أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 27 مارس 2016

لماذا يجب أن تكون الجنةُ بعيدة؟!

 رحلات في الوطن وخارجه
في بلادنا طبيعةٌ خلّابة ذات جمال خاص، يخالف الجمال الموروث في الماء والخضرة والوجه الحسن، إنّ في كل قطعة على هذه الأرض جمالٌ لا تدركه إلا العيون التي ترى الجمال بقلوبها، ففي رمال الصحراء الممتدة تحت لهيب الشمس الحارقة جمال، وفي السهول الثلجية الجليدية التي تنتهي إلى ليلٍ يطول شهورا- جمال، وفي الغابات الخضراء والجبال الشمّاء والسهول والأنهار والوديان والقيعان...فيها قِطَــعٌ من جمال مختلف ألوانه!
الجمال نعمة الخالق الجميل لأهل الأرض، لكنّ الإنسان لربه كنودٌ جحود! لا يقدّر قيمة الجمال الذي بين يديه، وهذا ما يمُرُّ في خاطري كلما ذهبتُ في بلادي بعيداً عن ضجيج المدينة وزحام الحجر والبشر فيها. فلا أدري ما الذي أصابَنا؟! وما هذا القبح الذي ننغمس فيه دون أن ندرك خطورة الأمر؟! إن في كل ما حولنا مسحةَ جمالٍ تنطفئ يوماً بعد يوم، ولولا بقيةُ عنايةٍ إلهية ترحم مَن في الأرض، لانتهى الجمالُ إلى غير رجعة.
                                                                          منطقة أم قيس الأثرية /الأردن 2016
إن مسألة الجمال واللياقة والأناقة والنظافة ليست ترفاً حضارياً أو ثقافياً يختصّ بمجتمع دون آخر أو بأمة دون أخرى، إنها قيمة إنسانية لا تفنى ولا تموت!
في رحلةٍ قصيرة إلى منطقة أم قيس الأثرية شمال الأردن، أو إلى قلعة عجلون، وفي رحلاتٍ أخرى تشبهها إلى البتراء الأثرية جنوب الأردن، وإلى قلعة الكرك، وفي رحلاتٍ إلى مواقع أثرية أخرى على أرض الأردن يتكرر المشهد مرةً تلو مرة ولا يختلف! أعود إليه طفلةً كأني ما فارَقْتُه إلا الساعة! لماذا؟! ماذا كنا نفعل طيلة السنوات التي مضت والتي تقترب من مئة هي عمر الدولة الأردنية الحديثة؟ ماذا كنا نفعل حتى نكون عاجزين عن تسويةِ طريقٍ في موقع أثري يمكن أن تسير فوقه على قدميْك، دون أن تُلقي بحذائك في سلة المهملات حين تعود من رحلتك لزيارة أيّ مَعلَمٍ أثري ؟!
                                                                                                                           منطقة أم قيس /الأردن2016
ماذا كنا نفعل طوال قرنٍ حتى تكون البتراء وأنا صبيةٌ سنة 1987 هي ذاتها البتراء سنة 2016؟!  وربما هي ذاتها البتراء التي أماطَ عنها اللثامَ جون بيركهارت الرحالة السويسري مكتشف المدينة الوردية العجيبة سنة 1812؟! لماذا تكون البتراءُ بغبارها وأتربتها  وفوضى الحواس التي تقع على معالمها هي هي قبل مئة عام وبعد مئة أخرى؟! ماذا كنا نفعل كي تقطع (السيق) الممتد في الوادي على قدميْك، وحالما تنتهي منه إذا بك أشعث أغبر وكلُّ خيبات العمر تصبح ماثلةً أمام عينيك، حين تنفتح نهايته على خيبةٍ تُنسيكَ جمال المبنى الوردي المنحوت في الصخر!
ما الذي دهانا في الأردن وفي بلادنا العربية حتى تختفي ذائقتُنا الحضارية في التنزه وارتياد الحدائق والرياض التي أبدعْناها وامتلأت بأخبارها كتب الفِلاحة والتاريخ والأدب. وامتلأت بها حواضرُ بلادنا وقراها وأريافها، لماذا يستقبلك القبح في مرابع المتنزِّهين بأكوامِ النفايات المبعثرة؟! ولماذا تطلُّ الأعشاب الضارة النامية هنا وهناك من بين الحجارة والآثار،فتأكل ما بقي منها؟! ولماذا تفتقد المواقعُ الأثرية إلى حدٍّ مقبولٍ من الخدمات التي لا يستغني عنها مسافر؟! ما الذي تفعله وزارة الآثار إذا طلب طفلي استخدام الحمام بعد يوم طويل من الرحلة؟! وما الذي تفعله تلك الوزارة لو احتاج والدي مكاناً للوضوء أو الصلاة؟ هل تظن أن جبايةَ رسوم الدخول للمواقع الأثرية هي السياحة؟؟ هل تظن أن دخولَ المواطن للموقع الأثري خلسةً بلا رقيب- هل تظن أنه سياحة هو الآخر؟؟ إن عقلية (الجباية) و(الفهلوة) و(السَّلْبَطَة) والاستخفاف بالمواطن العربي سرقت الجمال من قلوبنا وشوَّهت كلَّ جميلٍ في عيوننا.
لا تذهب النفس من هذه الخواطر إلا وتحضر البلاد الأخرى لتحتل الصورة، التي نتجرع حسرتها، مرة بعد مرة، فإذا كنتَ رحالةً على سفرٍ ذات مرة، أو كنتَ رحّالةً بين الصور مرة أخرى فسافرتَ في الأرض دون أن تغادر الشاشة التي أمامك، وصرتَ تحفظ ملامح المدن كما تحفظ وجوه النساء، فإنك ستعرف أن الجمالَ بعيدٌ عنا وأن الجنةَ بعيدةٌ جدا!
لماذا عندما نجوب مدن العالم نجد للمعالم الأثرية مذاقاً آخر؟ لماذا تحنو قلوبُ غيرنا على الحجارة، ونحن نقسو حتى لتكون قلوبُنا كالحجارة بل أشد قسوة؟! كثيراً ما تساءلتُ مثلاً في زيارتي لمدينة عكا وحيفا -فكَّ الله أسرهما من أيدي يهود- أمام بديع الجمال الربّاني الذي يأسر قلوبَ العاشقين: كيف تستحيلُ هذه الهِبَـــةُ الإلهيةُ قِطَعاً من سحرٍ فتّان يأسر القلوب فلا تغادرها؟! وكثيراً ما تساءلتُ: ماذا لو كانت حيفا مثلاً ما تزال بأيدينا، هل كانت شوارعها ستكون في تلك الأناقة والنظافة والسحر الحلال؟!!

حدائق البهائيين المنسَّقَة الجميلة/ الكرمل- حيفا2013
على بوابة حدائق البهائيين التي تزهو بها حيفا على سفح جبل الكرمل، اقتربتُ بضع خطوات لإبراز تذكرة الدخول للموظفة، نظرَتْ في وجهي تتأمل في شفتيَّ المتحركتين، وقالت: العلكة!! ليس مسموحاً بها! كانت في كلماتها (صدمةً حضارية)، تلك الصدمة التي يحدثكَ عنها علماء الاجتماع تصيب الفرد حين ينتقل من مجتمعه الذي اعتاد إلى مجتمع آخر جديد!
(علكة) بحجم حبة الفستق يلوكها لساني تمنعني من دخول حدائق البهائيين في حيفا!! وعندما عدتُ أدراجي مساء ذلك اليوم كنتُ أستعيد كلماتِ الموظفة في سري وأقول: نعم إن مجرد قطعة علكة صغيرة تخلق الفرق! وبعضنا يسخر منك لو قلتَ له ممنوع التدخين!!
أما في قرطبة التي كانت بأيدينا زينةَ الدنيا وعاصمةَ الأرض، ففي ذات مرة كنا أمضينا والزملاءَ الصباحَ في زيارةٍ لدار البلدية ونحن بملابسنا الرسمية. وعندما انتهى اللقاء سِرنا في جولةٍ في المدينة القديمة في المواقع الأثرية التي يعرفها الناس في قرطبة. كنا نرتدي ملابسنا الرسمية وأحذيتنا غير الرياضية، قطَعْنا ساعاتٍ مشياً على الأقدام في الأزقّة الشابة التي جاوزت ألف عام من عمرها، فلم يأكل الغبارُ والأذى أحذيتَنا والثيابا!

