أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 1 ديسمبر 2010

المخطوطات الأندلسية في المكتبات البريطانية: من أوجه عناية الاستشراق البريطاني بالأدب الأندلسي

         ورقة قدمت في المؤتمر الثالث لبحوث الرسائل الجامعية

الجامعة الأردنية، عمّان
29-30 /11/2010

تبدو الدراسات الأندلسية وثيقةَ الصلة بما قدمته المدارسُ الإسبانية والهولندية والفرنسية. لكن التأمل يكشف أن هذه النظرة قد لا تكون دقيقة: إذ تعددت أعمال المستشرقين البريطانيين في دراسة الأدب الأندلسي. فإذا تتَّـبَعنا أحدها - وهو العناية بالمخطوطات الأندلسية – بانت بعضُ جهودهم في دراسة الأدب الأندلسي عامة، وهو ميدان لمّا يزلْ يسعى كي يجد مكاناً له في عالم "الدراسات الشرق-أوسطية" في أوروبا.
تناول هذا البحثُ تاريخ الحصول على بعض المخطوطات الأندلسية ومظاهر دراستها كالتعريف بها ونشرها وتحقيقها وترجمتها…، مما أسهم في إرساء ميدان الدراسات الأندلسية في بريطانيا.
وإذ يكشف البحث أن إسهام المستشرقين البريطانيين في العناية بالمخطوطات الأندلسية لم يكن كبيراً، إلا أن ذلك لا ينفي أن عملهم في هذا المجال حين يُضَم إلى أعمالهم الأخرى في دراسة الأدب الأندلسي، يجعل الباحثة مطمئنة إلى أن المنجزات العملية والمنهجية التي قدمها المستشرقون والباحثون في بريطانيا، المهتمون بالأدب الأندلسي- أسهمت في إغناء ميدان الدراسات الأندلسية عامة، وفي زيادة الاهتمام بدراسة الأدب الأندلسي خاصة.

جمع المخطوطات الشرقية
كان جمعُ المخطوطات الشرقية - في القرون الماضية- من قِبَـل الأوروبيين يؤدي إلى أن تتوافر نصوصٌ باللغة العربية في أوروبا بين أيدي المهتمين بدراستها، وقد ساعدتْ وفرةُ هذه النصوص على ازدهار الدراسات العربية في إنجلترا من جوانب عدة، إذ إنها وفّرت مادةً جيدة لمنهاج تدريس اللغة العربية للطلاب في المعاهد العلمية، وقدمت مصادر غنية للعلماء المهتمين بها في إنجلترا فأصبح بإمكانهم أن يعتمدوا على مصادر أولية (المصادر العربية) عندما يعالجون الكتابة عن تاريخ العرب وحضارتهم.
وقد تنبّه المستشرقون الإنجليز في القرن السابع عشر- وهو القرن الذي شهد ازدهار الدراسات العربية في إنجلترا- إلى أهمية اقتـناء المخطوطات الشرقية بعد أن أتاحت العلاقاتُ بين إنجلترا والدولة العثمانية تيسُّرَ الرحلة الآمنة إلى المشرق، وبعد تأسيس شركة المشرق اللندنية The Levant Company سنة 1581؛ التي أنشأتْ العديدَ من المصانع في الشرق، واحتاجت إلى موظفين على دراية بلغة أهل البلاد وتقاليدهم. ولكن في الحقيقة لم يعوَّل على هؤلاء الموظفين في ازدهار الدراسات العربية؛ لأنهم لم ينصرفوا للعناية كثيراً بدراسة اللغة العربية لانشغالهم بتحصيل الرزق في بلاد المشرق.
ومن ناحية أخرى، كانت الشركة قد اعتادت إيفاد وعّاظ يرافقون موظفيها في أماكن عملهم الجديدة، وكان لهؤلاء أثر كبير في جمع المخطوطات الشرقية لصلتهم بالدراسات العربية ووعيهم بأهمية اللغة العربية في دراسة الكتاب المقدس - وقد كان جلّ المتعلمين آنذاك من الرهبان ورجال الهيئات الدينية- فكان سعيهم لاقتـناء المخطوطات الشرقية نابعاً بالدرجة الأولى من البحث عن مخطوطاتٍ للكتاب المقدس باللغات الشرقية، من أجل دعم تلك الدراسات ومقابلة النصوص بعضها ببعض.
إن محتوى المخطوطات التي جُمِعت من الشرق هو الذي حدّد اتجاه الدراسات الاستشراقية بمجملها في بريطانيا في مراحلها المبكرة؛ إذ كان الاهتمام أولاً متجهاً إلى مخطوطات القرآن الكريم والعقيدة الإسلامية ثم إلى المخطوطات التي تتناول في التاريخ العربي الإسلامي، وحين بدأ المستشرقون يهتمون بدراسة التاريخ العربي الإسلامي، أخذوا يسعون إلى الحصول على المخطوطات التاريخية واهتموا خاصةً بتلك التي كتبها مسيحيون شرقيون على وجه التعيين([1]). ثم حين توافرت بين أيديهم مجموعة من المخطوطات التي تتحدث عن التاريخ الأدبي والشعر والنثر العربي، بدأت الأعمال الاستشراقية تعتني بالفنون الأدبية العربية نشراً وتحقيقاً ودراسة.
وكانت المخطوطات الشرقية التي جُمِعَت في بريطانيا (سواء من المشرق أو من أماكن أخرى في أوروبا) نواةً للمجموعة الشرقية التي بدأت تـنمو في المكتبات الجامعية في كمبردج وأكسفورد فيما بعد. وبقيت جامعتا كامبردج وأكسفورد تسيطران على التعليم العالي في إنجلترا حتى مطلع القرن التاسع عشر([2])، ويعود جزء من سمعتهما العلمية المتميزة إلى مقتـنيات المكتبة في كلٍّ منهما.
لقد كان جمع المخطوطات الشرقية عامة، والعربية الإسلامية منها خاصة، من أهم الأعمال التي قام بها المستشرقون في سبيل دراسة الشرق وحضاراته، وقد سعوا إلى الحصول على تلك المخطوطات بوسائل عدة، ليس هنا محل البحث في نزاهتها، وفي أثناء جمع هذه المخطوطات كانت قد وصلت لأيديهم بعض المخطوطات الأندلسية، وانتهى بها المقام في مكتبات بريطانيا، لكن دون أن يكون المستشرقون الإنجليز قد سعوا إلى البحث عن التراث الأندلسي على وجه التعيين.
فقد اجتهد المستشرقون الإنجليز - كغيرهم - في الحصول على المخطوطات الشرقية؛ "وكان الحصول عليها يجري على أيدي المستشرقين أنفسهم المرتحلين إلى المشرق، لحسابهم أو لحساب غيرهم من العلماء، ويجمعها أيضاً السفراء والتجار ورجال الدين والمستعربون الهواة… أو يجمعونها بمعاونة السكان من أهل البلاد الشرقية التي يزورونها، مثل بوكوك (الأب) Edward Pococke (ت1691)؛ الذي "كان يستعين بشخص يدعى الدرويش أحمد ليعاونه في شراء المخطوطات أو نسخها إن تعذر شراؤها"([3])؛ وذلك حين "أقام في الشرق سنوات عدة (1630-1635) واعظاً تابعاً لشركة المشرقLevant Company The في حلب، ثم عاد إلى بلاده ليغادرها ثانية في غضون سنة بتشجيع من الأسقف وليم لود Laud W. (ت 1645) رئيس جامعة أكسفورد آنذاك، وقد سافر بوكوك في المرة الثانية متوجهاً إلى القسطنطينية سنة 1637 وأمضى هناك ثلاث سنوات"([4]). 
وبهذه الطريقة جمع بوكوك مجموعة من المخطوطات العربية في مواضيع عديدة كالتاريخ والتراجم وفقه اللغة والشعر والرسائل الأدبية والفلسفة والفلك والطب… وغيرها. وكانت مجموعته متميزة نتيجة اختياراته ومعرفته العميقة باللغة العربية وباللغات الشرقية، وما له من خبرة ومهارة في التعامل مع تجار المخطوطات([5]).
ولم يكن بوكوك متفرداً في مسلكه هذا بل إن العناية بالمخطوطات الشرقية جمعاً ودراسة وفهرسة - بغضّ النظر عن الأهداف المخبوءة - كانت ديدن المستشرقين الذين يرتحلون إلى الشرق: يلتقط بعضُهم اللغةَ من أفواه أصحابها إنْ كانوا ينوون التمكّن من العربية المنطوقة، ويجمعون ما يقدرون عليه من مخطوطات يعودون بها إلى ديارهم ويتوفرون على دراستها وفهرستها.
وقد يسّرت هذه السبيل لبوكوك الحصول على مجموعة متميزة من المخطوطات الشرقية، كانت إضافةً نوعيةً لجامعة أكسفورد حين اشترتها مكتبة بودليانا The Bodleian Library- المكتبة الرئيسية لجامعة أكسفورد - بعد وفاته عام 1691: فقد اشترت المكتبة مجموعته الكبرى من المخطوطات الشرقية التي كانت تتألف من 400 مجلد، منها 270 مجلداً باللغة العربية([6]).
وكانت المخطوطات التي جمعها بوكوك من الشرق متنوعة المواضيع: في التاريخ والتراجم وفقه اللغة والشعر والفلسفة، ومجموعة صغيرة في الرياضيات والفلك والطب([7])، كان من بينها مخطوط واحد من التراث الأندلسي وهو رسالة حي بن يقظان، التي كانت من بين ما اشتراه بوكوك من مخطوطات في رحلته الأولى إلى حلب.
ويمكن القول إن رسالة حي بن يقظان للفيلسوف الأندلسي ابن طفيل (ت581هـ) التي اشتراها بوكوك (الأب) من حلب، كانت أول النصوص العربية الأندلسية المنشورة في أوروبا، وكان لإنجلترا الفضل في ذلك حين نشرها في أكسفورد المستشرقُ الإنجليزي إدوارد بوكوك الابن (ت1726) بنصِّها العربي موازياً للترجمة اللاتينية سنة 1671([8]).
ثم ترجمها جورج كيث G. Keith(ت1716) إلى الإنجليزية عن الترجمة اللاتينية([9]) في عام 1674، ثم ترجمها جورج أشويل G. Ashwell (ت1694) مرة أخرى من اللاتينية أيضاً إلى الإنجليزية، وكانت بعنوان تاريخ حي بن يقظان الأمير الهندي سنة 1686([10]). ثم ترجم سايمون أوكلي Simon Ockley (ت 1720) رسالة حي بن يقظان كاملة عن النص العربي إلى اللغة الإنجليزية، ونشرها في لندن سنة 1708([11]). ولا يعود الاهتمام برسالة حي بن يقظان إلى كونها من التراث الأندلسي، وإنما يعود إلى محتواها الذي يتناول العلاقة بين العقل والدين، وهو الموضوع الذي كان محل جدل فكري واسع في أوروبا القرون الوسطى إبان الإصلاح الديني.
*******
وعلى الرغم من أن المخطوطات الأندلسية لم تكن هدفاً واضحاً لدى المستشرقين الإنجليز عندما قاموا بجمع المخطوطات العربية من الشرق، إلا أن ذلك لم يقف دون وصول مجموعة من المخطوطات والكتب الأندلسية إلى إنجلترا، كانت من بين المجموعات التي حصل عليها المستشرقون وتمت إضافتها إلى المجموعات الشرقية في المكتبات البريطانية.
فمن المخطوطات الأندلسية التي وصلت مبكراً إلى مكتبة بودليانا في أكسفورد، مخطوط كتاب المقتبس في تاريخ الأندلس "وهو أحد الكتب في مجموعة المخطوطات التي كانت تعود للمستشرق الهولندي يعقوب خوليوس J. Golius (ت1667)، ثم اقتنتها مكتبة بودليانا عام 1700، حين أُهديت إلى المكتبة مع خمسة مخطوطات أخرى: الأول منها كان بالتركية، والثاني نسختان من مخطوط المجلد الخامس لابن خلدون، والثالث مخطوط لابن حيان، أما المخطوط الخامس فكان في الكيمياء"([12]).
وعلى الرغم من هذه البداية المبكرة في اقتناء المخطوطات الأندلسية في بريطانيا، فإنه لم تكن هناك عناية خاصة توجَّه إليها؛ نظراً لأن الدراسات الأندلسية نفسها لم تكن قد أصبحت ميداناً للبحث العلمي في أوروبا إلا منتصف القرن التاسع عشر. كما لم يكن المستشرقون الإنجليز يتمكنون من الحصول على مخطوطات أندلسية ومغربية كثيرة؛ لأنهم كانوا يجمعون المخطوطات الشرقية غالباً من رحلاتهم إلى الشرق الإسلامي، وهي غير متوافرة هناك بأعداد كبيرة كما كانت في بلاد المغرب مثلاً. ولا يغيب عن البال أن المخطوطات المغربية والأندلسية كانت متاحة أكثر بأيدي الإسبان والفرنسيين؛ بحكم ظروف التاريخ والجغرافيا، ثم نتيجة التوسع الاستعماري الأوروبي الذي بلغ ذروته في القرن التاسع عشر، وما نتج عنه من اختصاص كل قطر أوروبي بمناطق معينة في الشرق كانت مجالاً لنفوذه وسيطرته.
ولم يمنع ذلك الوضع من وصول بعض المخطوطات الأندلسية إلى المكتبات البريطانية في بعض الأوقات: "فمن المخطوطات الأندلسية الموريسكية التي وصلت إنجلترا في بداية القرن الثامن عشر، مخطوطٌ محفوظ في مكتبة جامعة كمبردج بعنوان مختصر في الشريعة والسُّنّة الشريفةBreve Conpendio de Nuestra Santa Ley y Sunna ، أحضره [أحد أساتذة] اللغات السامية والعبرية في الجامعة… وقد نُشرت أجزاءٌ من هذا المخطوط بالإسبانية المكتوبة بحروف عربية [ الخميادية ] في كتاب De Religione Mohametism المطبوع في أترخت سنة 1705، ليكون ذلك أول نص مطبوع من النصوص الخميادية. ولم تظهر ترجمة إنجليزية للكتاب إلا سنة 1723 أنجزها جوزيف مورغان J. Morgan في كتابه: Mahometism fully explained([13]) معتمداً على الترجمة الفرنسية التي نُشرت سنة 1721 وليس على المخطوطة الأصلية الموجودة في كمبردج.. وكان مورغان هذا موظفاً قنصلياً بريطانياً وقد اقتنى أيضاً في أثناء رحلة له إلى تونس مخطوطاً آخر للموريسكي محمد رَبَضان[14] Mohamad Rabadan بعنوان Discurso de la luz y descendecia y lingage claro de nuestro…Propheta Mohamed وهذا المخطوط موجود الآن في المكتبة البريطانية"([15]).
"واقتنت كلية وادامWadham في أكسفورد مخطوطاً موريسكياً آخر ضمن مجموعة جودولفين Godolphin، والمخطوط رسالة حول العقيدة الإسلامية مكتوبة في الجزائر سنة 1620 باللغة الإسبانية - إسبانيّة القرن السادس عشر- كتبها أحد الموريسكيين هناك. وهي كغيرها من الأعمال التي وصلت إلينا مما كتبه مهاجرون موريسكيون في شمال إفريقية، بعضها بالخميادية وبعضها بالإسبانية… وهذه المخطوطة موصوفة في فهرس H. Coxeالمنشور في أكسفورد سنة 1852 Catalougus Codicum mss. Qui in collegiis aulisque oxonien bodie adservaranur تحت رقم XLVI من مخطوطات كلية وادام Wadham"([16]).
وهذا يعني أن بعض المخطوطات الموريسكية كانت موجودة في أكسفورد قبل منتصف القرن التاسع عشر، ولكنْ لم تكن تلك المخطوطات بعدُ لتثير اهتمام الباحثين الإنجليز هناك أو اهتمام غيرهم من الأوروبيين بدراسة التراث الفريد الذي خلّفه الموريسكيون، والذي يعبّر عن معاناتهم أو تكيفهم في حياتهم الجديدة في ظل ظروف التنصير والتهجير التي مرَّ بها أهلُ الأندلس بعد سقوطها في قبضة الإسبان.
وفي الثلث الأول من القرن العشرين وصف المستشرق - الإنجليزي من أصل روسي- كرينكوفF. Krenkow(ت1953) مخطوطيْن أندلسيَيْن في المتحف البريطاني في مقالة نشرت سنة 1930([17])، وهما مخطوط: الذيل والتكملة لكتابَيْ الموصول والصلة للمراكشي([18])، وكتاب الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب([19]). وهما ليسا مذكوريْن في: القائمة الوصفية لمخطوطات المتحف البريطاني المنشورة سنة 1912([20])، مما يعني أن مكتبة المتحف قد اقتنتهما بين 1912-1930، وقد كانا موجوديْن على رفوف مكتبة المتحف البريطاني منذ الربع الأول من القرن العشرين، ولكن لم يلتفت إليهما المستشرقون البريطانيون للبحث أو التحقيق في التراث الأندلسي.

