أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 1 أكتوبر 2015

الأستاذة ربيعة الناصر

"من لا يشكر الناس لا يشكر الله"
في حياة كلِّ واحدٍ منا يمرُّ أناسٌ كثيرون، لكنّ القلَّةَ القليلة منهم تبقى في الذاكرة وتترك في النفس أثراً لا تمَّحي آثارُه ولا تزول... تماما كالعابرين على هذه الأرض: ملايين وملايين، عاشت ثم ماتت، أما الذين نعرف أخبارهم وآثارهم على هذا الكوكب فقليلون!
ومن القلة التي تنطبع في ذاكرة المرءِ عادةً ولا ينساها بسهولة: أساتذةُ المدرسة؛ فالمعلم -على الرغم من النظرة السلبية التي تحيط به من المجتمع ومن الأفراد، وعلى الرغم من الذكريات المحبطة التي قد تنطبع في ذاكرةٍ كثيرين منّا عنهم- هو من تلك القلّة القليلة التي لا يزول أثرُها على مرِّ السنين.
كم سمعنا من آبائنا عن جيلٍ كان يحترم الأساتذة، ممَّن يغيّرون الدروب خوفَ الالتقاء بأستاذٍ عياناً خارج أسوار المدرسة. كم سمعنا عن مبدعين كان فضلُ أساتذتهم عليهم عظيما. كم سمعنا عن فاشلين كان لأساتذتهم يدٌ طولى في هذا الفشل...  كم سمعنا تلك القصص التي تحكي صورةً نعرفها جميعا، تلامسُ وتراً من ذكرى نقتاتُ عليها في خريف العمر.
عني شخصيا أحتفظ بصورٍ عدة لبعض معلماتي، كلُّ واحدةٍ منهن تتخذ مجلساً لها في ركنٍ مميز من الذاكرة ، بدءاً من معلمة الصف الأول وانتهاء بمعلِّماتي في السنة الأخيرة.
...... هذه المقدمة الطويلة أسوقها في مقام إسداءِ المعروف إلى أهله، إلى واحدةٍ من أولئك اللواتي بذَلْنَ من أنفسهنّ في مسيرتي العلمية ما حقَّــــــقتُه، وما أحقّــــقُه، وما سأحقّــــقه غدا، ممن لهنّ فيه فضلٌ لا يُنكر، وجميلٌ لا تدرُسُ آثارُه. ومن أولئك كانت ست ربيعة الناصر أم طارق.

يوم الأربعاء الماضي 30/9 -الذي صادف اليوم العالمي للترجمة- قادتْني خُطايَ إلى دار المُنى للنشر والتوزيع، لحضور ندوة في الترجمة الأدبية، سررتُ فيها بلقاءٍ رائع، التقيتُ فيه على غير ميعاد بأستاذتنا ربيعة الناصر، وهي أمينة المكتبة في مدرستي مدرسة أم عمارة في إربد، حين كنتُ على مقاعد الثانوية العامة منذ ثلاثين عاماً.
 
يا إلهي! كيف يمكن لبريقٍ في عينين تلتقيان لوهلة، أنْ يمحوَ فراقَ سنين طويلة مرَّت ويشعل النار في القلوب، فكأنكما لم تلبثا إلا عشيةً أو ضحاها؟
غمرتْني سعادةٌ لا توصف بلقاء أستاذتي من جديد، وأخالُها كذلك قد ملأت نفسَها روحُ الفرح    عندما صادفتْ واحدةً من طالباتها أمامها، ما زالت تذكرها بعد هذا العمر.
عفواً... لم أكن حقاً واحدةً من طالباتها بمعنى الكلمة، كانت أمينةَ المكتبة وأنا كنتُ في سنتي المدرسية النهائية ولم أكن أجد وقتاً للمكتبة حينها. وربما لم أتبادل أنا والأستاذة ربيعة كلاماً أو حوارا خاصاً أو موقفاً معينا لتذكرني فيه بعد هذه السنين.. لكنني أذكرها تماما!
أذكرها جيداً في الطابور الصباحي في عباراتها وحواراتها مع الطالبات، في علاقتها الحكيمة مع طالباتِ مدرسةٍ ثانوية حكومية، وما تتطلبه تلك المهمة من حكمةٍ ومهارة. وأذكر زيارةً يتيمةً لبيتها ذات يوم؛ فهي تسكن في حيٍّ قريب، وكانت أختي صديقةً لابنتها. أما الذي ما زال ينطبع في ذهني من تلك الزيارة،  فهي الكتب التي كانت تملأ بعضَ رفوفٍ في الصالة التي جلسنا فيها في بيت ربيعة الناصر؛ إذ عادةً لا يعلق بذهني من الأمكنة التي أحِلُّ فيها- إلا الكتب والنباتات والموسيقا!
.. هذا فقط هو كل ما في الأمر، هذه هي ست ربيعة الناصر في ذاكرتي المدرسية، هذه هي فقط. لكنها كانت وما زالت امرأة مميزة، والمميزون فقط هم الذين يتركون في روحك أثراً إيجابياً لا يقدر عليه غيرهم حتى وإن تركوا أثراً في نفسك.
هذه السيدة المتميزة هي أستاذتي وأستاذة كثيرين وكثيرات مسَّت روحُها شغافَ قلوبنا.. ولا بُدَّ أنها مسَّت شغافَ قلوبِكم ربما دون أن تعلموا، إذا ما علمتم أنَّها والدةُ الموسيقيّ الأردني الشاب المبدع طارق الناصر، الذي لامستْ موسيقاه السحرية أرواحَنا منذ مسلسل "نهاية رجل شجاع"، ومقطوعاته الموسيقية في "فرقة رم"، وإبداعاته الفنية التي لا تتوقف، وهي صاحبةُ "بيت الحكايات والموسيقا" للأطفال، حيث تبدأُ الحكاياتُ ولا تنتهي، حيث القراءةُ طقسٌ يوميّ زادُ الروح وخبز العقل!
هذه هي ربيعة الناصر في نفسي... انتصبت واقفةً من مجلسها الذي تتخذه في ذاكرتي، لتقول لي ولكم الإنسان المميز يترك بصمته التي لا تُنسى في أي مكانٍ حلَّ وفي أي زمانٍ كان! ويُبعَث في كلِّ خفقةٍ من قلبٍ محبٍّ يعرف الوفاء... ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
استمتعوا بموسيقا نهاية رجل شجاع