السور الخارجي للمسجد الجامع بقرطبة والشارع الحجري النظيف اللامع/ الأندلس2014 

زقاق نظيف من أزقّة قرطبة زينة الدنيا/ الأندلس2014
وفي الليلة نفسها كنا نعاود رحلةَ المسير نفسها في ساعة متأخرة، وخريرُ مياهٍ متدفقٍ ينساب في الأذنين، وإذ برجالِ البلدية في ثيابهم الصفراء وصهاريج مياه متوسطة الحجم يجرُّونها خلفَهم يهرقون المياه على الأرض الحجرية الملساء فتغدو لامعةً براقة  من النظافة. لماذا تعلَّموا منّا كلَّ جميلٍ ونسيناه نحن؟؟!
فإن قال قائل إنّ شوارعَ قرطبة هي داخل المدينة القديمة نفسها، فلأذهب بكم إلى آثار المدينة الملكية المنكوبة (مدينة الزهراء) في ضواحي قرطبة التي لم تُبقِ منها حوادثُ الزمان إلا أطلالاً مهجورة، لكنَّ زيارتها في المكان الخالي البعيد عن قرطبة المدينة- لا يمنع أن تزورها وأنت بكامل أناقتك أيضا! فلن تحمل همَّ أذى الطريق ووعثاء السفر إليها؛ فالأرض ممهدةٌ، والدروبُ مبلَّطة، والطرقاتُ والدَرَجات والرَّوحات والجيئات، ميسَّرةٌ للماشي وللراكب.
أما في قصر الحمراء بمدينة غرناطة، فإنك تقطعُ دروباً طويلة صعوداً وهبوطاً تصعد إلى قصبة الحمراء تسير في أروقة القصروأجنحته وحدائقه وأنت بكامل أناقتكَ فلا تخرج منها إلا وقد ازددتَ جمالاً على جمال، يغمر روحَك عطرٌ أريجٌ يدوم ويبقى أثرُه في قلبك. فما بالُ الطريق إلى الحمراء عامرةً بوارف الظلال، تستقبلكَ المياه الجارية في غدران رفيعة على جوانب الطريق الصاعد إليها، وتحفُّ بك الأشجارُ الباسقةُ بحنانٍ يأسرك ضيفاً، وتنسى أنك عابر سبيل في تلك الأرض فتطيب لك الذكرى ويطيب لك المقام.
فما الذي قد نخسره ببذلِ قليلٍ من نظافةٍ وقليلٍ من أناقةٍ وقليل من ترتيب؟!
ما الذي قد نخسره لو استفَقْنا على مواقع بلادنا الأثرية وقد صارت طرقاتُها ممهَّدة موطَّأَة لكل زائر؟ وما الذي قد نخسره لو كان لأهل المسؤولية فينا -صغُرت أم كبرت-  بعضٌ من المسؤولية التي سيُسألون عنها يوماً؟! وما الذي يمكن أن يفوتنا لو كانت الأمانةُ عملاً لا قولاً يتقنه من هبَّ ودبّ؟!
ما الذي؟! وما الذي يمكن أن تكملوه أنتم في الأسطر الفارغة التالية
....
...
...
حتى  نقف على اليرموك مجدداً نكرر السؤال:


 "أجبني هل يفيقُ الشرقُ حقاً ... وينهض بعد أن أغفا وناما؟!!!"



الصور المرفقة بالمقال  بعدسة صاحبة المدوَّنة 

الأربعاء، 23 مارس 2016

مع الأستاذ القاضي ماجد غنما


..... أول مرة في حياتي أجلس إلى أستاذ من أولئك العمالقة الذين نقرأ لهم ونتمنى مجالستهم- كانت وأنا في مرحلة الماجستير، في إحدى محاضرات النقد الأدبي لأستاذي الدكتور إبراهيم السعافين؛ إذ كان ضيفُنا -في إحدى المحاضرات- العلَمَ العلّامةَ الأستاذ الدكتور إحسان عباس.
وما زلت إلى اليوم بعد مرور أكثر من عقد ونصف من الزمان على تلك الدقائق التي شرُفنا فيها بلقائه، ما زلتُ أذكر جيداً الحالة التي كنتُ عليها في حضرة هيبة العلماء بحق التي لا تدانيها هيبة، وما زلتُ أحكيها لأولادي ولطلبتي وأصفُها بأنها كانت التطبيق العملي للمثل الشعبي (بترمي الإبرة بتسمع رنّتها). ربما لم أعد أذكر كلَّ ما قال هو، لكنني أذكرُ جيداً ما شعرتُ به أنا.
لم أختبر مثل ذلك الشعور ثانية إلا العام 2011 في مؤتمر الرحلة بين فون همبولد وابن بطوطة/ جامعة ابن طفيل؛ إذ شرُفنا في واحدةٍ من جلسات المؤتمر المميزة بمشاركة الأستاذ المؤرخ المحقق عبد الهادي التازي صديق الرحالة ابن بطوطة، الذي أمتعَنا وشنَّف آذاننا بمداخلته وتحقيقاته حول مخطوطات جديدة طريفة لرحلة ابن بطوطة.
هذان الموقفان كانا حاضريْن مساء أمس في الندوة التكريمية التي أقيمت لواحدٍ من أعلام الأدب الأردني الأستاذ القاضي ماجد ذيب غنما، وقد كان لي شرف المشاركة في الكلمات المقدمة بهذه المناسبة حول كتابه يوميات أندلسية.

لا أستطيع أن أصف شعوري، هل هو شعور الاعتزاز بأديبٍ أردني من منزلة الأستاذ ماجد غنما؟ أم هو شعور الفخر بالنفس لأنني حظيتُ بشرف الوقوف إلى جانب قامةٍ كتلك، من القامات الباسقات السامقات من قامات أَعلامنا الأردنيين؟
 كان شعوراً رائعاً وأنا أقف إلى جانب واحدٍ من أركان الأدب الأردني المعاصر ،ألتمس فيه روحَ روكس العُزَيزي وعيسى الناعوري وناصر الدين الأسد وغيرهم من الروّاد، وأشتمُّ من عبقه رائحة الشباب المثابر وروح الجمال والعدل الذي لا يفني بفناء الجسد.

جمعَتْني الأندلس بالأستاذ ماجد غنما فكانت كلماتي في كتاب رحلته إلى إسبانيا التي سطّرها بعنوان يوميات أندلسية التي صدرت في 1978.

تجدون نص مداخلتي في هذه الندوة التكريمية على التدوينةالسابقة بعنوان :
يوميات أندلسية ل ماجد ذيب غنما 

الثلاثاء، 22 مارس 2016

يوميات أندلسية لـ ماجد ذيب غنما


ألقيت في الندوة التكريمية التي أقامتْها لجنةُ القصة والرواية في رابطة الكتّاب الأردنيين في عمّان، مساء 21/3/2016
 للأديب الأستاذ والقاضي ماجد ذيب غنما

لا تحضر الأندلسُ إلا وتستحضر السحرَ والحنين، كلُّ حديثٍ تكون فيه الأندلس- عذبٌ جميل، فكيف إذا كان الحديثُ حديثَ يومياتٍ أندلسية تعبُّ من سحر المكان وعبق التاريخ؟ بعينٍ تُحسنُ التقاطَ روحِ الإنسان في المكان الذي تزور؛ لتكسوَ تلك الروحَ جسداً من كلمات.
في هذه الأمسية التكريمية لقامةٍ من قامات الأدب الأردني المعاصر، أطوف بكم في يومياتٍ أندلسية سطّرها قلم الأديب ماجد ذيب غنما.
وسيكون حديثي في قسمين:
الأول منهما عرضٌ لفعل الرحلة لمن فاتتْهُ منكم قراءتُها، والثاني عرضٌ آخر لنصِّ الرحلة في كلمات.