فهرسة المخطوطات
كان المستشرقون بعد عودتهم من رحلاتهم في جمع المخطوطات الشرقية يعكفون على فهرستها وتصنيفها لتسهل الإفادة منها أمام الباحثين في الدراسات الاستشراقية. وترمي الفهرسة إلى تقديم صورة دقيقة عن المخطوط بوصفه المادي من حيث عدد الأوراق، وسلامتها أو تلفها، وجودة الخط ووضوحه، وأوهام النَّسْخ، وفاتحة المخطوط وخاتمته، وتحقيق عنوانه واسم مؤلفه وموضوعه…مما يفيد الباحث المهتم.
وقد بدأت فهرسة المخطوطات العربية في أوروبا مبكراً - منذ القرن الثامن عشر - على أيدي العرب لا الأوروبيين([21])، وصارت المكتباتُ الأوروبية تُصْدِر تباعاً فهارس خاصة بالمخطوطات العربية التي كانت تجلبها من الشرق ومن الغرب بالشراء والإهداء أو الاستيلاء. وقد نُشرت بعض تلك الفهارس باللاتينية وبعضها باللغات الأوروبية.
وكان فهرس المخطوطات العربية والكرشونية([22]) في المكتبة البودلية (بودليانا) بأكسفورد الذي نُشر سنة 1787 أول فهرس في بريطانيا، ثم فهرس الجمعية الآسيوية لندن سنة 1838، وفهرس المتحف البريطاني 1846، وفهرس كمبردج " ترنتي كولج" 1870([23]).
وقد أمضى معظم المستشرقين الإنجليز جزءاً من حياتهم العلمية والعملية في فهرسة المخطوطات الشرقية، ومنها العربية والإسلامية، الموجودة في المكتبات الجامعية البريطانية المختلفة، ولكننا لا نجد حديثاً أو عملاً خاصاً عن فهرسة للمخطوطات الأندلسية في تلك المكتبات: فليس هناك فهارس مستقلة خاصة بالمخطوطات الأندلسية الموجودة بين المخطوطات العربية التي جمعوها من الشرق.
ويلاحظ في فهارس المكتبات البريطانية للمخطوطات العربية الإسلامية أو الشرقية- أن المخطوطات الأندلسية لا تُميَّز فيها عن غيرها ليكون سبيل الرجوع إليها أيسر أمام الباحثين؛ ويرجع هذا لقلة عدد تلك المخطوطات بين أيديهم من جهة، ولعدم وجود عناية خاصة في بريطانيا بالبحث في التراث الأندلسي من جهة أخرى، وذلك قبل حلول منتصف القرن التاسع عشر: حين أظهر الإسباني جاينجوس Pascual de Gayangos (ت1897)اهتمامه بالبحث عن التراث الإسباني في مخطوطات المتحف البريطاني، وحين جاء الهولندي دوزي R. Dozy(ت1883) منقّباً في المكتبات البريطانية؛ سعياً وراء مخطوطات التراث الأندلسي للإفادة منها في مؤلفاته عن تاريخ المسلمين في الأندلس، لكن ذلك لا يظهر جلياً في فهارس المخطوطات العربية في المكتبات البريطانية.
فالناظر المدقق في بعض فهارس المكتبات البريطانية مثل فهرس الكتب العربية (المطبوعة) في المكتبة البريطانية - الذي نُشرت طبعته الأولى سنة 1894([24])- يلاحظ أن المكتبة قد اقتنت كثيراً من كتب التراث الأندلسي من المصادر التي لا يستغني عنها الباحث في الدراسات الأندلسية، ومنها على سبيل المثال: المعجبللمراكشي طبعة دوزي، 1847 ، نفح الطيب للمقري، ط. جاينجوس، 1840-1843، نفح الطيب، ط. بإشراف دوزي، 1855-61، الذخيرة لابن بسام، ط. دوزي 1846، قلائد العقيان للفتح بن خاقان، ط. باريس، 1861، وط. بولاق، 1866، مطمح الأنفس، ط. القسطنطينية، 1844، سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون، ط. الإسكندرية 1873، و ط. القسطنطينية 1841… وغيرها من الكتب، مما يعني أن مصادر التراث الأندلسي الأولية كانت متوافرة في مكتبة المتحف البريطاني في القرن التاسع عشر أمام الباحثين في بريطانيا لو كانوا يرغبون في دراسة هذا الجانب من تراث المسلمين. لكن وجود هذه المصادر لم يؤدِ إلى العناية بالدراسات الأندلسية عند المستشرقين البريطانيين؛ الذين تابعوا مصالح بلادهم واتجهوا في دراساتهم إلى مزيد من البحث في أحوال الشرق (بمفهومه الجغرافي) وأحوال سكانه؛ بما يتلاءم والمصالح السياسية التي طغت على غيرها من سمات في مدرسة الاستشراق البريطانية.
أما تلك المخطوطات الأندلسية التي لم تكن تغيب عن رفوف المكتبات الرئيسية في بريطانيا منذ القرن التاسع عشر، والتي لم تجد من أهل البلاد من ينفض الغبار عنها؛ فقد وجدت من غير البريطانيين من يمد إليها يد العناية، فأقبل على دراستها المستشرقون الأوروبيون المهتمون بالشأن الأندلسي، وكان في مقدمتهم الإسباني جاينجوس والهولندي دوزي.
فقد عمل جاينجوس - في أثناء إقامته في لندن في ثلاثينات القرن التاسع عشر- في المتحف البريطاني، وكانت الفائدة من هذا العمل جمّة؛ إذ درس جيداً نسخة المتحف البريطاني من مخطوط نفح الطيب من أجل استكمال ترجمته إلى اللغة الإنجليزية التي كان يعمل عليها، وصدرت في لندن عام 1843. وكان جاينجوس ينسخ المخطوطات الأندلسية بيده من المكتبات الأوروبية التي يزورها ليفيد منها في بحوثه ويحتفظ منها بنسخة لنفسه. وفي مكتبة المتحف البريطاني عكف أيضاً أواخر حياته على فهرسة المخطوطات الإسبانية الموجودة هناك، وله في هذا كتاب: فهرس المخطوطات الإسبانية في المتحف البريطاني Catalogue of The Manuscripts in the Spanish Language in the British Museum ، وكان من بينها رسائل ومعاهدات باللغتين العربية والإسبانية المتبادلة بين الإسبان وبعض الولاة في مدينتيْ سبتة وتطوان([25]).
أما رينهارت دوزي فكان له فضل الريادة في تعقب المخطوطات الأندلسية أنّى وجدها في مكتبات أوروبا، التي قدمت له مادة وفيرة عن تاريخ المسلمين في الأندلس مكّنتْه من تأليف مصنّفاته عن هذا الموضوع الطريف في حينه، وكان في سعيه وراء المخطوطات العربية قد حطّ الرحال في إنجلترا سنة 1845 حيث "نسَخَ الجزء الثاني من الذخيرة، وبعض المخطوطات العربية النفيسة من مكتبة أكسفورد"([26])، وقد اعتمد دوزي في إعداده كتاب تكملة المعاجم العربية Supplment aux Dictionaires Arabes على مجموعة من المصادر الأندلسية المخطوطة الموجودة في المكتبات البريطانية، كان منها: المطرب لابن دحية (نسخة المتحف البريطاني)، والمقتبس لابن حيان (مخطوط أكسفورد، بودليانا)، وتاريخ الموحدين لابن صاحب الصلاة (مخطوط أكسفورد)، وتاريخ قضاة قرطبة (أكسفورد)، ومطمح الأنفس (مخطوط لندن)([27]).
وكان كتابه هذا قد صدر بالفرنسية في جزأيْن وطُبِع في لَيْدَن بين 1877-1881، مما يعني أن هذه المخطوطات الأندلسية المهمة كانت موجودة في المكتبات البريطانية قبل حلول الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وقد عرف دوزي قيمتها، فكانت عوناً له في أن يُعَـدَّ أول مَنْ كتب عن تاريخ المسلمين في إسبانيا مستقصياً أمّات كتب التراث الأندلسي، التي عمل على نشر مجموعة مهمة منها وترجمتها إلى اللغات الأوروبية([28]).
ومن ناحية ثانية فإن المتصفح لكتاب تاريخ الأدب العربي لكارل بروكلمان C. Brockelmann (ت1956) الذي ظهرت الطبعة الأولى منه في جزأين: الأول سنة 1898 في فايمار، والثاني في برلين سنة 1902([29]) - بحثاً عن المخطوطات الأندلسية في المكتبات البريطانية، يجد أن تلك المكتبات كانت تضم مجموعة من مخطوطات المصادر الأندلسية المهمة، وبعضها له نُسَخ عدة. لذا فقد اعتمد المحققون العرب على هذه النسخ عند إقبالهم على تحقيق التراث الأندلسي[30]، حين شهدت هذه الدراسات اهتماماً خاصاً في العالم العربي في القرن العشرين بعد الاهتمام الذي لقيتْه من لدن المستشرقين من قبل.
وتشير المصادر الأندلسية المحقَّقة في العالم العربي في القرن العشرين إلى أن نُسَخاً منها كانت موجودة في المكتبات البريطانية رجع إليها هؤلاء المحققون، ولكن تلك النسَخ المخطوطة لم تحظ من المستشرقين هناك بعناية خاصة، كما لم يولِها القائمون على إعداد فهارس المكتبات اهتماماً خاصاً للحديث عنها في أقسام مستقلة تميزها عن غيرها من المخطوطات الإسلامية، التي عنوا بفهرسة الموجود منها في مختلف المكتبات البريطانية.

التعريف بالمخطوطات
ومن الأعمال الملحقة بجمع المخطوطات الأندلسية وفهرستها - العملُ على التعريف بهذه المخطوطات في مقالاتٍ تلقي الضوء على غير المشتهر منها مما يغني ميدان الدراسات الأندلسية، لكن الباحثين في بريطانيا لم يكن لهم إسهام كبير في التعريف بمثل هذه المخطوطات، إذ لا يتجاوز عملهم في هذا المجال بضع مقالات محدودة، إلا أنها على محدوديتها قدمتْ جديداً بإلقاء الضوء على بعض المخطوطات الأندلسية الخاصة: ففي سلسلة مقالات نشَرَ اللورد ستانليH. E. Stanley (ت1903) في مجلة الجمعية الآسيوية قصائدَ للموريسكيّ محمد ربضانمكتوبة باللغة الإسبانية نقلاً عن مخطوطةٍ محفوظة في باريس، وكان جزء من تلك الأشعار منقولاً عن مخطوطة أخرى موجودة في مكتبة المتحف البريطاني([31]). والقصيدة المنشورة كانت بعنوان([32]): تاريخ نبيّنا محمد عليه السلام يشتمل على مدائح عن مولده: Istoria de nuestro Annabi Muhamad Salam Contiene Cantos: Tara de su Naciementos.
ولم يقدم ستانلي في مقالاته تلك وصفاً للمخطوط كالمعتاد في مثل هذا المقام؛ إلا حين تحدث عن بعض الأجزاء المفقودة من القصيدة في نسخة المتحف البريطاني والموجودة في نسخة باريس مقابلةً منه بين النسختين، ويثبت في المقالة القطعةَ المفقودةَ نقلاً عن نسخة باريس، وكان عمله أقرب ما يكون إلى تحقيق النص منه إلى التعريف بالمخطوطة؛ إذ نشر شعر محمد ربضان في سلسلة مقالات خلال الأعوام من 1868-1872 باللغة الإسبانية التي كان يتخللها بعض العبارات العربية "المكتوبة بالحروف اللاتينية"، وقام المحقق بكتابتها في الحواشي بالحروف العربية. وفي خاتمة المقالة التي كان فيها تمام القصيدة([33]) قدم ستانلي نظرة نقدية في الجزء الأخير المنشور من القصائد حول مستوى هذا الجزء من النص الذي يراه أقل جودة من غيره مما سبق نشره، وفيه بعض الصعوبة التي تعكس التغير الذي مسَّ نطق اللغة العربية بين الموريسكيين.
كان ستانلي معجباً بالجزء الأخير من قصيدة ربضان الذي يتضمن قطعة طويلة عن زواج محمد صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة رضي الله عنها، ويعده أكثر أجزاء القصيدة إمتاعاً؛ لأنه دليل على أن الموريسكيين قد قاموا بدورهم على أحسن وجه في حفظ مكانة الذاكرة الشفوية ودورها في نقل التراث والتقاليد العربية؛ فالشاعر مثلاً يقول إنه ليس لديه كتب عربية أو صحائف يرجع إليها وإنما يعتمد على موروث شفوي تتناقله الأجيال([34]).
ولا نقف من تعليقات ستانلي على موقف معين تجاه موضوع الموريسكيين وأصولهم الأندلسية وظروف هجرتهم واضطرارهم إلى الرحيل عن بلادهم، أو غيره مما قد يشير إلى انشغاله بهمّ الأندلس أو دراسة التراث الأندلسي، وإنما يبدو اهتمام ستانلي بالقصيدة لأنها قصيدة إسلامية المحتوى بلسان أوروبي!

***
ومن المنصف القول إن وصف المخطوطات في الوقت الذي نُشرت فيه قصيدة ربضان، بُعَـيْد منتصف القرن التاسع عشر بقليل، لم يكن على النحو الذي اتضحت ملامحه بعد عقود: إذ إننا نعثر - بعد نصف قرن تقريباً من مقالة ستانلي- على وصف لاثنين من المخطوطات الأندلسية في المتحف البريطاني للمستشرق كرينكوف في مقال له بالفرنسية بعنوان: " المتحف البريطاني يحصل على مخطوطين عربيين حول إسبانيا الإسلامية"([35])، وهما الذيل والتكملة لكتابَيْ الموصول والصلة للمراكشي رقم or.7940، والإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب رقم or.8674، وقد سار كرينكوف في هذه المقالة على هدى إعداد الفهارس المفصّلة للمخطوطات العربية؛ من حيث التزامه بالحديث عن الوصف المادي للمخطوط: عدد الأوراق ومسطرة الورقة الواحدة، وأجزاء الكتاب الذي يضمه المجلد، واسم المؤلف وسلامة الصفحات وحال المخطوط العامة، كما أورد بعض ورقات من مخطوط الذيل فيه ترجمات لأشخاص يحملون اسم عبد الملك، منشورة باللغة العربية، ثم ذيّل وصفَه بخاتمة المخطوط منشورة أيضاً باللغة العربية، وكذلك فعل مع مخطوط الإحاطة في وصفه ونشر مقتطفات باللغة العربية منه. ولم يكتف كرينكوف بالوصف فقط، بل إنه أعطى تقييماً للكتابيْن في حال فكّر أحدهم بنشرهما؛ إذ قال عن الإحاطة إنها ليست في حال جيدة تماماً لتكون صالحة لإصدار طبعة محققة من الكتاب، بل إن هناك حاجة إلى مخطوطات أفضل حالاً لإعداد تلك الطبعة([36])، أما مخطوط الذيل والتكملة فقد ذكر أنه في حال جيدة جداً تسمح بأن يكون أساساً لطبعة محققة، على الرغم من وجود نسخ أخرى من الكتاب في المكتبة الوطنية بباريس وفي الإسكوريال([37]).

