م التي كانت على رَسْم الصوفية زياً وسجية.
لكن ماذا وراء الصورة ؟ فهذه التجربة السينمائية - التي تتيح للمشاهد أن يكون في حضرةِ فيلمٍ ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين من حيث إنتاجه وتقنياته - هل تختلف عن الصورة التي أنتجها الأوروبيون أنفسهم في القرون الوسطى، وفي القرون التي ازدهرت فيها أدبيات الرحلة وازدانت فيها المؤلفات الاستشراقية بالرسوم التي صوَّرت سحر الشرق وروعته؟
إنّ الصورة المتحركة في الفيلم تكاد لا تختلف عن سابقتها الساكنة على الصفحات: فصورة العربي المهلهل قاطع الطريق، وصورة الطبيعة الشرقية الصحراوية، برمالها التي تغمر المكان وبجفافها القاسي يغمر القلب والوجدان، هي هي.. لم تتغير.
إن الفيلم بصورته ذات التقنية فائقة الوضوح، لم يلتقط من الأماكن والمدن التي زارها الرحالة سوى الرمال ثم الرمال، ووعورة المسالك وجفاف الأرض، وأغفل "سيناريو" الفيلم أن الرحلة التي قام بها ابن بطوطة وسار بها في طريق الساحل الشمالي الأفريقي- قد توقف في أثنائها في مدن عديدة عامرة بالحياة، وعامرة بأحلام الناس وأعمالهم وتفاصيل حياتهم اليومية وحركتهم الدؤوب.
لم تلتقط عينُ الكاميرا خصوبة بعض المدن العربية التي زارها الرحالة؛ فدمشق التي زارها ابن بطوطة كانت في الفيلم قطعةً من الصحراء، دمشق التي يشقها بردى بعذوبة مائه وتحفُّها الغوطة بأشجارها وأطيارها وأثمارها! دمشق التي قال عنها ابن جبير قبل زيارة ابن بطوطة : "إن كانت الجنةُ في الأرض فدمشقُ لا شك فيها، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامِتُها وتُحاذيها".
لم يعرض الفيلم من الرحلة إلى المدن العربية سوى قطْع الطريق، وشعثاً من الناس لا يجمعهم جامع، ومشاهد باهتة للأسواق والبضائع..
لم يلتقط الفيلم جوهر الرحلة: رحلة الحج (حلم المسلمين في ديار الإسلام المتـنائية) التي كانت تحمل في جرثومتها سر ازدهار العلوم والحضارة على امتداد رقعة البلاد الإسلامية، تلك الرحلة التي كان الوقوفُ فيها في المدن العربية يأخذ منحىً آخر أغفله الفيلم، ألا وهو طلب العلم وسماع الشيوخ وتحصيل الإجازات…وغيرها من وسائل أتاحت للعلم العربي أن ينتشر، وللعلماء المسلمين أن يتبادلوا المعارف والخبرات، فقد سمع مثلاً ابن بطوطة في دمشق صحيح البخاري وذكر أسماء الشيوخ الذين أجازوه من أهلها.
كما لم يلتقط الفيلم روح القرار والجوار في الأماكن المقدسة، التي كان يسعى إليها كثيرون في تلك الأيام ممن حلموا بزيارة الأماكن المقدسة - ومنهم ابن بطوطة نفسه - ونعموا بزيارة بيت الله الحرام بعد شهور طويلة من السفر يقطعونها لا ليقيموا قليلاً ثم يرتحلون، بل ليقيموا ويجاوروا ببيت الله الحرام ومسجد نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم ما أتيح لهم الجوار والقرار، في رحلة قد لا تتكرر في العمر إلا مرة واحدة.
…كل هذا وغيره من أسرار الرحلة رحلة الحج أغفلتْها مشاهد الفيلم، التي احتفلت الكاميرا فيها بمشاهد الطبيعة الصحراوية الممتدة القاسية، والعواصف الرملية الغبراء، وأشعة الشمس اللاهبة، تلك المَشاهد التي تزيد من رسوخ الصورة النمطية للعربي المسلم: يعاني قسوة البيئة فيخمل، ولا يرتفع له شأن في الحضارة والمدنية.
احتفل الفيلم ببراعة التصوير الأخّاذ وتقنياته الرقمية المتقدمة، التي أتاحت للمشاهد صورة فريدة للبيت الحرام ولمناسك الحج وطريق الرحلة.. وشعوراً غامراً مثيراً قد لا يشعر بروعته حتى لو كان هناك وشاهد معالم الرحلة بأم عينيه، لكن الاحتفال ببراعة التصوير وسرعة المَشاهِد، وضخامة المؤثرات الفنية المبذولة في العمل من جهة- جعل القائمين عليه يغفلون عن جوانب أخرى من جوهر الرحلة إلى مكة وما قد تعنيه للمُشاهد المسلم الذي قد يكون على الرغم من نجاح الفيلم فنياً وتقنياً مخيباً لآماله! في حين أنه للمشاهد غير المسلم - خاصة من أهل الغرب - يعيد إنتاج الصورة نفسها التي أُنتِجت من قبلُ فيما كتبه المستشرقون والرحالة الأوروبيون عن المسلمين منذ قرون.
على أنه تجدر الإشارة إلى أننا لا نحمِّل الفيلم ما لا يطيق، وهو الذي سعى إلى تصوير رحلة الحج وأداء المناسك وإقامة الشعائر المقدسة في تلك الأيام المعدودات من عمر كل مسلم، في صورة رائعة تجمع الماضي بالحاضر، وتترك أثراً في النفس لا يمحى بفضل ثقافة العصر ثقافة الصورة. وقد نجح الفيلم في مسعاه، فكان أنْ غرس اللهفةَ لمعانقة البيت الحرام ورؤية الكعبة المشرفة في قلوب من تهفو أنفسهم إلى ملاقاتها.