القسم الأول:
أما فعلُ الرحلة فكان ظهرَ يومٍ من أيام تموز العام 1977، كان فيه ماجد غنما في جوف طائرة تسابق الريح إلى الأندلس، وإذ خاب أملُه حين لم يرَ الأرض من الجو كما يشتهي، أخذ يسلي النفس بعبارات توينبي: "أمتعُ وسيلة للسفر أبطأها، وأمتعُ الدروب أوعرُها"! فكانت هذه الكلمات دليلاً له في بقية الرحلة تعين على التقاط تفاصيل الأرض والناس وروح المكان والزمان.
كانت العاصمة الإسبانية مدريد محطته الأولى رفقة الدليل الإسباني بلسانه الإنجليزي، وبعين المثقف الواعي لم تمضِ أيامُه القلائل في مدريد إلا وقطعها بما لذَّ وطاب من جولات: فتلك جولة في شوارع المدينة وميادينها، وتلك زيارة لمتحف الفن المزدحم بآلاف الزائرين، وهذه زيارةُ الكورّيدا حلبة مصارعة الثيران، وتلك زيارةٌ للمعهد الثقافي الإسباني والاطلاع على أعمال المستشرقين والعاملين فيه، وأخيرا تلك الزيارة لنصب شهداء الحرب الأهلية في دير الإسكوريال.
وتمضي بنا يوميات ماجد غنما الأندلسية ليقف في يوميةٍ خاصة على لغة الخميادو، وهي لغة أهل الأندلس بعد سقوط غرناطة وتعرضهم لملاحقات محاكم التفتيش، فتفتَّقت أذهانُهم عن طريقةٍ عبقرية يحفظون بها ما بقي من تراث يتناقلونه جيلاً فجيلا، فكتبوا الإسبانية – اللغة التي أُجبروا على التحدث بها- بالحروف العربية التي صار نطقُها ورسمُها ومحمولُها، محرَّماً على ألسنتهم وأقلامهم، فحفظوا في الخميادو -اللغةِ الفريدة- حروفَهم وبعضَ دينهم.
وإذا ما تابعنا الرحلةَ غادرْنا وإياه مدريد مترسماً خُطى طارق بن زياد، متجهاً إلى طليطلة واسطةِ عقد الأندلس ومنبع الفن، مدينةالتلال السبعة على نهر تاجُة، واقفاً قرب أسوارها على بوابتها بوابةِ الشمس، لقد كانت طليطلة أولى محطات ماجد غنما وهو يغذُّ المسيرَ إلى الجنوب حيث تأخذ الأندلس بشغاف القلب.
عندما عبرَ بوابةَ الشمس إلى طليطلة انثالت إلى ذاكرته- اللغةُ العربية؛ فالأماكن والشوارع والدروب كلُّها تذكّر بمن كان هنا! القنطرة/ الكانترا، القصر/ الكاثار، السوق/ ثوكو... والطرُز المعماريةُ العربية والآياتُ القرآنية والنقوشُ الإسلامية التي تزين الجدران لم تترك شيئاً حتى الكنائس- كي تقول : لقد كُنّا هنا!
كما تأخذك كلماتُ ماجد غنما حتى لتشعر كأنك تسير معه في شوارع المدينة القديمة، في صورةٍ تطابقُ شوارع القدس العتيقة، ترى وجه القدس في طليطلة فتنسى آلاف الأميال التي بينهما، ولا تعود تذكر إلا تلك الرجفةَ التي تسري في روحكَ وأنت تدعو  في سرّك معه كما دعا: أن يبقى الشبَهُ بين المدينتين قاصراً على المظهر لا على المصير!
كانت محطته الثالثة جارةَ الوادي الكبير، العاصمةَ الأندلسية قرطبة، التي لم تكن يوماً مدينةً عادية، ولا كانت زيارتُها بالأمر الهيّن اليسير، قرطبة ما زالت شاغلة التاريخ وصانعة الأمجاد، وإنَّ زيارتها لهي حجٌّ تاريخي وثقافي  بل هي صلاةٌ في محراب الفن والأدب.
في الطريق إلى قرطبة تمتع ناظريْك بمزارع الزيتون وكروم العنب الممتدة إلى ما لا نهاية..
 في الطريق إلى قرطبة أحلامٌ مسافرةٌ مع ذكرى العلماء والشعراء الأندلسيين ..أسماءٌ لا تنفكُّ تطرق ذاكرتك كلما انبجست شفتاكَ عن : قرطبة!
في ذلك الحج التاريخي الثقافي إلى قرطبة تدخل مسجدها الجامع، تدلف صحنه فناء البرتقال تستقبلك نافورةُ المسجد بماءٍ عذب لا تملك من نفسك إلا أن تُعَمِّد جوفك بقطراته، كي تغوص في غابة الأعمدة والأقواس المزروعة في المسجد روعةً وجمالاً.
فإذا ما استفاق صاحبُنا الرحالةُ من نشوة الجمال غادر المسجد مكرهاً  بأمر الدليل السياحي، وهو لا يدري بقيةَ السحر التي تنتظر! إنه سحرُ الدروب العتيقة لتلك الجميلة التي اسمها قرطبة!
سار ماجد غنما ورفاقه في تلك الدروب، وما زال للّحظةِ يرنُّ في أسماعنا صدى أصواتِهم يتصايحون:  إنها شوارع القدس.... لا بل أزقة دمشق!!! كلُّ واحدٍ يرى فيها مدينتَه وبلدته، لكن طيف نزار قباني يهمس في آذانهم: " في أزقة قرطبة الضيقة مددتُ يدي إلى جيبي أكثر من مرة لأخُرِجَ مفتاحَ بيتنا في دمشق".
والبيوت قد فُتِّحت أبوابُها، خلفَ كلِّ باب... بيتٌ دمشقي. وما زالت في القلب دمشقُ... الروح دمشقية.. والعشقُ دمشقي.. ودمشق لم تغادر صاحبَنا، لكنه غادرَها وفي القلب أنينٌ ووجع من فَوْتِ الحج إلى أطلال الزهراء بضواحي قرطبة.
غادر ماجد غنما سحر قرطبة إلى أجمل مدن الأندلس إشبيلية، مدينة الحدائق التي تزهو على نهر الوادي الكبير،كأنما النهرُ قد خُلق من أجلها هي.
إشبيلية التي تضم ثالث أكبر كاتدرائية في العالم، يرقد تحت قبتها ذلك الشابُ الذي غيَّر وجه التاريخ بعالمه الجديد، كولومبس الذي أبحرت سفنُه وأحلامُه من مياه الوادي الكبير.
الكاتدرائية مبينةٌ فوق المسجد الجامع الذي لم يبق منه إلا فناءُ النارنج ومنارة المنصور (الخيرالدا) تشرف على المدينة بأكملها، يجاورها القصر الملكي (الكازار) بشقَّيْه العربي والإسباني. كلُّ بهوٍ منه أو فناءٍ أو عقدٍ أو نقش يحكي الروعةَ والجمال الذي يغمر المدينة.
لم ينس صاحبُنا الرحالةُ أن يختم لياليه في مدينة المعتمد بن عباد برقصٍ وغناء إشبيلي فلامنكي حزين، يحكي الأسى الذي تخلّفه المدنُ الأندلسية في قلوب الزائرين، المأخوذة بسحر ماضيها وبهاء حاضرها، ليكون الغناءُ الشجي هذا آخرَ العهد بإشبيلية وهو يرحل عنها إلى غرناطة، في رحلة استردادٍ تاريخي تعود فيها عقارب الزمان للوراء، يودّع فيها الأندلسَ قطعةً قطعة، من حيث يظن أنما يطأ ثراها للمرة الأولى.
فكانت غرناطة تنكأ جراح القلب الساكن بين الضلوع وتشفيه! وفي الحمراء داءٌ، وفيها  الدواء.
كان الدليل السياحي يحدِّث بأخبار المصير الذي آلتْ إليه (دولة) الأندلس، وصاحبُنا تحدِّثه نفسُه بالمصير الذي آلت إليه (دول) الأندلس، وعلى أصابعه يتلمّس عدد الدول في الجامعة العربية يقارب عدد ممالك الطوائف الأندلسية، فتلهج نفسُه بالدعاء إلى الوحدة والاتحاد سبيلاً وحيداً للانتصار!
كان الجرحُ النازفُ يشفيه بلسمُ الوقوف على باب الجنة، جنةِ العريف، وإذا ما كان دخولُ الجنة أمراً غيرَ مؤكدٍ لأي إنسان ولأي قاضٍ –بحكم أن القضاةَ ثلاثةٌ اثنان منهم في النار- فقد هبَّ صاحبُنا يلبي نداء الدليل السياحي كي يرافقهم في دخول الجنة. وفي المساء كانت السهرةُ الغجرية في كهوف جبال غرناطة، ثم كانت العودةُ منها سيراً على الأقدام، يسير الجسدُ بمحاذاة نهر حدُرَّة، والعين ترقب الحمراء  تتلألأ تحت الأضواء قصراً أسطورياً فتاناً ساحراً، يسلب الألباب ويُنسي المرءَ نفسَه.
****************
ولكني أرجو أنكم لا تنسَوْن أنَّ هذا كان فعلَ الرحلة، رحلة ماجد غنما إلى إسبانيا في يومياته الأندلسية. والآن نحن حديثٍ آخر حول نصِّ الرحلة أو ثوب الكلمات الذي ألبَسَهُ قلمُ أديبنا الرحالة لرحلته تلك.