وهكذا فإن التعريف بالمخطوطات الأندلسية يلقي الضوء على ما كان مجهولاً منها، ويثير في الباحثين دوافع البحث والتنقيب مما ينعكس إيجابياً على الدراسات الأندلسية في بريطانيا.
ثم نشر هوبكنزJ. F. P. Hopkins في عام 1961 مقالة عن الشاعر الأندلسي ابن الحاج النميري([38])، أشار في مستهلها إلى مخطوط في المتحف البريطاني(or. 5670) من 32 ورقة بعنوان " كتاب قرائن العصر ومحاسن العصر في مديح أمير المسلمين أبي عبدالله بن نصر"([39]) منسوب إلى الشاعر الأندلسي إبراهيم بن عبدالله ابن الحاج النميري (توفي بعد 780هـ).
والمقالة في ذاتها ليست مخصصة للتعريف بمخطوط قرائن العصر الموجود في المتحف البريطاني، وإنما هي مخصصة للحديث عن حياة الشاعر ابن الحاج النميري وأعماله. لكن استهلال المقالة واختتامها بالإشارة إلى المخطوط في المتحف البريطاني، يميل بها إلى جعل هاتين الفقرتين في المقالة تعريفاً بالمخطوط وجذباً لانتباه الباحثين إليه؛ فقد عرّف الكاتبُ في مقدمة المقالة بالمخطوط: عنوانه ورقمه وعدد أوراقه، واختتمها بمقتبسات من فاتحة المخطوط وخاتمته، كما وصف نوع الخط وتاريخ النسْخ ومحتويات المخطوط.
وفي سنة 1962 نشر ليونارد باتريك هارفي - المهتم بالموريسكيين- مقالة يعرّف فيها بمخطوطة موريسكية في مجموعة جودولفين في أكسفورد([40])، والمخطوطة مدار المقالة هنا هي رسالةٌ في الدين والعقيدة الإسلامية، كتبها في الجزائر أحد الموريسكيين باللغة الإسبانية، وترجع إلى سنة 1620. وقد وصف هارفي المخطوطةَ وصفاً تفصيلياً وعرَضَ: عنوانها والسطور الأولى منها (فاتحة المخطوطة) بالحروف العربية وبالإسبانية، وتحدث عن محتوياتها التي تضم: المقدمة، وتفسير البسملة، وصفات الله تعالى، والصفات التي لا تنسب لله، ومعجزات محمد صلى الله عليه وسلم، وتفسير الشهادة، ثم الخاتمة.
ثم وقف الباحث عند مؤلف الرسالة محاولاً تحقيق اسمه ونسبة الرسالة إليه، ووصف نوع الخط الذي كتبت به الرسالة، وهو خط إسبانيّ من عصر النهضة الإسبانية، لكن بعض العبارات الإسلامية فيها كالبسملة مثلاً مكتوبة بالحروف العربية، وأشار إلى أخطاء الناسخ الإملائية التي تجعله يميل إلى الاعتقاد بأنه ليس على دراية جيدة باللغة العربية. ولم يقف هارفي في وصفه للمخطوطة عند هذا الحد بل نجده يصف أيضاً طريقة تجليد الكتاب. ثم ينتهي إلى ملحوظات عامة تُظهر أن المهاجرين الموريسكيين قد ظلوا على اتصال بإخوانهم المسلمين في تركيا([41]).
كما وصف هارفي في مقالة أخرى([42]) مخطوطة أندلسية تعود إلى القرن السابع عشر موجودة في المتحف البريطاني وُصفت في فهرس مخطوطات المتحف البريطاني بـ" كتاب الصلاة المحمدية بالعربية وبالخميادية"([43]) لكن المخطوطة نفسها غير معنونة وغير معزوّة، وتحتوي آيات قرآنية وتعاليم الوضوء والصلاة باللغة العربية، أما كيفية أداء الصلاة فمكتوبة باللغة الخميادية. وقد سار هارفي في التعريف بهذه المخطوطة على الخطوات التي وصف فيها المخطوطة السابقة، مع إضافة تاريخ اقتناء المتحف لها - سنة 1905- ثم عرض لتفاصيل المحتوى، وساق بعض الجمل من المخطوط مكتوبةً بالحروف العربية كما هي في النص الأصلي، أما النصوص الخميادية فكتبها بالحروف اللاتينية. ويحتوي الكتاب المخطوط مواضيع عن الوضوء والصلاة وأسماء الله الحسنى ودعاء التشهد ودعاء القنوت، يعرض هارفي منها عن الوضوء بضع أوراق كُتبت باللغة الخميادية " لكنه نشرها بحروف لاتينية"([44]).


*******
ونخلص مما سبق إلى أن عمل الباحثين البريطانيين في التعريف بالمخطوطات الأندلسية في المكتبات البريطانية محدود جداً، كما أنه يكاد يكون محصوراً في تراث الموريسكيين؛ وربما يرجع ذلك في حقيقة الأمر إلى اهتمام الباحثين أنفسهم بذلك المجال؛ كما هي حال ليونارد هارفي: فقد كانت أطروحته للدكتوراه عام (1959) في التاريخ الثقافي للموريسكيين، وكانت قائمةً على دراسة أحوالهم من المخطوطات الأندلسية. أما عناية ستانلي بنشر قصيدة محمد ربضان، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فما هو إلا بقيةٌ من أثر الاتجاه الرومانسي الذي ساد الدراسات الأوروبية وطبَعَها بطابعه منذ مطلع القرن التاسع عشر، حين كان لإسبانيا الإسلامية وتراثها الأندلسي جاذبية خاصة دفعت كثيراً من الباحثين إلى السعي وراءها واقتباس أنوارها.

مجموعة من المصادر الأندلسية
حققها الباحثون في العالم العربي عن نُسَخ موجودة في المكتبات البريطانية:

1. الإحاطة في أخبار غرناطة، للسان الدين بن الخطيب، تحقيق محمد عبدالله عنان، (ط2)، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1973.
2. البيان المُغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب، القسم الثالث تاريخ الموحدين، لابن عذاري المراكشي، عُني بنشره أمبروسي هويدي مرانده، مع مساهمة محمد بن تاويت الطنجي ومحمد إبراهيم الكتاني ، تطوان: دار كريماس للطباعة، 1960.
3. جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، للحميدي، مصر: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966.
4. جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس، للحميدي، تحقيق إبراهيم الأبياري، (ط2)، بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1983.
5. ديوان الأعمى التطيلي، ومجموعة من موشحاته، تحقيق إحسان عباس، بيروت: دار الثقافة، 1963.
6. ديوان ابن خفاجة، تحقيق السيد مصطفى غازي، الإسكندرية: منشأة المعارف، 1960.
7. ديوان ابن سهل الإشبيلي، تحقيق محمد فرج دغيم، (ط1)، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1998.
8. ديوان ابن سهل الأندلسي، تقديم إحسان عباس، بيروت: دار صادر، 1980. (تاريخ التقديم 1967).
9. ديوان أبي الحسن الششتري، تحقيق علي سامي النشار، (ط1)، الإسكندرية: منشأة المعارف، 1960.
10. ديوان المعتمد بن عباد ملك إشبيلية، جمع وتحقيق أحمد أحمد بدوي وحامد عبد المجيد، القاهرة: المطبعة الأميرية، 1951.
11. الذيل والتكملة لكتابَيْ الموضول والصلة، للمراكشي، السفر الثامن، تحقيق محمد بن شريفة، المغرب: مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية ، 1984.
12. قضاة قرطبة، للخشني القيرواني، عني بنشره وصححه ووقف على طبعه السيد عزت العطار الحسيني، 1373هـ.
13. المطرب من أشعار أهل المغرب، لابن دحية، تحقيق إبراهيم الأبياري وحامد عبد المجيد وأحمد أحمد بدوي، (ط1)، القاهرة: المطبعة الأميرية، 1954.
14. المقتبس من أنباء أهل الأندلس، لابن حيان، تحقيق محمود علي مكي، القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1971.
15. المقتبس في أخبار بلد الأندلس، تحقيق عبد الرحمن الحجي، بيروت: دار الثقافة، 1983.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ولذلك كان كتاب مختصر تاريخ الدول The History of the Dynasties لابن العبري (ت1273) من أوائل الكتب المنشورة في أوروبا عن تاريخ العرب. والمؤلف معروف في المصادر الغربية باسم Bar Hebraeus هو مؤلف مسيحي من أهل القرن الثالث عشر، توفي سنة 1273م . وقد نَشَر الكتابَ الهولنديُّ إربينوس في لَيْدَنْ سنة 1625 مع ترجمة لاتينية، ثم اهتم به المستشرق الإنجليزي بوكوك في أثناء إقامته في حلب؛ لأن مؤلفه اعتمد فيه على مصادر إسلامية لم تكن معروفة حينها في أوروبا، وقد نشر بوكوك كتاب ابن العبري سنة 1663 في أكسفورد (النص العربي وترجمة لاتينية). ونشره باللغة العربية الأب أنطوان صالحاني سنة 1898 ( والطبعة الثانية 1958). ينظر: ابن العبري، أبو الفرج جمال الدين (ت1273)، تاريخ الزمان، (ط1)، نقله إلى العربية: الأب إسحق رملة، بيروت: دار المشرق، (1991). (وكان قد نُشر في حلقات متتابعة في مجلة المشرق، 1949-1956، تحت عنوان: تاريخ الدول السرياني).

([2]) ظهرت جامعة أكسفورد بين عاميْ 1208-1209م، وجامعة كمبردج بدأت فعليا في 1231-1232م، وتأسست جامعة سانت أندروز في اسكتلندا عام 1214م، وجامعة لندن عام 1828م.

([3]) Wakefield, Colin (1994), Arabic manuscripts in the Bodleian library: The Seventeenth-century Collections. In: Russell G. A. (Ed.), (1994), "Arabick" Interest of the Natural Philosophers in Seventeenth-Century England. Leiden. New York. Koln: E. J. Brill, Pp.128 and p.134.
كان الدرويش أحمد يعمل في نسخ المخطوطات العربية ويتاجر بها بين الأعوام 1626-1638، وقد نَسَخ مجموعة من المخطوطات لصالح الهولندي يعقوب خوليوس J. Golius (ت1667) ولصالح بوكوك، وربما كان بوكوك قد تعلّم اللغة العربية على يديه في حلب، كما يُفهم من بعض رسائله التي كتبها الدرويش إليه وكان يخاطبه فيها بـ " تلميذي العزيز"، ينظر:
Toomer, G. J. (1996), Eastern Wisedome and Learning, Oxford: Clarendon Press, pp. 122-123
وهناك خمس رسائل من الدرويش أحمد محفوظة ضمن مخطوطات بوكوك في مكتبة بودليانا تحت رقم 432 (الأوراق 5-9)، ينظر: Wakefield, Colin (1994), Arabic manuscripts in the Bodleian library, p.142, no. 86.
وهذه الرسائل ملخصة وبعضها مترجم من العربية إلى الإنجليزية في:
Holt, P. M, Studies in the History of the Near East, (London, 1973), pp. 42-45.

([4]) G. J. Toomer, ‘Pococke, Edward (1604–1691)’, Oxford Dictionary of National Biography, Oxford University Press, 2004 -[http://www.oxforddnb.com.ezlibrary.ju.edu.jo/view/article/22430, accessed 14 May 2008 ]

([5]) Wakefield,Colin (1994), Arabic Manuscripts in the Bodleian Library, P.134.

([6]) Wakefield, Colin (1994), Arabic manuscripts in the Bodleian library, p.134.

([7]) ينظر لعناوين تلك المخطوطات ومؤلّفيها المصدر السابق:
Wakefield, Colin (1994), Arabic manuscripts in the Bodleian library, p. 135.

([8]) كان عنوان الترجمة باللاتينية لحي بن يقظان هو:
Philosophus Autodidactus sive Epistola Abi Jaafar Ebn Tophail de Hai ebn Yokdhan…, (Oxford: A. Hall. Academiae Typographus, 1671). ، وهو يعني "الفيلسوف المعلم نفسَه بنفسه".
ينظر الحاشية رقم1، ص 254 في:
Russell, G. A. (1994), The Impact of the Philosophus Autodidactus: Pocockes, John Locke and the Society of Friends, In: Russell, G. A. (Ed.), "Arabick" Interest of The Natural Philosophers in Seventeenth-Century England. (pp. 224-265). Leiden. New York. Koln: E.J. Brill.

([9]) وكانت بعنوان:
An Account of the Oriental Pohilosophy Shewing the Wisdom of some Renaumed Mer of the East. And Particularly the Profound Wisdom of Hai Ben Yakdhan Both in Matural and Devine Things, which he attained without all converse with men.
نقلاً عن: صالح، مدني (1981)، من ابن طفيل إلى دانيال دوفو، آفاق عربية، مج 6( 5-8): ص174.

([10]) ينظر الكتاب بالإنجليزية:
George Ashwell: The Hitory of Hai Eb`n Yockdan An Indian Prince: or The Self –Taught Philosopher, (London,1686).

([11]) وكانت بعنوان " ارتقاء العقل البشري" يُنظَر الكتاب بالإنجليزية:
Ockley, Simon (Tr.) (1708), The Improvement of Human Reason Exhibited in the Life of Hai Ebn Yokdhan, Translated from the original Arabick. London: Edm. Powell.

([12]) Wakefield, Colin (1994), Arabic manuscripts in the Bodleian library, p.137.

([13]) هذا الكتاب موصوف في فهرس الكتب العربية في المتحف البريطاني على النحو التالي:
Mahometism fully explained written in Spanish and Arabick, in the year M.DC.III (1603). For the instruction of the Moriscos in Spain by Mohamed Rabadan, an Arragonian Moor, Translated …by Mr. Morgan, 2 vols., (1723-25).  ينظر:
Ellis, A. G. (1967), Catalogue of Arabic Books in The British Library, London, Published by The Trustees of The British Museum, (First published 1894), vol. 2, p. 357.

[14] محمد بن ربضان " من أجلّ شعراء الموريسكيين شأناً…وقد وضع في سنة 1603 في شعر إسباني " تاريخ نسب محمد صلى الله عليه وسلم "… ضمّنه ما ورد في كتاب للحسن البصري عن النسب النبوي، ونظم كذلك " قصة فزع يوم الحساب"… و" أنشودة شهور السنة"… و" قصيدة أسماء الله الحسنى". ينظر: بالنثيا، أنخل جنثالث (1955)، تاريخ الفكر الأندلسي، (ترجمة حسين مؤنس)، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية (طبعة 2006). ص 582.

([15]) Harvey, Leonard Partick (1992), British Arabists and Al Andalus, Al Qantara, 13 (2), Pp. 427-428.

([16]) Harvey, L. (1962), A Morisco manuscript in the Godolphin collection at Wadham College Oxford, Al-Andalus, vol.27 (2), p. 461.

([17]) F. Krenkow (1930), Deux Nouveaux Manuscrits Arabes sur par le Musee Britannique, Hesperis, vol.10 (1-2), (pp. 1-5).

([18]) وهو نسخة السفر السادس من الكتاب، وقد نشر بتحقيق إحسان عباس، ينظر: المراكشي، أبو عبدالله محمد بن محمد بن عبد الملك (ت703هـ)، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، (ط1)، مجلدان، (تحقيق محمد بن شريفة)، الرباط: مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، 1984. ص 97

([19]) هذا المخطوط مذكور في دليل مواضيع المخطوطات العربية في المكتبة البريطانية:
Stocks, Peter (2001), Subject-Guide to the Arabic Manuscripts in the British Library, p.229 ، بعنوان مركز الإحاطة ويحمل الرقم نفسه (or. 8674) ، وهو " قطعة كبيرة من مركز الإحاطة للأديب المصري بدر الدين البشتكي، تحتوي على نصفه الأخير، وهو يضم تراجم مختصرة للكتّاب والأدباء والشعراء الذين وردوا بكتاب الإحاطة". ينظر: ابن الخطيب، لسان الدين محمد بن عبد الله (ت776هـ)، الإحاطة في أخبار غرناطة، (ط2)، 4 مجلدات، (تحقيق محمد عبدالله عنان)، القاهرة: مكتبة الخانجي، 1973 (الطبعة الأولى 1956). مج 1: ص 6، مقدمة التحقيق.

([20]) Ellis, A. G. and Edwards Edward (1912), A Descriptive List of the Arabic Manuscripts Acquired by the Trustees of the British Museum, London: Longman & Co.
وتضم هذه القائمةُ المخطوطاتِ العربية في مكتبة المتحف البريطاني منذ سنة 1894، وهي المخطوطات من رقم or. 4822 إلى مخطوط رقم or. 7764.

([21]) قام بعض الرهبان اللبنانيين بفهرسة المخطوطات العربية في مكتبات أوروبا مثل: فهرس مخطوطات فلورنسة الذي أعده اسطفان عواد السمعاني سنة 1742، وفهرس مكتبة الفاتيكان الذي أعده يوسف شمعون السمعاني 1756، وفهرس مكتبة الإسكوريال الذي وضعه ميخائيل الغزيري سنة 1760-1770. ينظر:
المنجد، صلاح الدين (1976)، قواعد فهرسة المخطوطات العربية، (ط2)، بيروت: دار الكتاب الجديد، ص41.

([22]) اللغة السريانية مكتوبة بحروف عربية.