القسم الثاني
أما نصُّ الرحلة فأبدأ التمهيد له بأن القيمة الثقافية والجمالية لكتب الرحلات لا تنتهي، ولا غنى لنا عنها، حتى وإن استغنى اليومَ كثيرٌ من المسافرين والرحالة بالصور عن الكلمات.
ربما ما عاد كثيرٌ منا -في زمنٍ كثرت فيه الأسفار وصارت اللحظات معظمُها محبوسةً في صور- ماعاد كثير منا يجد في نفسه ما يكتب فيه عن رحلة أو زيارة إلا القليل، ولكن تبقى لأدب الرحلة قيمةٌ إبداعية  لا تقل عن فنون أخرى، لكنْ قليلٌ ما هم الملتفتون إليه. بل إن أجمل ما يكتب المبدع ما هو قريبٌ من يومه قريبٌ من نفسه.
في يوميات ماجد غنما الأندلسية لا نعثر فيها على اليوميات التي قد نظن، بل إن عدد أيام الرحلة يكاد يخفى، فلم يجرِ كاتبنا فيها على تدوينٍ زمنيّ بتسلسلٍ محدد، بيد أنه جعل يومياتِه في عناوين للأمكنة التي زارها وللوقفات التي أوقف قُرّاءَه عليها. . إنها يوميات عابرةٌ للقلب والذاكرة بدليل أن محطاتِ رحلته ما زالت إلى اليوم هي محطاتُ أي زائر للديار الأندلسية.
إذا ما وقفنا عما تكشف عنه هذه اليوميات فإن أول ما يقع في النفس بعد اكتمال قراءتها أن رحّالتنا مثالُ الرحالةِ الواعي، ترى هذا الوعي في خطة سير رحلته المُحكمة ومحطاتها.. تراه في انتقاء الأماكن التي سار إليها.. في الانطباعات التي وقعت في نفسه.. في النظرات الثاقبة الاستشرافية التي لم تغفل عنها عينُ العدالة في ضمير القاضي ماجد غنما.. في اللفتات الذكية التي تربط الحاضر بالماضي ولا تكفُّ عن السؤال في حضرة الأندلس تلك المعجزةِ الحضارية الفريدة. وهو ما قرره في مقدمة الرحلة عندما قال:" إن التاريخ لا يعيد نفسه إلا عندما نعيد نحن أخطاءنا" . ففي كلماته القليلات تلك عِبَرٌ كثيرة وعِظات، وهي الغرض الذي ارتآه ليومياته: عودة هادئة للتاريخ يرجو أن يكون فيها عبرة وعظة.
فكان له في كل مدينة زارها موقفٌ وتأمل: حين وقف في مدريد أمام تماثيل أبطال الإسبان المنتشرة في ميادين المدينة ذكَّره هذا الوفاءُ بالمحاولات اليائسة في أقطارنا لتشويه الرموز وتحطيم منجزاتهم.
وفي وقفته في الكورّيدا حلبة مصارعة الثيران تساءل : وما هو مستقبل هذه اللعبة؟ في زمنٍ لم يعد يُرى فيها ما كان يراه أصحابُها من قبل.
وعندما وقف في متحف الفن على أعمال الفنانين الإسبان التي لامست قلبَه كأنها قصائد شعر خالدة، تساءل في نفسه: ومتى يكون في بلادنا ديوان شعر قصائده لوحات كهذه اللوحات؟!
وفي الدهشة التي اعتَرتْه أمام غرفة الكنز في كاتدرائية طليلطة العظيمة، فإنَّ في بذل تلك الكنوز خدمةً للشعب - عبادةٌ أكثر مما في كنزها في غرفة!
وفي جولات رحالتنا في أزقّة قرطبة ولقائه بتماثيل من أهلها الغابرين، وقف أمام تمثال ابن رشد حتى خُيِّل إليه أن التمثال يكاد ينطق والسؤال على فمه يقول: وكيف حالُ عرب المشرق اليوم؟ فأيَّ جواب سيكون هو الجواب وليس في أحوالهم ما يسرُّ!!
ولم تخلُ تأملات ماجد غنما في آثار الأندلس الباقية من العبرة والعظة، وحالُ العرب اليوم لا ينفكُّ ينادي ماضيهم نادباً شاهداً على عجزٍ يؤمَلُ تعافيه.
كانت هذه الوقفاتُ التأملية والدروسُ المستفادة من آثار العرب في الأندلس تتدفق بسلاسة في سطور الكاتب الممتلك قلماً رشيقاً لا تنقصه الجزالةُ والإتقان، فكان نتاجُه ذاك تجسيداً لبيانٍ أتقنه أدباؤنا في الأردن من أهل التخصصات الأخرى.
لكن جزالةَ كلماته ورشاقة أسلوبه لم تمنع الفكاهةَ اللطيفة من أن تطلَّ بين الفينة والفينة لتلطِّف أجواءَ تموز الحارة في بلاد الأندلس. فها هي تطالعك أولاً في أوصاف سنيور أنجيلو الذي يسمي الأشياءَ بغير مسمياتها: فقصرُ العدل هو قصر اللاعدل! وكلية الطب هي المكان الذي يمنح الطلبةَ شهاداتٍ لقتل الناس! واسمُه اللطيف هو الملاك، مع أن ملامحه لا تشي باسمه أبدا!
ولأن العربَ تسمي الأشياء بأضدادها فإن كاتبَنا التزم الصمتَ كي لا يفسد الود بينه وبين السنيور الملاك!! أما زيارته للكورّيدا فلم يشاهد فيها مصارعين ولا ثيران! لكنّ الثيران أبت إلا أن تثبت وجودها براحة روْثها التي ملأت الممرات!!
وكما أن جزالة أسلوب ماجد غنما ورشاقة ألفاظه لم تمنع من الفكاهة خفيفة الظل، فإن إحكامَ صنعةِ كتابه تبدو للعيان؛ إذ سار صاحبُنا في ظلٍ منهج علمي يمنعه من الهوى فيما يعرض ويسجل من انطباعات، وكأني به في يومياته تجمع بين الذاتية والموضوعية، المتعة والفائدة، التجربة الشخصية والمنفعة العامة. فلقد سار وفق منهجٍ في انتقاء ما يقدم وتمحيصه؛ كيما ترتقي اليومياتُ لتكون وثيقةً ومرجعا.
وأمثلةُ ذلك كثيرة، فمنها: لقاؤه بالدكتور بيدرو مارتينيث مونتابيث عميد كلية الآداب في جامعة مدريد، وما سجّله غنما لما دار بينهما من حوار عن تاريخ الأندلس وحاضر إسبانيا، فيتحرز المؤلف في نهاية يوميته تلك من أي مسؤولية قد تلحق صاحبه في الحوار؛ لأنه سجل كلامه من الذاكرة لا من ملاحظات مكتوبة، فما أبعد نظرةَ المؤلف في إتقانه صنعته!
ويبدو منهجه في الضبط العلمي في اليومية الخاصة بالفتح العربي في الأندلس، وهي وقفةٌ تاريخية أكثر منها رحلة في المكان، أراد لها أن تكون بقعة ضوء تعين القارئ على تمثل أجواء الرحلة، وكان من لطفها أنها جاءت في آخر الرحلة لا في أولها لتجعل الرحلةَ بعيدةً عن كتب التاريخ التي قد يضيق بها قرّاء كثيرون.
وفي هذه اليومية يناقش ماجد غنما بعين العاقل السؤال الجدلي الأول حتى هذه اللحظة في أي حديث تكون الأندلسُ حاضرةً فيه: هل الوجود العربي الإسلامي فيها كان فتحاً أم استعمارا؟
ومما يثير الإعجاب في إجابته أو في إدارة النقاش حول هذا السؤال، أن يقرر أنه من غير المنطق النظر لأحداث القرن السابع بمنظار القرن العشرين؟! وهذه الأرضية تصلح مدخلاً لنقاشٍ هادئ ينبغي أن يكون في مثل هذه المسألة.
وفي اليومية قبل الأخيرة من اليوميات (التاريخ يعيد نفسه) يلفت ماجد غنما نظرنا إلى منهجه في بناء يومياته، عبر عددٍ من الإضاءات التي كانت بحضرة العالِم الأندلسي الأستاذ الدكتور محمد عبده حتاملة، الذي أشاد بطرافة النقاط التي عرَض لها ماجد غنما وجِدَّتها. وهذا من القيمة العلمية التي تحملها اليوميات، خاصة أن المؤلف تطرَّق إلى مسائل لمــّــــا تكن تجد طريقاً لها في البحث والدرس في عالم الدراسات الأندلسية في عالمنا العربي. كمثل مسألة لغة الخميادو ودور المستشرقين في حفظ التراث الأندلسي ودراسته.
ونختتم مع ماجد غنما رحلته في آخر يومياته بأن أسباب معاناتنا اليوم هي الأسبابُ القديمة نفسُها وهي التي تؤدي بنا إلى نتائج مشابهة: اتحاد الممالك الإسبانية، واختلاف العرب وغياب وحدتهم! وبعين العقل والمنهج العلمي يصل ماجد غنما إلى أن الأندلس العربية في روحها هي الأندلس التي تدعونا اليوم إلى دعم الإخاء الدائم بين الشعب العربي والشعب الإسباني، فالأحداث الماضية صارت في ذمة التاريخ والمستقبل هو لوشائج الإخاء والصداقة.