([23]) المنجد، صلاح الدين (1976)، قواعد فهرسة المخطوطات العربية، ص42-43

([24]) Ellis, A. G. (1967), Catalogue of Arabic Books in The British Library, London: Published by The Trustees of The British Museum, (First published 1894)

([25]) ذكر جاينجوس في كتابه هذا بعض المخطوطات المترجمة إلى العربية، ومعظمها رسائل مكتوبة باللغتين العربية والإسبانية. وهي رسائل ومعاهدات سلام متبادلة بين المغرب وإنجلترا، وتعود هذه الرسائل والمعاهدات إلى سنة 1666، للتفاصيل ينظر:
Catalogue of the Manuscripts in the Spanish Language in the British Museum by Pascual de Gayangos, London, 1875-1877. p. 223.

([26]) دوزي، رينهرت (1978)، تكملة المعاجم العربية، 5 مجلدات، نقله إلى العربية د. محمد سليم النعيمي، الجمهورية العراقية: وزارة الثقافة والفنون، سلسلة المعاجم والفهارس، ج1 مقدمة الترجمة، ص 6

([27]) دوزي، رينهرت (1978)، تكملة المعاجم العربية، ج1، ص 29-48

([28]) ينظر في أعمال دوزي ومؤلفاته: تكملة المعاجم العربية، ج1، مقدمة الترجمة، ص6- 8

([29]) ظهرت الطبعة الثانية من الكتاب سنة 1909 ثم نفدت فأعدّ بروكلمان ملحقاً ضخماً في ثلاثة مجلدات ظهرت بين 1937-1942، ونفدت تلك الطبعة أيضا، فأعيد طبع الملحق وأعيد طبع الأصل وكانت طبعته الأخيرة بين 1943-1948، ينظر: بروكلمان (1992)، تاريخ الأدب العربي، الإشراف على الترجمة العربية محمود فهمي حجازي، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 17.

[30] ينظر القائمة في نهاية البحث لبعض المصادر الأندلسية التي حققها باحثون عرب عن نسخ موجودة في المكتبات البريطانية.

([31]) Harvey, Leonard Partick (1992), British Arabists and Al Andalus, Al Qantara, 13 (2), Pp. 427-428.

وهي المخطوطة التي كان جوزيف مورغان الموظف القنصلي البريطاني قد اقتناها في أثناء رحلة له إلى تونس، وكانت بعنوان: Discurso de la luz y descendecia y lingage claro de nuestro…Propheta Mohamed وهذا المخطوط موجود الآن في المكتبة البريطانية.

([32]) Stanley, H. E. (Lord Stanley of Alderley) (1872), The Poetry of Mohamed Rabadan, of Aragon, Journal of Royal Asiatic Society, vols. 3- 6, 1868, p. 81, vol. 4, 1869, pp. 138-177, and vol. 6, 1872, pp. 165-212.

([33]) Stanley, H. E. (Lord Stanley of Alderley) (1872), The Poetry of Mohamed Rabadan, of Aragon, Journal of Royal Asiatic Society, vol.6 (306), p. 211-212.

([34]) Ibid, p.212

([35]) F. Krenkow (1930), Deux Nouveaux Manuscrits Arabes sur par le Musee Britannique, Hesperis, vol.10 (1-2), (pp. 1-5).

([36]) F. Krenkow (1930), Deux Nouveaux Manuscrits Arabes, p.5.

([37]) F. Krenkow (1930), Deux Nouveaux Manuscrits Arabes, p.1.

([38]) J. F. P. Hopkins (1961), An Andalusian Poet of the Fourteenth Century: Ibn Al-Hajj, The Bulletin of SOAS, Vol. 24, pp. 57-64.

([39]) قرأ عبد الحميد عبد الله الهرامة عنوان الكتاب "مزاين القصر ومحاسن العصر" بناء على المخطوطة نفسها وأن (قرائن) مفردة ليست من زمن الشاعر، إلى جانب السياق التاريخي الذي يفيد بأن الكتاب ربما كان استجابة لمطلب سلطاني يقضي بتزيين قصر الحمراء، فكان موضعاً لتنافس الشعراء ومنهم ابن الحاج النميري. ينظر:
الهرامة، عبد الحميد عبدالله (2003)، ديوان إبراهيم بن الحاج النميري، أبوظبي: المجمع الثقافي. مقدمة التحقيق ص 24-25. وقد نشر المحقق في هذا الديوان قصائد الشاعر في " مزاين العصر".

([40]) Harvey, L. P. (1962), A Morisco manuscript in the Godolphin collection at Wadham College Oxford, Al-Andalus, vol. 27 (2), pp.461-465.

([41]) Harvey, L. P. (1962), A Morisco manuscript in the Godolphin collection, pp. 462-465.

([42]) Harvey, L. P. (1964), A Morisco Prayer-book in The British Library Museum: MS. Or.6640. Press Mark: 30, B. A., al-Andalus, (29), pp.373-376.

([43]) وهي موصوفة وصفاً مختصراً في قسم الصلوات " Prayers" في:
Ellis, A. G. and Edwards Edward (1912), A Descriptive List of the Arabic Manuscripts Acquired by the Trustees of the British Museum, London: Longman & Co. Prayers, P. 16.

([44]) Harvey, L. P. (1964), A Morisco prayer-book in The British Library Museum, pp. 374-376.

الاثنين، 4 أكتوبر 2010

"هنا يسكن قلبي" ..في أمسية موسيقية أندلسية

كان محبّو الموسيقا في أبو ظبي على موعد مساء السبت 3/10/2009 مع أمسية موسيقية أندلسية (عربية-إسبانية) قدَّمتْها هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث على هامش مؤتمر "لماذا نصون تراثنا الموسيقي للمستقبل؟" الذي نُظِّم بمناسبة انطلاق (مركز العين للموسيقى في العالم الإسلامي).
وفي تلك الأمسية أطربتْ الفنانة وعد بوحسون بأناملها العذبة وصوتها الشجيّ جمهورَها، على نغمات العود بكلماتٍ منتقاة بعناية من أجمل ما جاد به كبارُ شعراء الأندلس، وقد رافقها في هذه التحفة الفنية المتألقة مغني الفلامنكو "كرو بينانا" بمصاحبة العازفيْن "كارلوس بينانا" و"ميجل آنجل أورينجو" لتملأ ألحانُهم أجواءَ المسرح، وتتردد في جنباته الأشعارُ العربية باللغة الإسبانية، في مشهد احتفالي استغرق ساعة من الزمان، كان قطعةً من حلمٍ مرَّ سريعا وما بقي منه إلا حلوُ مذاقه يحدّث عن أخباره!


…لا يستطيع المتابعُ لهذه الأمسية، التي حضرتْ فيها الأندلسُ بقوة، إلا أن يرى في الأندلس ما يرفضه بعضُنا، بدعوى جلد الذات ومحاكمة التراث وإعادة قراءة تاريخنا من جديد والنظر إليه بعينٍ لا تغضُّ الطَّرْفَ عن أيٍّ من عيوبه؛ فالأندلس تظل صفحة مضيئة في تاريخ صلة الشرق بالغرب، حتى وإن عكَّرتْ صفوها بعضُ نقاطٍ قاتمة هنا وهناك.


يشهد على ذلك هذه الأمسية الموسيقية التي كان جمهورها خليطاً من الناس، جمعتْهم -على اختلاف ألسنتهم وألوانهم- الأندلسُ والموسيقا بحضورها القوي على أرض الإمارات: الإمارات التي نرى فيها أندلساً جديدةً بوجهٍ من الوجوه في احتضانها هذا التنوع الثقافي والحضاري، البشري واللغوي على أرضها. ويشهد على ذلك أيضاً ما نراه اليوم وقبل اليوم من إنزال التجربة الأندلسية منزلتها من الحضارة الإنسانية لدى كثير من الباحثين المنصفين في الغرب قبل الشرق؛ إذ كانت الأندلس مثالاً قلَّ نظيرُه في التعايش بين الناس، سواء على مستوى تفاصيل الحياة اليومية أو على المستويات الحضارية والعلمية الأخرى.


ولم يمنع الاستمتاع بأجواء الأمسية الموسيقية الأندلسية، من الإحساس بذلك التناغم الذي خلقه الغناءُ بالعربية حيناً وبالإسبانية آخر… مرةً على نغمات العود ثم أخرى على نغمات القيثارة ومعازف أخرى كانت حاضرةً بنعومة في ألحان الفلامنكو، في مزيجٍ سحري بين الشرق والغرب.


لقد كانت تلك اللحظات، التي عشناها في مسرح الظفرة في المجمع الثقافي بأبو ظبي، بعضاً مما عرفَتْه الأندلس في عالم الموسيقا والغناء الذي أبدع الفن الجديد الذي ندعوه "الموشحات الأندلسية". ولئن اختلفت آراءُ الباحثين واتجاهاتهم في تحديد أصول الموشحات الأندلسية ما بين الشرق والغرب، فإنه لا يمكن إنكار أن هذا الفن الجميل يحمل المذاقيْن في الآن نفسه، ولا مفر أمامنا من الإحساس بمزيجٍ خاص يجعل للموشحات الأندلسية طعمها، وللأشعار الأندلسية حين تُغَنَّى بمصاحبة الموسيقا (الشرقية والغربية) مذاقاً يعرفه كل من يقدر على ملاحظة أثر المغرب في المشرق، بما ينهض دليلاً على تميّز التجربة الأندلسية في التعايش الحضاري والتنوع الثقافي.


ولا تخلو تجربة التعايش مع الآخر في الأندلس من عيوب اقتضتها طبيعةُ النفس البشرية؛ إذ كان من المستحيل - في الأندلس كما في غيرها- أن تكون تجارب المسلمين في صلتهم بالآخر على صعيد واحد، بل إن هذه التجارب متفاوتة من عصر إلى عصر وفق طبائع الأمور.


ولو نظرنا إلى أمثلةٍ بسيطة من الصلات بالآخر التي تمتلئ بها مصادر التاريخ الأندلسي، لوجدناها من الكثرة بحيث تدل على ما وصلت إليه النظرة المنفتحة لدى المسلمين في تلك الديار تجاه الآخر، وما التعامل اليومي في مناحي الحياة المختلفة بين المسلمين وغيرهم هناك: كالبيع والشراء، والعمل، والزواج، وعلاقات الجوار، والمناسبات الاجتماعية والدينية، والموسيقا والرقص والغناء، وتولّي مناصب رفيعة المقام في الحكومة الإسلامية…وغيرها مما يصعب استقصاؤه - إلا أمثلة على ما كانت عليه صلةُ المسلمين في الأندلس بغيرهم على تلك الأرض من المسيحيين واليهود. هذا إذا أخذنا في الحسبان أن منطق التعايش واحترام الآخر الذي يطغى في عالمنا المعاصر، لم يكن متداولاً في الأزمان الماضية، وما كان مفهوماً لأهل تلك الأزمان كيف يمكن قبول الآخر المختلف دينياً بالدرجة الأولى.


فشكراً لهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث على تلك الأمسية الأندلسية الرقيقة التي أهدتْنا سكوناً في أرواحنا بقدر ما أثارت من شجون وذكرى.

الأحد، 3 أكتوبر 2010

خطبة 5: الرحلة بين الأمس واليوم



الخطبة ( 5 ) 
الهدف: نوِّع الصوت

الرحلة بين الأمس واليوم

...أشعث أغبر... مهلهل الثياب...تكاد لا تتبيَّن ملامـحه...هكذا كانت حال المسافر قديماً كما صوَّرَتْـها الكتب لنا، كان المسافر أو الرحالة يسمع بأقصى الأرض وأدناها فيعزم أمره على أن يضرب في الأرض تجوالاً وسفرا، فكيف كان يستعد لمثل ذلك الأمر؟ وكيف يستعد المسافرُ اليومَ لمثله؟ 
..كان المسافرُ يسمع بالبلاد الأخرى وآثارها وسكانها، لكنه كان يرسم لها صورة في ذهنه ليقرّبها إلى نفسه، وليس في ذهنه عنها إلا ما يجودُ به خياله ..وقراءاته..لا صورة (فوتوغرافية) ولا تقارير (تلفزيونية) ولا رحلات (افتراضية).
واليوم.. معظمكم عاد من الإجازة الصيفية وفي جعبته أخبار من رحلة قضاها هنا أو هناك برفقة الأهل أو الأصدقاء. فكيف كان استعدادكم للسفر؟
..هناك تفاصيل في حياتنا اليومية لا نتوقف عندها طويلاً بحكم الاعتياد والألفة، لكنها في الحقيقة -وفي موضوع السفر خاصة- تفاصيل مثيرة ، ولو تخيلتَ أنكَ تحدِّث بأخبارها إنساناً من القرون الخالية لظنَّ أن مساً من الجنون أصابك أو أنك على رأي المصريين (تاكل بعقله حلاوة)!
فنحن في هذا الزمان نعرف قبل أن نسافر إلى أي بلد صورةَ تلك البلاد، وهي متاحة لنا بوسائل عديدة، نشكر عليها العم (جوجل إيرث)؛ الذي جعل من الأماكن والطرق المؤدية إليها وخرائط تحديد المواقع وغيرها...بين أيدينا.
ثم إننا يمكن لنا كذلك أن نجلس إلى الحاسوب، في البيت ونقوم بعمليات الإعداد للسفر جميعها قبل أن نسافر: نشتري التذاكر.. ونختار أماكن الإقامة ابتداء من الغرف والشقق والمرافق الصحية ..ونعاينها بالصور العادية أو الزيارة الافتراضية .. وربما في المستقبل نتمكن من معاينة حتى مرتبة السرير أمريحة هي أم لا؟ 
كما يمكن لنا اليوم أن نعرف الأماكن المحيطة بالمكان الذي سننـزل فيه أثناء السفر من مطاعم وأماكن للتسلية والترفيه ومواقع تاريخية...وغيرها مما يستحق الزيارة.
ويتاح لنا اليوم أيضاً فرصة قراءة آراء الناس الذين زاروا تلك الأماكن ونزلوا فيها، فنستفيد من تجاربهم ونسترشد بآرائهم في اختيار المكان الملائم للإقامة أو لبدء الرحلة... أو اختيار وسائط النقل المناسبة... وغيرها من خيارات لا تنتهي يحتار المسافر أيها يسلك.
إننا اليوم نسافر إلى أي مكان في الدنيا ونحن نعرف عنه كل شيء تقريبا ..وقد خبِرْنا ربما أهله ومأكولاته وما يمتاز به ..وبقي علينا فقط أن نوجد في المكان نفسه على الحقيقة لا على الافتراض، وأن نشتمَّ روائحه التي لا تستطيع الصور المتوافرة حتى الآن أن تحتفظ بها وتنقلها لنا.
فهل فقدْنا في رحلاتنا اليوم متعة الاكتشاف وروعته التي كان المسافرون قبل عصر الصورة يعيشونها؟!؟ وهل فاتتْنا التفاصيلُ الصغيرة التي كانوا يعيشونها في أثناء رحلة السفر وعند الإقامة في الأماكن الجديدة؟
فهل كان خطَرَ في بال ابن بطوطة مثلا –قبل نحو 600سنة تقريبا- وهو ينوي زيارة بيت الله الحرام ..هل خطر بباله أننا اليومَ نرى الحرم كل لحظة وفي كل حين، وأننا نسمع صوت المؤذن فيه لكل صلاة من صلوات اليوم والليلة، ونستمتع بجولة افتراضية فيه يحملها إلينا الإنترنت والفضاء الرقمي الذي طوى المسافات وقدم لنا الأماكن على طبق من فضاء..
ومع ذلك كله فما زال السفر والترحال قادراً على أن يمنحنا متعة الانتقال ودهشة الحضور وروعة التواجد .. في أماكن جديدة برفقة أناسٍ آخرين؛ فالناس مختلفون باختلاف بقاع الأرض، والناس وحدهم هم الذين يضيفون تلك النكهة المميزة على المكان الذي نزوره في أي بقعة كان.

قال الشافعي :
سافِـرْ تجد عِوَضاً عمن تفارقهُ
وانْصَبْ فإنَّ لذيـذَ العيشِ في النَّـصَبِ
إني رأيتُ وقوفَ الماءِ يفسده
إنْ سالَ طابَ، وإنْ لم يَـجْـرِ لم يطبِ
والشمسُ لو وقفتْ في الفُلْكِ دائمةً
لَـمَـلَّها الناسُ من عجـمٍ ومن عربِ

الجمعة، 25 يونيو 2010

اللغة العربية في أكسفورد: حديث البدايات


منشور في الملحق الثقافي جريدة الدستور (الأردن) الجمعة 25/6/2010 

تزهو كثيرٌ من الجامعات الأوروبية بتاريخها العريق في تدريس اللغة العربية منذ قرون، لكن مئات السنين من تدريس اللغة العربية في الجامعات الأوروبية لم تكن حافلة جميعها بما نعرف اليوم من إجراءات تدريس اللغات؛ فقد كانت الجامعات الأوروبية ما تزال غضّة العود، وكانت الأنظمة والمناهج والأساتذة والطلبة... وحتى المباني الجامعية ما تزال هي الأخرى في طور نشأتها، هذا إذا لم نغفل عن جانب مهم وهو أن التعليم في ذلك الحين لم يكن منتشراً إلا بين جدران الأديرة وقصور الأغنياء.
لقد بدأ إنشاء الجامعات الأوروبية على نطاق محدود في القرن الثاني عشر تقريباً، على غرار كثير من الأنظمة التعليمية المتبعة في الجامعات الإسلامية منذ القرن التاسع على الأقل، وكانت مناهجها عادةً تنحو نحو الدراسات "الكلاسيكية" واللاهوتية، أما تدريس العربية في أوروبا الذي يمكن أن يكون بداية التأريخ الحقيقي للاستشراق فيعود إلى القرار الذي أصدره مجمع فيينّا الكنسي أوائل القرن الرابع عشر، ويدعو إلى تدريس اللغات الشرقية -ومنها العربية- في جامعات باريس وأكسفورد وبولونية وشلمنقة، استجابةً للدوافع الدينية وتحت تأثير ازدهار دراسات الكتاب المقدس، إلى جانب دوافع أخرى لا تقلّ عنها أهمية.
كانت أكسفورد إحدى الجامعات التي شملها القرار، ومن منا لم يسمع بأكسفورد؟ وهي أقدم الجامعات على الإطلاق في العالم الناطق بالإنجليزية، وتتمتع بسمعة علمية ومكانة رفيعة على مستوى العالم منذ مئات السنين، وهي في نفوس طلبة العلم -حتى اليوم- حلمٌ عزيزُ المنال لا يقدر على تحقيقه إلا المتميزون.
بيد أن بدايات تدريس اللغة العربية في هذه الجامعة كانت من الأمور الطريفة، شأن كل البدايات تأتي من مستصغر الشرر، لكنها مع ذلك تدعو حقاً إلى التأمل في الجهد الذي بذله أهلُ الجامعة، من الأساتذة والإداريين، حتى نالت سمعتَها تلك على مستوى العالم.
************
ظهرت أكسفورد أول أمرها في القرن الثاني عشر، وهي واحدة من الجامعات الأوروبية التي نـمَتْ تلقائياً من مدارس وكليات كانت موجودة من قبل، وكان مما ساهم في نموها منعُ الطلبةِ الإنجليز سنة 1167 من الالتحاق بجامعة باريس، التي كانت مقصدهم للدراسة، فعاد الطلبةُ أدراجهم واستقروا في أكسفورد. وهي تضم أقدم مكتبة في بريطانيا، مكتبة سانت ماري التي بنيت عام 1320 ثم تحولت إلى مكتبة بودليانا الشهيرة.
ولكنْ حين صدر قرار مجمع فيينّا يبدو أنه لم يؤخذ على محمل الجد ولم يوضع موضع التنفيذ في أكسفورد أول الأمر؛ واستمر ذلك حتى تأسيس كرسي اللغة العربية في الجامعة سنة 1636، الذي جاء بعد أربع سنوات على تأسيس كرسيٍّ مماثل في جامعة كامبردج المنافسِة.
وتنبغي الإشارة إلى أن عدداً من الملحوظات يجب أن تحضر في البال حين الحديث عن تدريس العربية في أكسفورد، منها ملحوظة عامة وهي أن تدريس اللغة العربية هناك أو اللغات الشرقية عامة لم يكن يعني –كما يعني اليوم- الحصول على درجة جامعية في مثل هذا التخصص؛ لأن ذلك لم يكن ممكناً في إنجلترا حتى سنة 1873 حين منحت كامبردج مثل هذه الدرجة.
ومن الملحوظات كذلك أنه كان من المعتاد للأستاذ الذي يشغل كرسي العربية أن يبقى بلا محاضرات وبلا طلبة مدةً من الزمن قد تمتد لسنوات؛ ففي ذلك الوقت لم يكن من وظيفة الأساتذة الأساسية تعليم الطلبة، بل كان الأساتذة عادة ما ينهمكون في بحوثهم الخاصة، ويصرفون جلّ اهتمامهم ومعظم وقتهم في الإفادة من المصادر والكتب العربية المتاحة.
وتثير الملحوظة الثالثة قدراً من التساؤلات عن أعداد الطلبة الذين أقبلوا على دراسة اللغة العربية، والمواد والمناهج التي اعتمدوا عليها في دراستهم، والأساتذة الذين اضطلعوا بأعباء تدريس العربية في أرضٍ غير أرضها ولغير أبنائها وفي زمن غير زماننا... زمن لم تكن فيه القواميس والمعاجم متوافرة للطالب كي تُعِـينَه على تعلُّم اللغات، ولا كتب مطالعة أو غيرها من أدوات ووسائل يستعين بـها طالبُ العربية غير العربي على تعلُّم هذه اللغة. في زمن كانت فيه صناعةُ النشر وطباعة الكتب ما تزال حديثة نوعاً ما، وخاصة ما يتصل منها بطباعة الحروف العربية التي ظهرت في ثمانينات القرن السادس عشر، وفي زمنٍ كانت الكتبُ فيه تُربَط بالسلاسل على نحوٍ معين في مكتبات الأديرة، وفي زمنٍ لم تكن المكتبات الجامعية أو العامة قد تأسست بعدُ، وكانت الكتب في أغلبها ذات مواضيع دينية، وفي زمن كانت فيه نسبة القراء ما تزال محدودة جداً ومحصورة في طبقات بعينها.
ويضاف إلى هذا كله، أنه على الرغم من تأسيس منصب كرسي اللغة العربية في أكسفورد منذ القرن السابع عشر، إلا أن تأسيس كلية منفصلة للغات الشرقية جرى أواخر القرن التاسع عشر، وأصبحت بعد الحرب العالمية الثانية كليةً للدراسات الشرقية، من أجل توسيع نطاق الاهتمام ليشمل التاريخ والثقافة وسواهما من آثار الشرق لا اللغات والآداب فقط.
ومع ما قد تشير إليه مثل هذه التفاصيل من ضعف تدريس العربية في أكسفورد، عكس الصورة التي نتخيلها، إلا أن القرن السابع عشر مع هذا كله كان عصراً ذهبياً للعربية بلا منازع في تاريخ الاستشراق في إنجلترا تحديداً، ممثلاً في جامعتيْها آنذاك: كامبردج وأكسفورد. فحين أطل القرن السابع عشر -قبل نحو أربعمائة سنة- لم يكن في أكسفورد ما يكفي من استعدادات لتدريس اللغة العربية، لكن العمل على إعادة تفسير الكتاب المقدس من جديد -إبّان حركة الإصلاح الديني- دفع إلى قراءة نصوصه المكتوبة بالعبرية، فوجد اللاهوتيون أن العربية تمدُّ لهم يد العون في فهم العبرية. فكان مبتدأ أمر الاعتناء بمعرفة اللغة العربية.
*************
من اللافت للنظر أن اهتمام أوروبا الشديد بمعرفة اللغة العربية والاطلاع على آثار العرب المكتوبة كان من ورائه أحياناً بعضُ الشخصيات المشرقية التي ساهم حضورها على مسرح الاستشراق في دفع تعليم العربية في أوروبا، ولها كذلك فضلٌ كبير حتى اليوم؛ ذلك بأن من المظاهر المهمة في عالم الاستشراق دخول العرب والشرقيين أنفسهم في الهيئات التدريسية في الجامعات الأوروبية، مما أثَّر في تنشيط تدريس الإسلام واللغة العربية.
 وكان من تلك الشخصيات في أكسفورد يوسف "أبو ذقن" القبطي المصري، الذي قدِمَ إليها سنة 1610 وطال مقامه فيها لثلاث سنوات، وكان أول مَن علَّم اللغةَ العربية هناك، وهو من الشخصيات الشرقية المثيرة؛ فقد كان عددٌ من الرهبان اللبنانيين قد زاروا أوروبا من قبل، لكنهم لم يتجاوزوا -إلا نادراً- في مقامهم مدينة روما مقر البابوية، ولم يرتحلوا أبعد منها، لكن "أبو ذقن" اتخذ من روما منطلقاً لتنقلاته في القارة الأوروبية، متخِذاً من تدريس اللغات الشرقية وسيلةً يعرض بـها خدماته على (مضيفيه) في البلدان الأوروبية.
وقد أسعده الحظ أن كانت رحلته إلى أوروبا قد وافقت بدايات القرن السابع عشر الذي شهد نمو الاهتمام بمعرفة اللغات الشرقية، التي كان المسيحيُّ الشرقي فيها موضع ترحيب وإجلال في أوروبا بسبب معرفته اللغة العربية.
كان يوسف "أبو ذقن" قد وصل روما سنة 1595 وفيها تحول إلى الكاثوليكية وتعلم الإيطالية وأتقنها، وتعلَّم كذلك اللاتينية واليونانية، ومن روما انتقل بعد سنوات إلى بلدان أوروبية عديدة، عمل فيها معتمداً على معرفته باللغات الشرقية التي لم تكن كافية على أي حال. وقد سنحت له الفرصة في البلدان الأوروبية التي زارها أن يلتقي عدداً من المستشرقين المعروفين، فقد انتقل من روما إلى باريس مترجماً في البلاط الملكي، والتقى هناك بالهولندي إربينوس سنة 1609، والتقى كذلك بالفرنسي إسحق كازوبون أمين المكتبة الملكية، واستيفان هوبرت طبيب الملك هنري الرابع، الذي كان مهتماً باللغة العربية كونه يعمل طبيباً...وقد وجد هؤلاء في "أبو ذقن" فرصة مواتية لا تصحّ إضاعتها لتعلّم العربية حتى وإن كانت بالعامية!!
استطاع "أبو ذقن" بفضل مواهبه أن يحصل من باريس على توصية من أجل الذهاب إلى إنجلترا، وهو أمر متعارف عليه في أوروبا آنذاك وحتى اليوم، وقد حمل توصية أخرى من أسقف كانتربري في إنجلترا، ومن أمين مكتبة أكسفورد (بودليانا) توماس بودلي، الذي كان متحمساً لكي يعمل "أبو ذقن" في تدريس العربية في الجامعة. وكانت مكتبة بودليانا مثلاً حين تولى أمرها بودلي هذا سنة 1600 غرفةً واحدةً فقط، وليس فيها كتاب بأي لغة قط؛ بسبب الاضطرابات الدينية التي أصابت البلاد منذ منتصف القرن السادس عشر!!، لكنْ حين عادت المكتبة وفتحت أبوابها من جديد سنة 1602 كانت تضم مخطوطة شرقية واحدة هي نسخة من القرآن الكريم، أما في نهاية القرن السابع عشر فقد ازدادت مقتنياتها الشرقية في مختلف حقول المعرفة إلى نحو ألف وأربعمائة كتاب.
ومن المثير أن نعرف أن يوسف "أبو ذقن" قد قدَّم بعض الدروس في تعليم العربية، لكن اللغة العربية التي أعطاها لبعض الطلبة في أكسفورد كانت العامية المصرية؛ إذ إنه لم يكن يتقن الفصحى ولا يملك من أمرها شيئاً، وهذا ظاهر جليّ في بعض رسائل له ملآى بالأخطاء من كل نوع، كتَبَها بخط يده غير الرشيق وبأسلوبه الركيك، أرسلها إلى المستشرق ويليام بدويل في أكسفورد، وظاهرٌ كذلك في رسائل أخرى متبادلة بينه وبين المستشرق الهولندي توماس إربينوس.
أمضى "أبو ذقن" في إنجلترا ثلاث سنوات تقريباً درَّس فيها العربية لبعض المهتمين، لكننا لا نعرف من هم هؤلاء، ولا تسعفنا الوثائق القليلة الموجودة في تبيان أعدادهم، فهو يشير في رسالةٍ إلى إربينوس إلى أن لديه بعض مَن يدرّسهم العربية، لكنه لا يذكر سوى واحد منهم كان قد وصفه أنه عالمٌ بكثير من العلوم والألسن، هذا إلى جانب أنه ليس هناك ما يؤكد عدد الدروس والمحاضرات التي ألقاها فعلاً وماذا قدم فيها، ويظهر من بعض رسائله الأخرى أنه أمضى معظم وقته في لندن لا في أكسفورد، مما يجعل عمله الفعليّ هناك موضع نظر.
*********
ثم غادر "أبو ذقن" إنجلترا سنة 1613 ولم يعد إليها، وحين ترك أكسفورد بقيت الجامعة دون دروس في اللغة العربية لثلاث عشرة سنة، حين قدوم أستاذ الرياضيات الألماني ماتياس باسُرْ، الذي كان قد نُفي من ألمانيا بسبب الحرب، وانتقل إلى ليدن، حيث أمضى بصحبة إربينوس شهراً تعلَّم فيه اللغة العربية، ومن ليدن قدِم إلى إنجلترا سنة 1624، ثم غادرها إلى باريس في عملٍ قصير، وقد استغل وجوده هناك في تعلّم العربية لبضعة شهور على يد أحد الرهبان اللبنانيين وهو جبرايل الصهيوني.
 ثم عاد ماتياس باسُرْ ثانية إلى إنجلترا فألقى بعض المحاضرات العامة في أكسفورد عن أهمية تعليم اللغة العربية لفائدتها في دراسة الكتاب المقدس، فهي برأيه ابنة العبرية، هذا إلى جانب انتشارها الجغرافي الواسع؛ إذ كانت العربية في ذلك الزمان لغة الأرض من الهند حتى المغرب، وعلى ذلك فمعرفتها ضرورية من أجل الحوار مع الشرقيين وتفنيد معتقداتهم! ومعرفتها مفيدة كذلك لطلبة العلم؛ لأن معظم مصنفات الطب والرياضيات والفلسفة ... مكتوبةٌ بها. كما قدّم باسُرْ مجموعةً من الدروس في تعليم العربية، اعتمد فيها على كتاب (النحو العربي) الذي وضعه إربينوس، وكتاب (الأمثال العربية) التي نشرها إربينوس كذلك.
ولكن ألا يحق لنا أن نتساءل: ما هو نوع تعليم اللغة العربية الذي يمكن أن يقدمه أستاذٌ تعلَّمَ اللغة العربية في شهر واحد بصحبة إربينوس؟ وإربينوس نفسه هو المستشرق الذي تكشِف بعضُ رسائله التي كتبها بالعربية عن محدودية إتقانه لها. وما هو نوع العربية التي يمكن أن يقدمها مَنْ تعلَّمَها في بضعة شهور على أحد الرهبان اللبنانيين في باريس؟ يبدو أن ماتياس باسُرْ -حسب رأي بعض المؤرخين- كان مستعداً للقيام بتدريس أي موضوع يمكن للجامعة أن تسمح له بتدريسه، سواء أكان في الرياضيات أو اللاهوت أو الجغرافيا أو الفلسفة أو اللغات الشرقية.
 إلا أن عمله في تدريس العربية في أكسفورد لم يكن سيئاً على أي حال؛ إذ قام مثلاً بتعداد الكتب العربية الموجودة في مكتبة بودليانا، وهذه المحاولة من جانبه تقفنا على فقر المكتبة في ذلك الوقت وعدم كفايتها لتكون مُعِيناً له أو لغيره في تدريس العربية تماشياً مع قرار فيينّا السابق ذكره. وجدير بالذكر أن ماتياس باسُرْ قد طالَب بتأسيس كرسيٍّ دائم للغة العربية في أكسفورد، لكن طلبه لم يلق تجاوباً حينها، فسبَـقَـتْها إلى ذلك جامعةُ كامبردج.
ثم غادر باسُرْ أكسفورد إلى جروننخن سنة 1629، وعمل فيها أستاذاً للفلسفة حتى وفاته بعدها بنحو ثلاثين سنة،لم يُعرف عنه خلالها أنه اهتم بالدراسات الشرقية أو باللغة العربية!! فعادت أكسفورد بعد مغادرته إلى ما كانت عليه قبل وصوله؛ إذ لم يكن هناك استعداد كافٍ لتدريس العربية، ولا مصادر كافية مطبوعة أو مخطوطة.
********
أما المرحلة التي شهدت نموَّ الدراسات العربية في أكسفورد، فتبدو في العمل الذي أنجزه رئيس الجامعة الأسقف وليام لود الذي تولى رئاستها بين 1630-1641 ومنَحَ الدراسات الشرقية فيها الكثير مما أينعت ثماره لاحقاً: فقد أولاها عناية خاصة مع أنه لم يكن مستشرقاً، لكنّ الصداقات التي جمعتْه مع عدد من المستشرقين جعلتْه يهتم بالدراسات الشرقية، وتجلى هذا الاهتمام في إنشاء كرسي العربية في الجامعة -الذي ما زال يحمل اسمه-، والعملِ على جمع المخطوطات الشرقية، التي كانت سبباً فيما تلا من اعتناءٍ بدراسة اللغة العربية وازدهارٍ لها في أكسفورد. ونجح في استصدار قرار ملكي يقضي بألا تعود أي سفينة من المشرق إلا وهي تحمل مخطوطة شرقية واحدة على الأقل، بالعربية أو بالفارسية، غير القرآن الكريم الذي تتوفر المكتبةُ على نسخٍ عديدة منه. كما عمل أيضاً على ابتعاث بعض المستشرقين إلى الشرق في سبيل هذا الهدف، وقد نجح في مسعاه، فكانت المخطوطات التي جمعوها نواة المجموعة الشرقية في بودليانا، وكانت أولاها مجموعةُ لود نفسه التي تضمنت 127 كتاباً عربياً. وقد فكر لود بتأسيس مطبعة للكتب الشرقية في أكسفورد التي كانت ما تزال تعتمد على غيرها من المطابع الأوروبية لطباعة الحروف العربية أو القيام بذلك بخط اليد مثلاً.
وكان لود قد عمل كذلك على إقرار تعليمات صارمة نوعاً ما بشأن تعليم اللغة العربية، منها إجبار طلبة البكالوريوس من مختلف التخصصات على حضور محاضرةٍ في اللغة العربية مرة في الأسبوع، هذا إلى جانب فرض غرامة مالية على كل طالب يتغيب عن تلك المحاضرات، وتُستعمل هذه الغرامات في تزويد المكتبة بكتب عربية.
ولا ينبغي أن تكون تلك التعليمات مستغربة لديكم -أيها القراء- لأن اللغة العربية في ذلك الزمان كانت لغة مصنفات العلوم البحتة والتطبيقية، وكانت تلك المصنفات قد بقيت مناهجَ للتدريس في الجامعات الأوروبية لعدة قرون، إلى أن استوت ثمار النهضة الأوروبية على سوقها، فأنكرت فضل من سبقها من حضارات!
************
إن الجهد المبذول في محاولات تدريس اللغة العربية في أكسفورد يبدو جميلاً، ويكتسي لوناً وردياً ينتشي لسماعه أبناءُ العربية، ولكنْ هل نُفِّذت مثل هذه التعليمات حقاً؟ تبدو الإجابة عن ذلك غير إيجابية! فما نعرفه هو أن معظم الطلبة لم يعرفوا عن العربية شيئاً، واقتصرت محاضراتها على  الطلبة الراغبين في دراستها.
 لكنّ ذلك لا يمنع أن تأسيس كرسي العربية في الجامعة هو إنجاز تحقَّق به للجامعة الكثير مما يمكن أن يقال في دعم تعليم اللغة العربية، وفعلاً استطاعت الجامعةُ ذلك بفضل أول من تولى هذا المنصب وهو المستشرق إدوارد بوكوك الأب.
ثم حدث أن ضعفت العناية بالعربية هناك أخريات القرن السابع عشر؛ في ظل ظروفٍ سياسية لحقت البلاد، وفي ظل تراجع الاهتمام بدراسات الكتاب المقدس التي أخذت تفقد مكانتها أمام العلوم التجريبية ومناهج البحث العلمي الناشئة، فطُويت بذلك صفحة مشرقة من تاريخ اهتمام أكسفورد بتعليم العربية، ولكن حتى حين.