المشاركون في الندوة التكريمية للأديب الأستاذ ماجد ذيب غنما ، من اليسار:

د.سليمان أزرعي / الضيف الأستاذ القاضي ماجد غنما/ د.أحمد ماضي/
 د.رشأ الخطيب/ د.محمود عبابنة/ أ.كايد هاشم

الأربعاء، 9 مارس 2016

8 آذار وحرب لن أخوضها

8 آذار وحرب لن أخوضها
بقلم غادة السمان

لم تولد بعد تلك المرأة التي لا تحب شراء شيء تافه بسعر مرتفع ـ أنيس منصور.
المرأة شعرها طويل وفكرها قصير ـ مثل روسي.
لا سلاح للمرأة إلا لسانها ودموعها ـ مارك توين.
كثير من الزيجات بائسة وتعيسة لأن الزوج كان يتناول العشاء مع زوجته بدلاً من سكرتيرته ـ تشرشل.
هذه الأقوال في مجلة عربية راقية واسعة الانتشار اخترتها لكم بمناسبة الاحتفال غداً 8 آذار/ مارس باليوم العالمي لإعلان «حقوق المرأة».
ستحتفل بالمناسبة منابر كثيرة. سيقال كلام لطيف عن «حقوق المرأة» والتضامن معها وصباح اليوم التالي يعود كل شيء كما كان. صراخ الخطباء والخطيبات، سيرجع إلى صمت الحناجر وستعود أوراقها إلى الجيوب حتى السنة القادمة ليتم القاؤها كما هي ـ دونما تبديل ـ لأن شيئاً لا يتبدل على الأرض المعاشة اليومية. أما ذلك الكلام المهين للمرأة المنشور في غير منبر فلن يعترض عليه أحد لكثرة ما صار مكرراً وتكتبه المنابر ولا تعترض عليه محررة واحدة أو قارئة. فإهانة المرأة مألوفة وبالتالي لا يلحظها أحد.

والبادئ أظلم!
ولأن المرأة المعاصرة صارت أحيانا متعلمة وعاملة وواعية لحقوقها الأنسانية، كأي مواطن آخر، خاضت المرأة الغربية حرب الرد على الأذى بمثله والبادي أظلم، وصرنا نقرأ أقوالاً مشابهة لما تقدم ولكن في الأتجاه المعاكس أي ضد الرجل.
وكما نقلت أقوالاً للذكور، أنقل الآن أقوالاً للنساء:
ثمة نوعان من الرجال، الميت والمميت ـ هيلين رولاند.
أحب أن يتصرف الرجل كرجل: برعونة وصبيانية ـ فرنسواز ساغان.
الرجال هم تلك المخلوقات ذات الرأس الواحد والأذرع الثمانية (الأخطبوط) وتضيف كليربوث:
لو عملت في «الكونغرس» لتعلمت أن الثرثرة والنميمة والوشاية اخترعها رجل.
أياً كان عمل المرأة فعليها أن تؤديه بمهارة مضاعفة كي تربح نصف ما يربحه الرجل. ولحسن الحظ. هذا ليس صعبا على المرأة ـ شارلوت ويتون.
يصرخ رجل: النساء كالسجاد يجب ضربهن باستمرار وانتظام.
ترد امرأة: النساء أذكى من الرجال. هذا مؤكد، ولذا يحتفظن بتلك الحقيقة سراً ـ أنيتا لوس.
يصرخ أحدهم: قطاع الطرق يطلبون منك حياتك أو نقودك، والمرأة تطلبهما معاً ـ صموئيل باتلر.
يرد صوت نسائي غاضب: المرأة العادية تفضل أن تكون حلوة لا ذكية لأنها تعرف أن الرجل يرى جيداً ولا يفكر جيداً!.
وتؤكد آماندا فيل: جنس ثالث في كوكبنا؟ لو وجد ذلك لما حظي الرجال بنظرة مني! وتؤكد جيرسين غرير: «تفشل النساء في فهم مدى كراهية الرجال لهن.. ويتعالى الصراخ..
بعض المجلات النسائية الأمريكية صارت منذ عقدين تعاقب اي (ذكر) يتورط في تصريح ضد المرأة عامة، وتسخر منه وتقاطعه.

وعود كاذبة ومعارك هزلية
لم ترق لي يوما تلك الحرب بين النساء القادمات من «كوكب الزهرة» و «الرجال من كوكب المريخ» كما يزعم أحد الكتب عن حرب مفترضة بين النساء والرجال. وأعتقد أن المرأة العربية عامة تقف في خندق واحد مع الرجل العربي والمعاناة واحدة والمآسي واحدة. وترف حرب الأجناس ليس متاحاً لنا. هذا على الرغم من أن المرأة العربية تتلقى كل عام بمناسبة «اليوم العالمي لأعلان حقوق المرأة» كمية هائلة من الوعود بإنصافها وبمنحها المزيد من الحقوق المشروعة، ولكن ذلك كله يذوب مع شمس الصباح التالي.. وحتى «العنف ضد النساء يستمر في تصاعد مع مناخات ظلامية لا تدعم المرأة العربية بل تحاول (حجبها)!
وهذا خطيب دافع بكل شهامة (متحمسة) عن حقوق المرأة، لكنه كان قد منع زوجته من مغادرة البيت حتى لحضور محاضرته، وهذا آخر تشاجر مع زوجته وضربها قبل الذهاب ليحاضر حول «العنف ضد المرأة»!.. بالمقابل لم تمارس المرأة العربية يوما معركة هزلية كلامية ضد الرجل العربي إلا فيما ندر.

تحرير المرأة مهمة الرجل العربي أيضاً
المرأة العربية لم تقع يوماً في فخ كراهية الرجل أو التوهم ان قتل آدم العربي ضرورة لتحيا حواء إنسانيتها.
منذ البداية كانت تحركات المرأة العربية لنيل حقوقها ناضجة ومتزنة.
لم تعلن يوما كالامريكية أنها تريد المساواة المطلقة مع الرجل لأن المرأة العربية تعرف عجز الرجل عن ذلك، فهو غير قادر على الحمل والولادة مثلها!!.. وبالمقابل تعلن ببساطة أمومتها وحرصها على العمل والبيت معا.
الأمريكية اكتشفت أنها حين حصلت على المساواة المطلقة خسرت حقوقاً هي بحاجة إليها كأم..
ثم أن المرأة العربية وعت منذ البداية بنضج استثنائي أن حليفها الوحيد الممكن هو الرجل الواعي ولذا لم تستفزه (إلا نادراً وبأصوات متطرفة) بل طلبت مساعدته ومحالفته ليقاوما معاً أي ظلم يقع عليهما كمواطنين.. وحرب الدجاجة والديك في مجتمعاتنا ترف لغوي.. والمرأة العربية تعلن بسلوكها: نريد التكامل مع الرجل لا التماثل. نريد ان تحقق المرأة العربية ذاتها كإنسانة وتؤدي واجبها كمواطنة ولكن داخل وطن لا يسلب الطرفين الحرية والكرامة وفرص العمل.
وتحرير المرأة لا يتطلب بالضرورة استفزاز «ذكور القبيلة» بل الاستقواء بعونهم. ولا اعتقد (كمعظم النساء العربيات) أن «الأنثى هي الأصل»، بل الأسرة والحرية هما الأصل، والتعاون بين الرجل والمرأة هو المطلوب.
ولن تتحرر المرأة العربية وتنال حقوقها إن لم يدعمها الرجل بصدق ودونما رياء.

أسطورة تحرير المرأة في أمريكا
هذا العنوان ليس مني بل من كتاب استاذة في جامعة أمريكية تدعى سيلفيا آن هوليت، كانت أول من تمرد على حركة «تحرر المرأة» في U.S.A وطلبها المساواة المطلقة بالرجل والحصول عليها.. ووجدت في المساواة ظلماً لها كإمرأة وأم عاملة. وقبل حوالي ربع قرن أصدرت سيلفيا آن هوليت كتابها الرائد «حياة منقوصة ـ أسطورة تحرير المرأة في أمريكا». كتاب انفجر كقنبلة تطايرت شظاياها على صفحات الصحف البريطانية والأمريكية وفيها تتمرد هوليت بحرية على تحرر المرأة في أمريكا ـ فهي كبريطانية متزوجة من أمريكي لاحظت هناك ثورة (الحريم) المتطرفة البعيدة عن الواقعية والتي حرمت المرأة العاملة من حقوق الأم وإجازات الحمل والولادة وتعويضات فترة الانكباب على الأمومة لأشهر. تعالى الصراخ في (حمام النساء) الأمريكي ضدها، ولكنها أكدت أن من حقها بناء مستقبل عملي دون تدمير مؤسسة الأسرة.
المرأة العربية وعت ذلك منذ البداية ولم يكن التطرف يوماً حليفها.. ويجب أن يقابل ذلك دعم (ذكوري) لقضايا تحررها وبالذات في هذه الأيام المكفهرة التي تتكاثف فيها سحب معتمة تحاول إعادة المرأة إلى زمن الجاهلية وتنسى أن الأسلام حرم وأد المرأة والمطلوب اليوم عدم محاولة وأد حقوق المرأة.



الأحد، 21 فبراير 2016

أدبي ..علمي

أدبي... عِلمي.

هي في سنة 2016
ابنتي في سنتها الثانوية الأولى الفرع الأدبي، دخلت الفرع الأدبي عن رغبة ووعي بقدراتها وميولها.
أنا في سنة 1985
كنتُ في سنتي الثانوية الثانية الفرع الأدبي، أيضاً دخلتُ الفرع الأدبي عن رغبةٍ ووعي بميولي وتطلعاتي.
ما بين الأدبي 1985 والأدبي 2016 نحو ثلاثين عاماً ... ولا شيءَ تغير!!
عادتْ من المدرسة غاضبة، تشتعل عيناها بعد مناقشة قديمة-جديدة مع معلمتها، في مسألة سفسطائية تستهلك ولا تنفع: أفضلية (دجاجة) العلمي على (بيضة) الأدبي؟ ذكاء طلبة العلمي أم غباء طلبةالأدبي؟ سعة العقل العلمي أم ضيق العقل الأدبي؟؟
دائرة لا تنتهي من المقابلات غير المنطقية وغير المفهومة ما زالت تحكم منظومتنا التعليمية!! وما يزيد في الوجع أنني وجدتُ ابنتي تعيد على مسامعي ما سمعتُه أنا منذ عقود في الموقف ذاته!! ووجدتُني أقف ذاهلة أمام ذاكرتي والصور التي تراءت لي : تغيرت الدنيا كثيراً، ملامح المدينة نفسها تكاد لا تعرفها، ملامح الناس.. هيئاتهم.. ملابسهم.. حتى طريقة كلامهم تغيرت ...لكنّ ذلك كلَّه ما غيَّرَ شيئاً في عقولهم!
فما زلنا -إلى اليوم- نفاضل بين العلمي والأدبي، ما زالت -إلى اليوم- تلك النظرةُ القاصرة تحكمنا. غاب عن بصيرتنا أن الأمم لا تقوم بتخصص وحيد، ولا تنهض بفئةٍ معينة من العلماء، غاب عنهم أن الأرض لا يعمرها الأطباءُ والمهندسون والصيادلة وأساتذة الرياضيات وعلماء الفيزياء والكيمياء فقط، بل إن الأرض ليست الأرض إذا لم يعمرها كذلك الأدباءُ والفلاسفة، السياسيون والمعلمون، الفقهاء والشعراء، الفنانون والموسيقيون... وليس أصحابُ الشهادات وروّاد دروب المعرفة النظرية هم أصحاب الحق في عمارة الأرض، بل إنَّ الأرض حلالٌ للمزارع والراعي، وللعامل وللبنّاء، وللصانع والحِرْفيّ، ولكلِّ من اقترب من الأرض يهمس لها بيديه، بعرق جبينه، بقدميْه تغوص في الأرض، كأنما يمدُّ جذور الهوى في الأعماق. 
هؤلاء جميعا هم أصحاب الحق في عمارة الأرض، ولهم جميعاً -على التساوي- التقديرُ والاحترام ذاته.
ربما كان الذي زاد الطينَ بلّةً أن هذه النظرةَ القاصرة تصدر من المعلمة أمام طالباتها، فإلى متى ستبقى هذه النظرة الاستعلائية لدى معلمي التخصصات العلمية قائمة؟ وللأسف ينقلون بذلك عدوى الجهل من جيل إلى جيل. لا تغرَّنَّك الشهاداتِ الكبيرة ولا الألقاب الفخمة ولا غيرها من مظاهر يستتر خلَفها أمثالُ هؤلاء، وفي حقيقة الأمر الواحدُ منهم لا يتجاوز فهمُه أرنبةَ أنفه!!
كنتُ مثل ابنتي واجهتُ استهجان معلماتي -لأنني كنتُ الثانية على صفي-، خاصة استهجان مربية الصف حين اخترتُ بملء رغبتي الالتحاق بالفرع الأدبي! وقد راجعتْني المعلمةُ عدةَ مرات لتقول لي تمهلي وأعيدي النظر في الاختيار، قبل أن نرفع الأسماء والاختيارات إلى وزارة التربية والتعليم، فيتعذر حينها تغيير رغبتكِ. كان من المستهجن - ويبدو أنه ما زال مستهجناً- أن يتجه طالبٌ متفوقٌ للفرع الأدبي؛ محكوماً بتلك النظرة القاصرة التي تُعلي من شأن الأطباء والمهندسين في المجتمع -في ذلك الحين-، ويظهر أن الأمر لم يتغير كثيراً وإنْ تراجعت أسهم الأطباء والمهندسين اليوم لصالح قطاعاتٍ مهنية أخرى. إلا أن النظرةَ نفسها التي ما زالت تحكم نظرتنا للعلمي والأدبي...لم تتغير!
كنتُ واضحةً في ميولي وطموحي ورغبتي العلمية، وهذا ما انعكس بحمد الله وتوفيقه على مسيرتي العلمية كاملة. ولكن لقد كانت مكافأةُ الجيران والمعارف لي وقت نجاحي وتفوقي في الثانوية العامة، وكنتُ الأولى في مدرستي: (أن التسعين في الفرع الأدبي تعادل السبعين في الفرع العلمي)!!!! "ألا ساء ما كانوا يحكمون"! وكانت مكافأةُ المجتمع أن زملائي في كلية الآداب قد سبقوني إليها في الدفعات الأولى للمقبولين في الجامعة؛ بفعل الوساطات والمحسوبيات والاستثناءات غير العادلة!
ابنتي.. أنا فخورة بكِ وباختياركِ وبإنجازكِ وبقدراتك، فلا تدعي مثل هذه المجادلات العقيمة تقف في طريقكِ وأنتِ بهذا الوعي الذي يدرك أن دروبَ المعرفةِ كلَّها تقود إلى جوهر واحد هو عمارة الأرض وتقدم البشرية. يكفيكِ فخراً أنكِ تدركين هذا وأنتِ في مقتبل العمر، في حين عجزت معلمتكِ كما عجز كثيرون عن هذا الفهم! وكم من تلميذٍ فاق أستاذه!