الأحد، 6 يونيو 2010

خطبة 4: عندما تكونين أُمَّـــاً في دولة أوروبية





الخطبة ( 4 ): وضح ما تعني
الهدف: تعلم إيماءات الجسد
عندما تكونين أُمّـاً في دولة أوروبية


ربما كان كثير منكم قد أمضى بعض الوقت في البلاد الغربية للدراسة أو الزيارة...، وربما يكون قد أنعم الله عليه في أثنائها هناك بمولودٍ أسعدَ أيامَه وأضفى البهجة عليها في ديار الغربة.
أحدثكم اليوم عن تجربة إنجاب طفل في دولة أوروبية، ولكنْ ليس من قبيل هل سيحصل المولود على الجنسية أو البطاقة الخضراء للإقامة الدائمة ...أو غيرها من المميزات المدنية التي قد تجول في خاطر الآباء عند التفكير بإنجاب طفل في تلك البلاد.
...لم يكن ابني عمر أول طفل لي، وكنتُ قد وصلتُ بريطانيا أوائل سنة 2000 (منذ عشر سنوات تقريباً) ... وكأيِّ زائر لبلادٍ جديدة، تقع في النفس انطباعاتٌ تبقى عالقةً في الذاكرة لا تزول، وهي ما أكلمكم عنه الآن: انطباعات وقعت في نفسِ أم.
استوقفتني أولاً في تلك البلاد أمور الاهتمام بالرعاية الصحية إلى حدٍّ كبير، إذ أولُّ الأعمال التي يجب أن تقوم بها من أجل أن تسري عليك قوانين البلاد للإقامة هو التسجيل لدى الطبيب العام في العيادة القريبة من البيت، وحرصهم على السؤال عن التاريخ الـمَرَضي للعائلة والمطاعيم للأطفال... وغيرها من أمور وتفاصيل تتعلق بجميع أفراد الأسرة..
وهذه كلها بالمجان نعم مجاناً .. مما يجعلك تلمس مدى حرصهم على (الصحة العامة) في بلادهم، لا على الامتيازات التي قد يتفضلون بها على المقيمين والزائرين! كما في بلادنا العربية حيث قد يُهمَل الوافد والمقيم صحياً بدعوى عدم المواطنة.

...أما تجربة إنجاب طفل في تلك البلاد، فهي بحق تجربة مختلفة، على الأقل بالنسبة لي، لقد أنجبتُ أطفالي من قبل في عمّان، وأول شيء يختلف عما سبق هو الذهاب إلى المستشفى مشياً على الأقدام...نعم؛ فهو قريب جداً من البيت، وقطعتُ المسافة مع زوجي وأنا أقول له سأركب التاكسي بعد قليل...سأركب بعد قليل...حتى وصلنا ، ولمَّا يكن ذلك القليل قد انتهى! كنا نسكن في وسط مدينة إدنبرة في Buccleuch Place، والمستشفى Royal Infirmary قريب من شقتنا، وهكذا وصلنا....



المهم في نهاية الطريق ...وصلنا، وحين آن أوانُه.. ووصل عمر إلى هذه الدنيا، كان مما لاحظتُه بعد ولادته أنهم يُحضِرون الطفلَ إلى الأم ليكون بجانبها فوراً، دون غسيل وكما خلقه الله، ويبقى إلى جانبها طوال الوقت، بعكس ما كان في بلادنا حيث يحتفظون بالطفل في الحاضنة المخصصة للأطفال ويأتون به للأم بين الحين والآخر، نظيفاً ومغسولاً وفي ثياب خاصة، وربما يكون ذلك من أجل راحتها بعد عناء تلك العملية الشاقة. ولكن هذه كانت نقطة ملاحظة!
ويحضرني كذلك شغفُ الممرضات بعملهنّ؛ فهنّ صبورات.. ويُحــبِـبْنَ عملهن، وأنت تشعر بذلك من اهتمامهن الزائد بالطفل القادم، فالعامل هناك لا يعمل إلا في مهنة يحبها ولا توجد ثقافة عيب فيما يخص المهن، يطبقون قول عمر بن الخطاب:"أرى الرجل فيعجبني، فإذا قيل لاصناعة له سقط من عيني".
ولأن أطفالي دائما لديهم شعر على رؤوسهم وعيونهم حين يولدون ولأن الممرضات هناك شقراوات.. فإنهن أبديْنَ إعجاباً زائداً برموش عينيه، وكنَّ في الجيئة والذهاب يقلن له: Oh! lashes eyes!!
..ثم كان الخروج من المستشفى بعدها، وكان من ضمن إجراءات الخروج أن قدموا لي حقيبة هدية احتوت عينات تجارية مجانية لمستلزمات الأطفال والأم... ولم تكن الهدايا عينية فقط بل كانت هناك مفاجأة جميلة: مجموعة من الكتب وقصص الأطفال، وهدية أخرى هي بطاقة عضوية مكتبة للصغير في مكتبة المدينة!
... طوال عمرنا في العالم العربي نربط المكتبة بالهدوء، في المكتبة يرجى الهدوء. فهل يعقل أن نتصور: (طفل صغير في مكتبة)؟!! حتى في مكتبة الأطفال! لا لا!!!، فهذا لا يعقل في تصوراتنا.
بينما ... حتى مكتبة الكبار هناك يسمحون لك فيها باصطحاب الأطفال والعربات إلى داخل المبنى .. ولكن بطبيعة الحال أنت لن تذهب إلى المكتبة بصحبة طفلك إلا إن كنتَ مضطراً لذلك، لذا فلا بأس برفقة الأطفال لإرجاع كتاب مثلاً أو استعارة آخر، كي يعتاد على أجواء المكتبة.
كانت تلك التجربة – مكتبة الأطفال- من أجمل التجارب وأكثرها إثارة في إدنبرة. لكني لم أتمكن من اصطحاب طفلي إليها إلا بعد عدة أشهر، حتى استوعبت الفكرة!.
ومن التجارب التي تعيشها الأمهات العربيات في الدول الأوروبية تجربة الرعاية الصحية اللاحقة في البيوت؛ فنحن قد اعتدنا في بلادنا العربية - بحمد الله - على أن تُولي العائلةُ الممتدة الأمَّ الجديدة الرعاية اللازمة؛ فالأهل ينتظرون الحفيد القادم، والكل متأهب له، تغمرهم الفرحة بمقدمه، ولهذا يُعِـدُّون العدة لاستقباله، كما يلزم.. ومن ضمن ذلك الرعاية بالأم الجديدة.
لكنْ في تلك البلاد ليس لديهم مثل هذه الطقوس الاجتماعية الاحتفالية إلا على نطاق ضيق ربما، لكنهم تبنوا نظاماً شبيهاً يقوم مقام رعاية الأسرة الممتدة للأم الجديدة، خاصة مع وجود نسبة جيدة لديهم من الأمهات العازبات.
كان نظام القابلة Midwife التي تزور الأم الجديدة لعشرة أيام عقب وضعها طفلها- فكرة جميلة، وقد أعجبتني كثيراً وساعدتني على تجاوز بعض القلق تجاه صغيري؛ فقد كنتُ عشتُ من قبل تجربة الوفاة المفاجئة لطفلي الثاني، لذا كنت أتفقد عمر الصغير كل لحظة حتى أطمئن أنه على قيد الحياة، وأحاول الانتباه إلى كل صغيرة وكبيرة تمس لونه أو أنفاسه أو حركاته... وهكذا وفّرت زيارتها لي في تلك الأيام نوعاً من الاطمئنان، حتى مرت على ما يرام، وتجاوزتُها ...
وتستمر الرعاية لديهم بإرسال ممرضة الحي لزيارة الأمهات في البيوت ومتابعة النمو العام والمشكلات التي قد تواجههن مع أطفالهن، وقد كانت هذه تجربة مفيدة لي، وممتعة وجديدة.
أما مكتبة الأطفال فأعود إليها ثانية... فحين اشتد عود طفلي الصغير أخذت معي الأشياء التي كانت في حقيبة الهدايا: بطاقة المكتبة والأوراق التعريفية بالمكتبة وطلب الاشتراك.. سرتُ وفق الخريطة ووصلتُ المكان.. لأجد أن مكتبة الأطفال تلك هي جزءٌ من المكتبة العامة: غرفة معقولة الحجم، تقع في جزء خارجي ملتصق بالمبنى حتى يسهل الدخول إليها من الرصيف فوراً، لا درجات ولا سلالم؛ لتتمكن الأمهات من إدخال عربات الأطفال معهن، وكان هذا أول ما لفت نظري، فإذا صرنا في داخل القاعة، وجدتها منسقة بحيث توائم احتياجات الأطفال: الرفوف مليئة بالقصص والكتب والمجلات لمختلف الأعمار، وركن صغير يمكن للأهل فيه اختيار بعض الكتب للقراءة في أثناء انشغال أبنائهم في المكتبة.
وفي الوسط صناديق ملأى بالكتب القماشية والأوراق والألوان للأطفال الرضّع وفي سن ما قبل المدرسة الذين لا يعرفون القراءة، لكن هذه الأشياء تجعلهم يألفون الكتب ويأنسون بها.
ثم ركن صغير كذلك لهم للألعاب.. فالأطفال أطفال ...حتى في المكتبة..وهم بحاجة إلى اللهو، واللهو جزء أساسي من تركيبتهم. ومهم من أجل نموهم.
أعجبتني المكتبة وبقيتُ أجد فيها متعةً لي ولأطفالي لسنتين قادمتيْن هناك...رغم الأجواء الباردة أحياناً, وقد علمتني وعلَّمتْهم الكثير، ألجأ إليها معهم في زيارة أسبوعيا تقريباً، أجد فيها عزاءً عن القيود التي فرضتْها عليّ الإقامةُ في بلادٍ لا أجد فيها من يعتني بأطفالي غيري، مما جعلني مقيدة عن الخروج إلا برفقتهم. 
....هذه كانت بعض المعاني التي عشتُها أُمّاً عربية في دولة أوروبية، تجارب جديدة لم أمرّ بها من قبل في بلادي، بقيتْ في نفسي منها ذكرياتٌ حلوة أحببتُ أن أشارككم بها.

وهذه بعض الصور لمكتبة إدنبرة للأطفال بعد تجديدها في 2014



الجمعة، 23 أبريل 2010

الموشحات الأندلسية مسموعة لا مقروءة

منشور: في الملحق الثقافي جريدة الدستور الأردنية  23/4/2010

https://www.youtube.com/watch?v=13BPG5451Kc

سبحان الذي علَّمنا منطق الألحان، وأنعم علينا بمتعة السماع...وبعد، فما زال للموسيقا سحر خاص يفتن، ونشوة غامضة تننتشي لأجلها الروح، ولقد مرَّ حديثُ الموشحات الأندلسية على كثير منا في أثناء دراسة الأدب العربي، وما بقي في النفس من ذلك الحديث خلاصةٌ: أن الموشحات تجديد شعري وغنائي وموسيقي ابتدعه أهل الأندلس في القرن الرابع الهجري استجابة لظروف خاصة بهم زمانياً ومكانياً. وقد وجدنا أصداء هذا التجديد الأندلسي العبقري تتردد في المشرق العربي، حين انتقل ذلك الفن إلى هناك، وأصبح مَعْلَمةً لا تُنكر في صرح الموسيقا العربية.
لكن الذي ما فتئ يخطر في البال منذ أقدمتُ – بحكم المهنة- على تدريس بعض الموشحات الأندلسية هو: لماذا لا ندرِّس تلك الموشحات مسموعة؟! فماذا تنفعنا تلك الصفحات الملأى بأنواع الموشحات وأقسامها وأوزانها...وغير ذلك من قضايا، إزاء دقائق معدودة نقضيها في الاستماع إلى الموشحات مغناة بصوت عذب ترافقه الألحان الأندلسية المتميزة الإيقاعات؟
كنتُ أنفق حصة كاملة أقتطعها من جدول زمني لا يكاد يكفي لتدريس منهج اللغة العربية على النحو المطلوب؛ لأجعل طلبتي يستمعون - قبل الشروع في تدريس موضوع الموشحات- إلى بضع مقطوعات موسيقيية عثرتُ بها على إحدى المحطات الإذاعية العربية التي تبث من باريس، وقُدِّمت في الإذاعة على أنها نماذج مستوحاة من موسيقا زرياب الأندلسية، فقمتُ بتسجيلها وتقديمها للطلبة.
ولم أفهم وأنا أخوض التجربة كيف أن أساتذتنا، على ما لهم في قلوبنا من منزلة واحترام، كيف قاموا بتدريسنا موضوعاً كمثل الموشحات الأندلسية دون أن يفكر أحدهم في أن يُسْمِعنا شيئاً من الموشحات والأزجال الأندلسية المؤداة على نحو مخصوص على أنغام الموسيقا الأندلسية. ربما يكون ذلك من باب ركونهم إلى ما شاع بين أهل المشرق وعرفوه مما غَـنَّت فيروز من ألحان الرحابنة وغنّاه غيرها من المطربين من الموشحات الأندلسية، وأشهرها "يا زمان الوصل بالأندلس".
وبحكم الإقامة في المشرق العربي لم أزل بعيدة عن معرفة التراث الأندلسي الغنائي الذي ما زال حياً، والذي يحافظ عليه حتى اليوم عشاقُ الطرب الأندلسي في بلاد المغرب، ويتناقلونه جيلاً فجيلا، إلى أن حانت فرصة معرفة هذا الفن على نحو آخر حين أتاح تقدم وسائل الاتصال والإعلام -كالقنوات الفضائية مثلاً- في مشارق الأرض ومغاربها أمام الجمهور عرض الثقافات والفنون المتنوعة للأمم والشعوب، كان منها عرض مجالس غنائية للطرب الأندلسي على التلفزة المغربية تحديداً، وقد أثارت هذه المجالس إعجابي وكانت فاتحة عهد جديد لي مع الموشحات والأزجال الأندلسية، جعلتْني أراها كما لو أنني أسمع بها للمرة الأولى.
وازداد تعلقي بهذا الفن حين عَرَضت الوسائطُ الأخرى –كالإنترنت- تلك المجالسَ عرضاً جديداً لما كنا نسمع به، ولما كنا نقرؤه وندرسه مما يسمى الموشحات الأندلسية، وكانت شيئاً غير ما ألِفَه أهلُ المشرق من موشحات أندلسية أدّاها المغنّون المشارقة؛ فالموشحات المغنّاة في المشرق كانت توقَّع على أنغام وألحان لا تشبه تلك الألحان التي ابتدعها الأندلسيون خصيصا لتلك الموشحات، ولم تتشابه الإيقاعات المشرقية في أداء هذا الفن مع الموسيقا الأندلسية بإيقاعاتها وألحانها وآلاتها ومجالسها...التي كان قد وضع أسسها الأولى عبقري الأندلس زرياب - من أهل القرن الثالث الهجري- الذي طبقت شهرته الآفاق، وما زال تجديده الموسيقي هو سر هذا الفن الفريد؛ فقد "أورث [زرياب] بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان ملوك الطوائف، وطما منها بإشبيلية بحر زاخر.."، على حد قول ابن خلدون في (فصل صناعة الغناء).
https://www.youtube.com/watch?v=PNJo23qbMgI

فالموشحات المؤداة في المشرق تختلف اختلافاً واضحاً عما يؤدَّى في المغرب في هذا الباب؛ إذ تمتاز مجالس الطرب الأندلسي في المغرب بأن الموشحات فيها تؤدَّى بمرافقة الألحان المحفوظة والمتوارثة لدى أجيال أحفاد الأندلسيين ومن سار على خطاهم في حب هذا الفن، وهي تمتاز كذلك بأجواء خاصة ليس لأهل المشرق عهد بها: فأجواء مجالس الطرب الأندلسي خاصةٌ ومميزة، ابتداء بالمكان وليس انتهاء بأدق التفاصيل لدى المؤدّين والمؤديات من المغنين والعازفين والمردّدين جميعا: إذ يظهر أفراد الجوق (المجموعة الغنائية) بملابسهم المغربية التقليدية: الجلابة والطربوش والبلغة (الخُفّ) للرجال، و(التكشيطة) والقفطان الحريري للسيدات، وهذا تقليد متّبع حتى اليوم لكون هذا النوع من الغناء ارتبط سابقاً بأهل التصوف الذين كان منهم بعض العلماء والفقهاء والأدباء..ممّن تعاطوا غناء الموشحات الدينية، فظلّ طابع الوقار يلفّ مظهر مَنْ يغني الموشحات والأزجال الأندلسية حتى اليوم، وإن كانت كلماتها أحياناً بعيدة بعداً كبيراً عن مظهر مَنْ يغنّـيها.
ويجلس الجوق الغنائي في قاعة فسيحة تزدان فضاءاتها بالزخارف الفنية ذات الطابع الأندلسي الرفيع، وتمتد أمامهم السجاجيد الحمراء ذات النقوش الخاصة، المنتشرة في المجالس التقليدية المغربية، وربما تترقرق المياه في نافورة واسعة تناثرت على صفحاتها أوراق الورد. ويجلس أعضاء الجوق الغنائي جميعاً على مقاعد تُصّفُّ على نحوٍ معين، يحمل كلٌّ منهم آلته الموسيقية بيديه، الآلات الوترية منها والإيقاعية، ومنها: الكمان الذي يوضع على الفخذ على هيئة مخصوصة لا على الكتف، مخالفين بذلك ما اعتاده أهل المشرق .
وتستوقف عينَ الملاحِظ لهذه المجالس أن أعضاء الجوق يكونون عادة متفاوتين في أعمارهم: فتجد فيهم الطفل والشاب والرجل والكهل والعجوز والفتاة المليحة والمرأة الحسناء والمرأة العجوز، يجمعهم - على اختلاف مقاديرهم من الحياة- حبُّ الموسيقا الأندلسية وروعة الموشحات والأزجال.
كما أن جمهور حفلات الطرب الأندلسي التي يبثها التلفاز يستحق هو الآخر وقفة؛ فالناظر إلى جمهور تلك المجالس  الطربية يلمس بعينيه مدى تفاعل هؤلاء مع تلك النغمات الرائعات والأصوات العذبة الشجية والأداء الساحر الذي يأخذ بالألباب، يرددون على قلب رجل واحد كلمات الموشحات المغناة على طولها بلا كلل، حتى لتكاد قلوبهم تطير من نشوة الطرب، فترى عياناً ما كنتَ تقرؤه في الصفحات الكثيرات عن شيوع مجالس الطرب في بلاد الأندلس واعتياد الناس ارتيادها، ودَوْر ذلك في ازدهار فن الموشح والزجل الأندلسي وانتشارهما على كل صعيد بين الخاصة والعامة؛ كالقصة المعروفة التي تُروى عن ابن تِيفَلْويت "ملك سرقسطة" وممدوح الفيلسوف وصاحب التلاحين ابن باجة، إذ حضر ابنُ باجة مجلسَ ابن تِيفَلْوِيت، فغنَّت إحدى قيناته موشحة ابن باجة:
"جرر الذيل أيما جرِّ   وصل الشكر منك بالشكر"
فطرب الممدوح لذلك لما ختمها الشاعر بقوله : "عقد الله راية النصر   لأمير العلا أبي بكر" فلما طرق ذلك التلحين سمْعَ ابن تيفلويت صاح :واطرباه، وشقَّ ثيابه، وقال: ما أحسن ما بدأت وما ختمت، وحلفَ بالأَيْمان المغلَّظة لا يمشي ابن باجة إلى داره إلا على الذهب. فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهباً في نعله ومشى عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض الناس في عصرنا الحديث ربما فاتته لسبب أو لآخر فرصة أن يشنف آذانه بأصوات المغنين في مجلس حقيقي، ليس عن طريق الاستماع إلى تسجيلات إذاعية كانت أو تلفازية، فللأصوات الغنائية وللأنغام الموسيقية مذاق ساحر إذا سمعتْها الأذنُ دون مكبرات الصوت أو غيرها من أدوات التوصيل الإذاعي أو الفضائي، وهي تُحدِث في النفس أثراً يفوق بمرات ما يُحدِثه الاستماع إلى الأنغام والألحان والأصوات نفسها بالوسائط الإعلامية المتنوعة.
وقد يكون هذا من جملة الأسباب التي تقف وراء تلك القصص التي رُويت عن أهل الأندلس وعن مبلغ تأثرهم بالموشحات الأندلسية حين تُغَنَّى، وهي التي ما نشأت إلا لحاجة غنائية اقتضتْها ظروف الغناء في الأندلس وأجوائه والحاجة إلى تنويع القوافي والألحان والأوزان..وهو الجانب الأحرى أن ينال الاهتمام حين تدرَّس الموشحات الأندلسية، لذا فلا مناص من دراسة الموشحات والأزجال الأندلسية مسموعة لا مقروءة فقط، لأجل الوقوف على جماليات هذا الفن الفريد، وتنمية الذائقة الموسيقية، وتحقيق المتعة مجسَّمة في ألحان وكلمات وإيقاعات تمتلك الوجدان. فقد أسرف الباحثون في دراستهم الموشحات الأندلسية على أنه فن شعري حين حاولوا أن يُجروا عليه ما يجري على الشعر الموزون من ضوابط، فما نفع ذلك تماماً في حسم مسائل عديدة حول  ذلك الفن ما زالت محل خلاف بين المهتمين، وربما كان للمسألة وجه آخر لو أنهم أعاروا مسألة غناء الموشحات وألحانها قسطاً من عنايتهم، فالموشح ببساطة أغنية، والأغاني تُسمع بالدرجة الأولى ولا تقرَأ فقط.
ومما يعزز هذا أن ابن سناء المُلْك - من أهل القرن السابع الهجري - الشاعر المصري الذي أخذت منه الموشحات كل مأخذ وملكت عليه حياته وجنانه، الذي أقدم رائداً على تقعيد هذا الفن حين أهمل ذكرَه الأندلسيون، فوضع كتابه "دار الطراز في عمل الموشحات"، إن ابن سناء هذا -وإن لم يكن قد صرَّح أو اعترف في كتابه هذا أنه حضر مجالس الموشحات الأندلسية التي هام بها، إلا أن الناظر في "دار الطراز" وفي محاولته تقعيد هذا الفن ومحاكاته- لا يمكن إلا أن يقول إن ابن سناء قد سمع الموشحات الأندلسية مغناة، وليس فقط أنه قرأها في دواوين أصحابها وفي الكتب التي أتت على ذكرها. فقد أُغرم ابنُ سناء بهذا الفن حين كان صغيراً؛ إذ يقول في مقدمة كتابه: "...فكنتُ في طليعة العمر وفي رعيل السن قد هِـمْتُ بها [الموشحات] عشقاً، وشُغِفْتُ بها حباً، وصاحَـبْـتُها سَماعاً، وعاشرتُها حفظاً...ولبثتُ فيها من عمري سنين..". (ص30).
ولو قُدِّر لابن سناء أن يعيش في عصرنا هذا، عصر التسجيلات المتعددة الوسائط مرئية ومسموعة، لكان استمتع بسماع الموشحات في كل حين؛ وذلك لأننا نشعر بالحسرة في كلماته حين اعتذر لقارئه عن أي نقص قد يصيب كتابه : "...فاعذر أخاك فإنه لم يولد بالأندلس، ولا نشأ بالمغرب، ولا سكَنَ إشبيلية، ولا أرسى على مرسية، ولا عبر على مكناسة، ولا سمع الأرغن....ولا وجد شيخاً أخذ عنه هذا العلم، ولا مصنَّفاً تعلَّم منه هذا الفن..." (ص53). وهذا يعني أن الموشحات الأندلسية خُلقت لتُغَنّى أولاً، على الرغم من أن إنشاءها يأتي قبل غنائها.
ويعزز هذا أيضاً أن ابن بشري الأغرناطي - من أهل القرن الثامن الهجري- الذي جمع مجموعة موشحات أندلسية تناهز ثلاثمائة موشح، حفظتْها لنا يد الزمان في كتابه "عُدَّة الجليس ومؤانسة الوزير والرئيس"، قال في الخطبة القصيرة التي صدَّر بها كتابه عندما تحدث عن دوافعه لجمع الموشحات الأندلسية: "...فإني لم تزل تتوق هِـمَّتي وتستدعيني على طول المدى عزيمتي إلى تصنيفِ تأليفٍ يشتمل على ما استعذَبَـتْه المسامع، وإنْ أرهف الأفئدة وأسالَ المدامع، من  مختار ما سمحتْ به قرائحُ أرباب الأذواق من مهذِّبي الطِّباع الطيّـبـي الأخلاق، من التوشيحات التي تصبو لها الألباب، وتفتح على باب السرور كل باب، وتستلب من أعماق الأفئدة كلَّ همٍّ كمَن، وتصقل عنها كلَّ صدى [كذا] استحكم أو درن، بلفظٍ أوْقَعَ في الآذان من الزلال البارد للظمآن..."، بما لا يدع مجالاً للارتياب في أن ارتباط الموشح بالموسيقا والألحان وثيق جداً، وأن وظيفة الموشح الأساسية التي خُلِق من أجلها هي الغناء والسماع، فالموشح أغنية قبل أن يكون شيئاً آخر.



السبت، 10 أبريل 2010

أمر محزن أن نضطر إلى التفكير بحماية اللغة العربية




رشا الخطيب : أمر محزن أن نضطر إلى التفكير بحماية اللغة العربية!

* اعداد : موسى حوامدة

باحثة أردنية مقيمة في الإمارات ، حاصلة على دكتوراه في اللغة العربية عن أطروحة بعنوان: "الأدب الأندلسي في الدراسات الاستشراقية البريطانية" ، عملت في تدريس اللغة العربية في الأردن وبريطانيا والإمارات. لها: "تجربة السجن في الشعر الأندلسي" ـ 1999 ، وعدد من البحوث والمقالات في دوريات مختلفة.


ماذا تقرئين حالياً؟


- أنهيت رواية سلام (بتشديد اللام) لهاني نقشبندي ، وهي تطرح بعض الأسئلة حول وجود المسلمين في الأندلس ، أسئلة ربما تكون معروفة ومشروعة لدى الباحثين في التاريخ والتراث الأندلسي ، لكنها أحدثت حيرة واستفزازاً لدى بعض القراء والنقاد حين نُشرت الرواية سنة ,2008


هل تشاهدين السينما أو المسرح؟


- السينما نعم ، المسرح لا ، فمنذ زمن لم أتابع على خشبته إلا الحفلات الموسيقية والغنائية ، منها يوم 25 ـ 3 حفل فرقة "أغاني العاشقين" على المسرح الوطني في أبوظبي ، ويوم 7 ـ 4 الحفل الموسيقي للفنان العراقي نصير شمة على العود بمرافقة الأوركسترا من مصر ومن سويسرا ، على مسرح قصر الإمارات.


ما الذي يشدّك في المحطات الفضائية؟


- من قبل كانت تشدني البرامج الحوارية ، أما الآن فتشدّني البرامج الوثائقية الاحترافية ، خاصة ذات المواضيع التاريخية ، على قناة الجزيرة الوثائقية وقناة "ناشيونال جيوغرافيك" أبوظبي ، وبرامج عن المدن الإسبانية على قناة "سفن ستارز" الأردنية. هذا بالتأكيد إلى جانب الفضائية المغربية الثانية "دوزيم" ، ولا أستغني فيها عن برنامج الطبخ المغربي الشهير - بالنسبة لي على الأقل - (شهيوات شميشة) وبرنامج (شذى الألحان) للموسيقا والطرب الأندلسي والمغربي.


ماذا تكتبين هذه الأيام؟


- حالياً أعمل على إعداد بعض البحوث عن الأندلس والاستشراق ، كما أعمل على الانتهاء من تنقيح أطروحة الدكتوراه لدفعها إلى المطبعة لتصدر في كتاب ، عما قريب إن شاء الله.


ما الذي أثار استفزازك مؤخراً؟


- يثير استفزازي في بلادنا العربية إهمال الطفل في الأنشطة العامة والثقافية التي يمكن للأمهات أن يشاركْن بحضورهن فيها: فكثير من الأمهات لا تجد في تلك الفعاليات مَن يفكر بأنّ لها أطفالاً قد لا يتوافر لديها مَنْ يعتني بهم ، فتُحجًم بسبب ذلك عن الحضور: في حين أن الفعاليات الترفيهية والاستهلاكية تفكر بالطفل أولاً وثانياً وإلى ما لا نهاية: مستهلًكاً وجاذًباً للأمهات وللآباء للمشاركة في حضور تلك الفعاليات ، كمثل معارض الكتب التي أصبحت تخصص جزءاً جيداً لاحتياجات الأطفال الاستهلاكية والترويحية ، فلماذا لا تتوافر مثل هذه التسهيلات في بعض الفعاليات الثقافية الجادة لتتمكن الأمهات من حضورها،


حالة ثقافية لم ترق لك؟


- استهزاء بعض حملة الشهادات والمناصب المهمة بالتظاهرات الثقافية الجادة كبعض المؤتمرات والندوات... وغيرها من المنتديات العامة ، التي يأمل المشاركون فيها عادةً بتنفيذ التوصيات التي يسعون بصدق لكي ترى النور.