الأربعاء، 17 فبراير 2016

نظرية جحا...في إدارة الصراع !

نظرية جحا (منقول)
يقال إن رجلاً ذهب الى جحا وقال له:
إنى اعيش مع زوجتى وامى وحماتى وستة أطفال فى حجرة واحدة فماذا أفعل لتتحسن حياتي ؟ .
قال له جحا :
اشترى حماراً واجعله يعيش معكم فى نفس الغرفة وتعال بعد يومين.
فجاءه الرجل بعد يومين وقال له : الحال يسوء يا جحا.
فقال له جحا:
اشترى خروفاً واجعله معكم فى الغرفة وتعال بعد يومين.
فجاءه الرجل بعد يومين وقال له: الحال يزداد سوءا يا جحا.
فقال جحا:
اشترى دجاجاً واجعله معكم فى الغرفة وتعال بعد يومين.
فجاءه الرجل بعد يومين وقال له:
لقد أوشكت على الانتحار.
فقال له جحا:
اذهب للسوق وبِع حمارك وتعال بعد يومين .
فجاءه الرجل بعد يومين وقال له : الحال تحسن قليلا.
فقال له جحا:
اذهب للسوق وبِع الخروف وتعال بعد يومين.
فجاءه الرجل بعد يومين وقال له : الحال أفضل كثيرا.
فقال له جحا:
اذهب للسوق وبِع الدجاج وتعال بعد يومين.
فجاءه الرجل بعد يومين وقال له :
لقد أصبحت فى أفضل حال.
وهكذا تدار كل الأزمات فى العالم خصوصاً العالم العربي
حيث يتم اختلاق مشكلة جديدة ثم يتم التفاوض عليها لتـُنسَى المشكلة الأساسية ..
....نظرية جحا لا تزال تطبق حتى هذه الساعة .....

الثلاثاء، 9 فبراير 2016

عوارض نضوجٍ أربعيني مبكر

بقلم آية الأتاسي
القدس العربي

حسناً… أنا امرأة تدخل الخامسة والأربعين بكامل قلقها الوجودي، وإن حق لي القول أيضاً بكامل أنوثتها، وأبعد ما تكون عن اليأس أو ما اصطلح على تسميته بـ»سن اليأس»، في توصيف جائر لمرحلة عمرية تزهر فيها الروح الأنثى وتثمر…
الجسد في اختماره
جسد المرأة مهما تداعى، ما هو إلا جذع لأنوثة غائرة الجذور، لا يزيدها العمر إلا عمقاً ورسوخاً…
غالباً ما يتكور الجسد الأربعيني وتستدير الانحناءات الأنثوية، فيما هو خداع العقل لما تراه العين من كيلوغرامات فائضة، أو ربما هو كشف لكنوز «الأنوثة المستترة» التي أنصفتها اللغة العربية بحق، عندما أطلقت على المرأة الممتلئة لقب «المرأة المكتنزة»…
وكأن الجسد الأربعيني يتمرد على مقاييس الموضة وصورة المرأة العشرينية النحيلة، معلناً أن الأنوثة الطبيعية تقاوم الريجيم والتأطير، وترسم خطوطها الأنثوية على هواها…
حسناً… هي ربما زيادة في الوزن والتخلص منها يزداد صعوبة مع العمر، ولكن لنعترف بأننا بعد الأربعين نتذوق كل تفاصيل الحياة بمتعة أكثر، وإن كان بآثار جانبية يصعب إخفاؤها. ومن متع السنين أيضاً أنها لا تراكم الأوزان فقط، بل خبرات الحياة وتجاربها التي تجعل الجسد ينضج كما الحصرم عندما يختمر ويصبح نبيذاً معتقاً…
المؤسف أن العرب وحدهم ينسبون النضج لليأس ويطلقون على مرحلة انقطاع الطمث «سن اليأس»، وفي هذا تسطيح لمرحلة شديدة الجمال والتعقيد في آن، وفيها اختصار لآمال المرأة وأحلامها بمهمة إنجاب الأطفال فقط. فواقع الحال يثبت اليوم أن المرأة في هذه المرحلة، غالباً ما تعيش فترة سلام جسدي وروحي، وتمتلك وقتاً أكثر لفهم تفاصيل روحها وللعناية بجسدها، بعد أن تكون قد تجاوزت مراحل التأسيس للحياة العاطفية والأسرية والمهنية، وبعد أن يكون الجسد قد اكتملت أنوثته وتخمرت فتنته.
والمرأة الأربعينية خصوصاً تكون في قمة الأنوثة وتوهجها، فالهرمونات الأنثوية تكون في حالة هدنة وهدوء قبل الاشتعال مجدداً في الخمسين، والجسد مازال يحتفظ بجاذبيته وسحره، والروح في سلام وتصالح بعد أن كبر الأبناء ولم يعودوا يحتاجون رعاية الأمومة المستمرة، وحتى في المجال المهني تكون المرأة قد تجاوزت المراحل التأسيسية الأولى والأصعب في العمل والوظيفة.


الأسئلة الأربعينية
المرأة في منتصف العمر، تشعر بأنها تقف على قمة جبل خلفها يمتد شبابها وأمامها المستقبل المجهول.. ولا تتوقف عن طرح الأسئلة من قبيل:
هل فلحت أرض خصبة لبذوري أم كنت أفلح الهواء من حولي؟ 
هل هي الهاوية التي تنتظرني خلف القمة أم مازال للسهل بقية؟
وما معنى الهاوية، إن هي إلا اسم نمنحه للأماكن التي طالما أرعبنا عبورها؟
وهل من جسور تحتمل ثقل أحلامنا لنعبر فوقها؟
هل آن الأوان لقطع الحبال والتحليق عالياً في منطاد الأحلام، أم علينا أن نثقله بحجج العقل والمنطق ونتركه يهبط من جديد؟
كثيرة هي الأسئلة الوجودية التي نطرحها على أنفسنا في منتصف العمر، وكثيرة هي المشاريع المؤجلة والأحلام المركونة التي تطفو فجأة فوق السطح، وكأننا في مواجهة مع الذات بلا مماطلة، وكأن الحياة تمنحنا الفرصة الأخيرة مهددة: الآن هي فرصتكنّ الأخيرة…اغتنمنها أو لتنسونها إلى الأبد!


سطوة الزمن
مازال إذن في العمر متسعٌ للفرص الأخيرة… ومازال للجسد قوته وللروح جنونها ليتشاركا في إنجاز المهمات المستعجلة… فبينما لا تعترف الروح بالعمر ولا تصاب بقصر النظر، يبدأ الجسد أولى اعترافاته بسطوة الزمن.. فالعين لم تعد تستطيع تمييز الأحرف الصغيرة، ولابد من التسليم أخيراً بارتداء النظارة الطبية، التي لا مانع أبداً في أن تكون فاقعة اللون بما يرضي ذائقة الروح الشابة… ولرقص الأقدام الحافية فوق الشطآن آثار غير تلك التي تتركها فوق الرمال، آثار تبدأ أحياناً بوخزة وتنتهي بالتواء مفصلي، فالمفاصل لم تعد تمتلك مرونة الجسد في العشرين وإن امتلكت مهارته وتجاوزتها أحياناً… أما التجاعيد فهي الإعلان الصريح بسطوة الزمن علينا، ولكننا في المرحلة الوسطية بين زمنين، وما زلنا نملك التباساً غريباً …التباساً يظهر أحياناً في الوجه الحائر بين تجاعيد الأم وحبوب الابنة، فعلى يمين ثنية الذقن قد تنبت حبة شباب، كإعلان مضاد أيضاً أن هرمون الشباب مازال يعمل ويقاوم، وإن بآثاره السلبية…
أما الخط الصغير على طرف العين اليسرى فهو يسلك الطريق الذي يقود حتماً لوجه الجدة المتغضن في الثمانين، خط يذكر أيضاً بأن الفرح حفر عميقاً هناك. وبين آثار الفرح وآثار الزمن يرسم الخط طريقه بخفر، من دون وعدٍ منا بأننا سنبقى نراقبه بحياد، أو سنحقنه بالسم العصري «البوتكس» المقاوم لآثار الزمن والفرح معاً.