حالة أو موقف أعجبك؟


- انخراط الشباب من طلبة الجامعات والمدارس في الأنشطة التطوعية المتعددة: التي تُغني تجربتهم الشخصية وخبرتهم في الحياة الحقيقية ، خارج مقاعد الدرس وبعيداً عن شاشات التلفزيون والكمبيوتر.


ما هو آخر نشاط إبداعي حضرته؟


- حفل توزيع جائزة "البوكر" للرواية العربية الشهر الماضي ، التي فاز بها السعودي عبده خال عن روايته"ترمي بشرر".


ما هي انشغالاتك الاجتماعية؟


- على الصعيد الخاص: الواجبات العائلية المعتادة ، وتبادل الزيارات مع الأصدقاء. وعلى الصعيد العام: الانضمام إلى جمعية حماية اللغة العربية ، وهذا الأمر في جوهره مفارقة محزنة: حين نضطر في دولة عربية وأهلها عرب إلى التفكير بحماية اللغة العربية،


فرصة ثمينة ضاعت منك؟


- فرصة إكمال الدراسات العليا فور التخرج في البكالوريوس.


ما الذي يشغل بالك مستقبلاً؟


- ليس هناك شيء محدد ، فالمستقبل آتْ سواء انشغلنا به أم لا ، ولكن ربما تكون مسألة ضمان حياة أفضل لأولادنا - أولوية مهمة.


هل لديك انشغالات وجودية؟


- يشغلني كثيراً التفكير في شكل العالم المستقبلي - البشري والطبيعي - في ضوء كثير من الإشارات والأحاديث النبوية عن نهاية الكون والقيامة ، وأربطها بما أستطيع أن أجد له تفسيراً في واقعنا الآن ، أو بما يجود به خيالي عن المستقبل.


ما الذي ينقص الثقافة العربية؟


- الجدية ، وثقافة الـ "ثقافة" ، أي أن تكون الثقافة والحضارة العربية أسلوب حياة ونمطاً اختيارياً يُقبًل عليه الناس.


ما الذي ينقصنا في الأردن على الصعيد الثقافي؟


- تنقصنا أشياء كثيرة ، ربما يكون أحدها: أخذ العمل الثقافي ـ بمستوياته جميعها ـ على محمل الجد.


رابط اللقاء المنشور في جريدة الدستور الأردنية:

السبت، 13 فبراير 2010

فضل الاستشراق الهولندي على الدراسات الأندلسية


منشور في جريدة الدستور الأردنية (الملحق الثقافي)، الجمعة 12/2/2010
د.رشأ الخطيب

لم تكن الدراسات الأندلسية التي نراها تزدهر يوماً بعد يوم وتلقى اهتمام الباحثين – على هذه الحال دائما؛ إذ يلاحظ أن ثمة فجوة تفصل بين ما صُنِّف حول التراث الأندلسي وبين الدراسات الحديثة التي قامت فيما بعد تعالج المنجز الحضاري للعرب والمسلمين في الأندلس، أو ما اصطلح المستشرقون على تسميته "إسبانيا الإسلامية"، فهناك حلقة مفقودة كان ينبغي لها أن تربط بين تأليف "نفح الطيب" في القرن السابع عشر، وبين نشر متون التراث الأندلسي ومصادره الأخرى وطباعتها على يد المستشرقين في القرن التاسع عشر.



قد يكون "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" للمقّري التلمساني (ت1041هـ/1631م) آخر المؤلفات التي وُضعت عن الأندلس في المدة الواقعة بين بقايا العصور المزدهرة للحضارة العربية الإسلامية وبين بدايات النهضة الحديثة في القرن التاسع عشر، وقد انتهى المؤلف من تصنيفه في حدود سنة 1628، ولا نكاد نلمح في القرون التالية لتأليف النفح عملاً يوازيه بناء ومضموناً في دراسة تراث الأندلس الحضاري المتعدد الجوانب؛ إذ توقفت دراسة التراث الأندلسي أو كادت حتى استأنفها المستشرقون، بعد نحو قرنين من وفاة المقّري.


ويشغل "نفح الطيب" منـزلة مميزة في التأريخ للدراسات الأندلسية في العصر الحديث؛ فقد فتحت معرفتُه والاطلاع عليه البابَ أمام الباحثين في تراث الأندلس فكان هادياً ومرشداً لهم في كثير من المسائل المتصلة بتاريخ الأندلس والحركة الأدبية والفكرية والثقافية فيها، كما كان أول كتاب أندلسي عرف طريقه إلى المطبعة في العصر الحديث في ديار المستشرقين أولاً ثم في البلاد العربية.

وإذا ما ساد الاعتقاد بأن جُلَّ ما بقي من التراث الأندلسي المخطوط -بعد سقوط دولة المسلمين في الأندلس- الذي تُحكِم إسبانيا عليه قبضتَها، سيجعل مستشرقي هذا البلد أَوْلى من غيرهم بفتح باب الدراسات الأندلسية على مصراعيه في العصر الحديث– فإن خيبة الأمل كبيرة؛ إذ قد كانت بدايات الدراسة العلمية المنظمة للتراث الأندلسي قد بدأت في القرن التاسع عشر في هولندا لا في إسبانيا؛ وذلك لعوامل عديدة تتصل بنشأة الدراسات العربية في البلاد المنخفضة وبنشاط المستشرقين في جامعاتها.

كان الهولندي هندريك فايِرْس (ت1840) قد نشر في ليدَن سنة 1830 أطروحته الجامعية التي جمع فيها بعض شعر ابن زيدون من المصادر الأندلسية والعربية المحفوظة في مكتبة جامعة ليدَن، وقد حقّق ذلك الشعر وترجمه إلى اللاتينية، وكان هذا الأستاذ يمضي وقتاً طويلاً مع طلبته في الجامعة يتلو على مسامعهم شعر ابن زيدون وأشعاراً أندلسية أخرى، أتاحتْها له وفرة المخطوطات العربية في مكتبة ليدَن، راجياً أن يكون من بين تلاميذه من يلتفت إلى هذا الشعر الرقيق، لكن لم يطل به العمر حتى فارق الحياة قبل أن يتمّ الأربعين.

وكان من بين أولئك التلاميذ الذين عرفوا الأدب الأندلسي على يديه الشاب هوغفليه Hoogvliet الذي نشر كتاباً سنة 1839 عن بني الأفطس حكام بطليوس بتشجيعٍ من أستاذه، ثم عكف على دراسة رثاء ابن عبدون لبني الأفطس في قصيدته المعروفة بالبسامة، لكن هذا التلميذ توفي ولمّا يبلغ الحادية والثلاثين.

وإذا كانت الدراسات الأندلسية في هولندا قد ابتُليت في بداياتها بوفاة المهتمين بها وهم في خطواتهم الأولى نحو إزالة الغبار عما تراكم من تراث المسلمين في الأندلس، فإن القدر لم يحرم عالَم البحث العلمي في التراث الأندلسي من التلميذ الثاني لفايِرْس الذي سيقيم أركان هذا الميدان، ليس في هولندا وحدها وإنما على مستوى أوروبا والعالم.

كان ذلك التلميذ رينهرت دوزي (ت1883) ، وقد كانت ميوله تجاه دراسة الرومانسية ودراسة أوروبا العصور الوسطى قد تحققت معاً في مجال دراسة "إسبانيا الإسلامية"، التي كانت تغلّفها أوائل القرن التاسع عشر الصبغة الرومانسية بتأثير بعض الكتّاب أمثال: شاتوبريان في روايته "مغامرات آخر أحفاد بني سرّاج"، وواشنطن أرفينج في روايته "الحمراء".

درَس دوزي على أستاذه فايِرْس وهو الذي عرّفه على المخطوطات العربية في مكتبة جامعة ليدَن حيث كان يعمل مديراً لقسم المخطوطات العربية فيها، وقد دفعه أستاذُه إلى البحث في تاريخ بني عبّاد حكّام مدينة إشبيلية، وكان دوزي موفّقاً في هذا الاختيار فأنجز أطروحته الجامعية عن تاريخ بني عباد واستكمل البحث في الموضوع حتى نشره سنة 1846 بعنوان "أخبار بني عبّاد عند الكتّاب العرب"، ثم انبرى هذا التلميذ النجيب وأتمّ تحقيق القصيدة البسامة لابن عبدون التي كان زميله قد بدأ في دراستها من قبل.

كان دوزي مجتهداً ومتعدد الاهتمامات، حتى إنه أنفق بعض أوقاته في شهر العسل الذي كان يمضيه في ألمانيا- يبحث في مكتباتها ويقلّب المخطوطات العربية فيها، وقد اكتشف من بينها كتاب "الذخيرة" وهو من المصادر الأندلسية المهمة. وألفى نفسه يؤسس لميدان الدراسات الأندلسية بالعديد من الإنجازات، كان من أهمها: العمل على تحقيق بعض المصادر الأندلسية المخطوطة ونشرها للمرة الأولى، وهي من المصادر التي لا غنى عنها للمبتدئ وللمتخصص في الأندلس، وقد اجتمع له من العمل فيها مادة غزيرة لم تتح لغيره من قبل في هذا الباب، أغنت مقالاته وبحوثه التي عالج فيها تاريخ المسلمين وحضارتهم في الأندلس.

وقد تجلت ثمرة جهود دوزي –بغضّ النظر عن آرائه المثيرة للجدل- في كتابه "تاريخ مسلمي إسبانيا"، وهو من الكتب "الكلاسيكية" في مجاله، كان قد نشره سنة 1861 باللغة الفرنسية، وطُبع أكثر من عشرين مرة حول العالم، وتُرجم إلى لغاتٍ عديدة، العربية واحدة منها.

ومن بين المستشرقين الهولنديين الذين كانت لديهم اهتمامات بجوانب من التراث الأندلسي ميخائيل دي خويه (ت1909)، الذي اشتهر بعمله على إخراج مجموعة من المصادر عُرفت بـ"مكتبة الجغرافيين العرب". وكان من جهوده فيما يتصل بالتراث الأندلسي– عمله مع أستاذه دوزي سنة 1866 على إخراج قطعة من "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للشريف الإدريسي (ت560هـ/ 1166م)، وفيها القسم الخاص بإفريقيا والأندلس، مع ترجمة إلى الفرنسية. ونشْره سنة 1897 "صلة تاريخ الطبري" لعَريب بن سعد القرطبي (ت370هـ/980م)، الذي اختصر فيه تاريخ الطبري وأضاف إليه تاريخ المغرب والأندلس. كما أعاد دي خويه تحقيق رحلة ابن جبير (ت614هـ/1217م) التي كان الإنجليزي وليم رايت (ت1889) قد نشرها باللغة العربية سنة 1852 عن نسخة وحيدة في مكتبة ليدَن.

ومن الجوانب الأخرى التي شجّعت على الاهتمام بالدراسات الأندلسية في هولندا: اقتناء المخطوطات العربية ومن بينها الأندلسية؛ الذي ابتدأ أواخر القرن السادس عشر مع العناية بتدريس اللغة العربية إبّان تأسيس جامعة ليدَن سنة 1575.

فقد كان الحرص على اقتناء المخطوطات العربية من الأعمال التي نفذها مجموعة من المستشرقين الهولنديين -الذين أقام بعضهم في المشرق أو في المغرب- بالتعاون مع تجار المخطوطات الشرقية. وقد نشط هؤلاء المستشرقون في القرن السابع عشر على وجه التعيين؛ إذ تمكنت مكتبة جامعة ليدَن في ذلك القرن من اقتناء مجموعة مهمة من المخطوطات العربية، حققت لها سمعة علمية رفيعة على مستوى أوروبا وعلى مستوى العالم في مجال الدراسات الشرقية.

وتجدر الإشارة إلى أن هولندا تحتفظ بمجموعة من المخطوطات الأندلسية المهمة بعضها فريدٌ على مستوى العالم، فمكتبة جامعة ليدَن تضم النسخة الفريدة التي نعرفها لما وصل إلينا من كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي (ت456هـ/1064م)، وهي إحدى المخطوطات في مجموعة ليفي فارنر (ت1665) الذي كان سفيراً لهولندا في القسطنطينية، وهو أحد تلامذة المستشرق الهولندي ياكوب خوليوس (ت1667) أستاذ العربية في ليدَن، وقد عمل فارنر في أثناء إقامته هناك على جمع ما أمكن من الكتب، كان من بينها نسخة الطوق التي اشتراها عام 1660 في القسطنطينية، وحين توفي وهَبَ مكتبته التي احتوت ألف مخطوطة شرقية- إلى مكتبة الجامعة.

وتضم المكتبة كذلك مجموعةً من مصادر التراث الأندلسي كانت موجودة في مكتبة ليدَن منذ القرن السابع عشر، وهي ثمرة لإقامة بعض المستشرقين الهولنديين في المغرب واتصالهم بأهله ، مثل أستاذ العربية في ليدَن توماس إربينوس (ت1624) الذي أمضى بعض الوقت يتعلم اللغة العربية ويعلِّمها –تعلمها على يد المغربي الأندلسي الموريسكي أبي القاسم الحجري- وقد جمع بعض الكتب العربية، المخطوطة، لكن مجموعته تلك لم تصل بكاملها إلى مكتبة ليدَن بعد وفاته بل أخذت طريقها إلى إنجلترا؛ حين اشترتها مكتبة جامعة كامبردج.

أما خليفته ياكوب خوليوس الذي اشترك في بعثة دبلوماسية إلى المغرب 1623 فقد استغل وجوده هناك في الحصول على بعض الكتب العربية، وتشير مراسلاته المحفوظة في مكتبة الجامعة مع بعض الوسطاء العرب من تجار الكتب، إلى الجهد والمال الذي أنفقه في سبيل الحصول عليها. وتحتفظ جامعة ليدن بمجموعته الشرقية في مكتبتها، ومن بينها مصادر أندلسية مهمة مثل: "قلائد العقيان" و"البيان المُغرِب"، أفاد منها في القرن التاسع عشر- دوزي ومن قبله أستاذه فايِرْس في البحوث الأولى التي أُنجزت في ميدان الدراسات الأندلسية في العصر الحديث.

وهكذا يتبين من النظر في تاريخ الاستشراق الأوروبي أن ميدان الدراسات الأندلسية الحديث يدين بالفضل في بداياته إلى جهود المستشرقين في هولندا؛ وكان مما أعانهم على هذا بعض العوامل منها: أن إسبانيا وريثة التراث الأندلسي ومهد ما بقي منه من شواهد وآثار- قد اتخذت موقف العداء الصريح والقطيعة التامة تجاه كل ما يذكّرها بماضيها حين كانت تحت حكم المسلمين، وكان من مظاهر تلك القطيعة التعتيم على التاريخ العربي الإسلامي فيها، لذا فإن إسبانيا لم تعتنِ بالتراث الأندلسي المحفوظ لديها إلا عندما نشطت الدراسات الأندلسية على يد مستشرقي الدول الأخرى.

ومن جانب آخر أتاحت ظروف التاريخ والجغرافيا لهولندا بعض العلاقات الدبلوماسية والتجارية النابعة من المصالح المشتركة- مع دولة المغرب؛ فقد جمع بين هولندا والمغرب عداؤهما المشترك لإسبانيا، التي كانت تحتل قسماً من الأراضي الهولندية، وفي الوقت نفسه تعادي المغرب جارتها اللدود على الضفة المقابلة للمتوسط، مما جعل التقارب ممكناً بين هولندا والمغرب، وقد تجلى هذا التقارب على صعيد العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين البلدين، بما تتطلبه هذه العلاقات من الحاجة إلى زيارات أو سفارات متبادلة، والحاجة إلى مترجمين على دراية باللسان العربي واللسان اللاتيني. فكانت العلاقات بينهما سبباً قوياً في معرفة المستعربين الهولنديين المخطوطات المغربية التي ضمت جزءاً جيداً من التراث الأندلسي، وليس أدلّ عليها من صفحات أقدم وثيقة تؤرخ لبدايات الدراسات العربية في أوروبا وتحتفظ بها مكتبة ليدَن، وهي صفحاتٌ من معجمٍ عربي-لاتيني كان في مُلْك بعض المستعربين الهولنديين، وتظهر في تلك الصفحات صورة الكلمات العربية مكتوبة بالقلم المغربي لا المشرقي؛ مما يشير إلى أن مَنْ كتبها من الأوروبيين كان قد تعلّم الكتابة العربية على الرسم المغربي الأندلسي المعروف في المغرب، وهو قلم غير منتشر بين أوساط الكتّاب والنسّاخ في المشرق على نحو واسع.