الالتباس
العقد الرابع هو عقد الالتباسات العاطفية أيضاً، فبعد الأربعين محتم علينا النوم باكراً والاستيقاظ مستعجلاً، فندخل الواقعية مرغمين ولا تعود قلوبنا ترتجف للقصص العاطفية، ولكن يحدث أحياناً أن نبكي كالمراهقين عند الاستماع لأغنية رومانسية أو عند قراءة رسالة حب قديمة…
كما يحدث أن تتحول صالات السينما المعتمة من مكان سري للقاء أيام المراهقة، إلى مكان سري للبكاء بهدوء، فالبكاء في العتمة متعة نكتسبها بالعمر والخبرة أيضاَ…
وكثيراً ما نتلبس بأنفسنا مع أبنائنا في حوار يشبه حوارات آبائنا معنا، أو نكتشف متعة الصباحات الطويلة الصامتة أمام فنجان القهوة الصباحي كالصباحات الحزينة لأمهاتنا، في إثباتاتٍ مؤكدة على أننا نتقدم بالعمر من مبدأ: كلما كبرت شابهت أبويك وما ظلمت…
كما يحدث أن نرتدي آخر الصرعات حسب تصورنا، لنكتشف من خلال أبنائنا المراهقين أن موضة اليوم لا تعترف بتقليعاتنا التي مر عليها الزمن وغبر…
حسناً بعض الجنون الأربعيني ليس فناً ولا جهالة، بل هو ذرة الملح التي تحفظ القلوب من تعفن الشيخوخة. وفي النهاية عندما نبدأ بالاعتياد على تقدم العمر بنا، ما دمنا لم نبلغ بعد أرذله، تأتي جملة من قبيل: في عمرك هذا و… أو تمر عبارة في إعلان تلفزيوني من قبيل «جيل الشباب»، متبوعة بجملة إيضاحية مثل « ما دون الأربعين»… عندها نشعر حقاً بأننا لم نعد ننتمي لجيل الشباب هذا، ولن تخدعنا المرايا فهي لا تتبع نظام الفوتوشوب، سنبتسم وستظهر أولى التجاعيد التي سننسبها بمكر للتجاعيد الانفعالية لا للتجاعيد الزمنية، وسنلمس روحنا بثقة قائلين:
«عمر» …كم لنا من العمر يا إلهي، ونحن أرواح شابة لا تهرم!
هامش: هذه المقالة مهداة لجميع النساء الأربعينيات وما فوق، واللواتي علمنني أن الأنوثة لا تشيخ ابداً، من خلالهن وعنهن ولهن كتبت اعترافاتي الأربعينية هذه!


كاتبة سورية
آية الأتاسي

السبت، 16 يناير 2016

ذاكرة أبنائكم



اعتنوا جيداً بذاكرة أبنائكم، خذوا من وقتكم الكثير-وليس القليل- لتمنحوهم ما سوف يحيا في ذاكرتهم! اعتنوا جيدا باختيار الأماكن والناس ..الروائح والأطعمة ..الألوان والأقمشة... لأن كلَّ شيء سيبقى أثرُه في ذاكرة أبنائكم حين يكبرون وحين أنتم أيضا تكبرون.
اليوم أمضيتُ والأهل والأولاد ساعاتٍ قليلة في (حَرثا)، وهي قريةٌ من قرى إربد شمال الأردن، في زيارة لبيت خالتي،


ومنذ أن تكون على عتبات القرية أو في الطريق إليها تنثال إلى الذاكرة انثيالاً كلُّ الصور المختزنة في هذا الشيء العبقري المختبئ تحت شعرك، لتقفز صورُ الطفولةِ أمام عينيك مرةً واحدة وكأنها قد حدثت الآن، وكأنكَ ما فارقتَ المكان ولا الناس .. المواقدُ ما زالت دافئة، والروائح ما تزال تعبق بثيابك، وضحكات إخوانك وأقربائك وأصدقائك تتردد هنا وهناك.
كانت زيارة بيت خالتي أم أنس في حرثا تعني لي الكثير، وهو من البيوت القلائل التي لها بصمةٌ خاصة في ذاكرتي مما يتعلق بطفولتي؛ هناك ما تزال رائحةُ الأفران -أو ما كنتُ أسمّيه أنا رائحة (الحرائق)- أولَّ ما يستقبلنا فيها، وما زلتُ أتلمّسُ البحثَ عن هذه الرائحة في كل زيارة لحرثا...واليوم كانت سماءُ القرية تعبق بهذه الرائحة، وتُحيــي صورَ الطفولةِ في لحظةٍ وتشعلها من جديد.
تستقبلكَ في مدخل البيت شرفتُه الكبيرة المستطيلة، التي احتضنت لعبةَ (صياد السمك)، اللعبة التي قضينا مع أولاد خالتي نحاول تضليل خالتي حتى لا تكتشف أننا قد نقترب من نباتاتها الداخلية المفعمة بالحياة والنضارة! أما خلف البيت فيقع السرُّ الكبيرُ الجذابُ - بالنسبة لي- السرُّ الذي ينتظرنا دوماً، إنه بيتُ الجارة العجوز الضئيلة (أم ذياب)...
كان من عادتِنا أن نذهب إلى هناك، ربما تعجزُ الجارةُ عن استقبالنا أو عن مطاردة شقاوتنا، ولكني ما زلتُ أحنُّ إلى ذلك البيت وأذكره جيدا، فإن لم يعد متيسراً أو لائقاً أن أذهب اليوم إليه - في عمري هذا- بشقاوة الطفولة التي كانت، فإنني أُهرع عادةً إلى المطبخ لأنظر من نافذته التي تطلّ على بيتها الحجري الجميل، الذي ما زال صامداً ينتظر في كل زيارة.
...في زيارة اليوم خرج الأولاد يستكشفون المكانَ المثيرَ لهم، وقد صارت زياراتُ بيوت الأقارب متباعدة، ودون أن يدري أولادي رأيتهم يسيرون على خطوات أمهم - وهي صغيرة- دون انتباه، سعدوا بتناول (أقراص العيد) بزيت الزيتون مع الشاي، سعِدوا بالأجواء الحلوة التي احتضنتْهم في (البَرَندة) وهم يتابعون معي أنني هنا كنتُ أركض، هنا قفزتُ من النافذة، وهنا كنا ننام، ومن هناك نخرج للبئر الحجري تحت شجر الزيتون والرمّان، هنا تلذذنا بطعم (الكْبابْ) الذي تنفرد به منطقة الكْفارات في شمال الأردن -
وهو شيءٌ غير الكباب المشوي وغير الكُبّة -، وإلى الآن لم أذق أطيب من الزيتون الذي تعدُّه خالتي من خير هذه الأرض المباركة.

اعتنوا بذاكرة أبنائكم جيداً، فيما تختارون من أماكن تمضون فيها معهم أوقاتكم، وفيما تختارون من أطعمةٍ أو رحلاتٍ أو ساعاتٍ تقضونها لقراءة قصة أوعمل أشغال يدوية أو لعبة شطرنج ...أو حتى برامج تلفزيونية ستكون ساعاتُها في قادم الأيام ذكرى، لكنّ لكم في هذه الذكرى كلُّ الصورة لا كواليسها الخلفية فقط! 
لأنهم سيحفظون الأماكن والروائح والناس والكلمات وبقايا العمر القادم...سيحفظونها وأنتم فيها!
استمتعوا بأبنائكم، واخلقوا ذاكرتهم وكونوا فيها.

http://www.alwan-group.com/other.php?pid=301


الاثنين، 11 يناير 2016

الصداقاتُ الصامِتة

أحياناً ...تكونُ الصداقاتُ الصامِتةُ البعيدةُ أحلى، وأجمل….وربما أصدق!
...كنت في أثناء العمل على أطروحة الدكتوراه سنة 2007 أذهب يوميا لقضاء ساعات الصباح حتى الظهيرة في مكتبة المجمع الثقافي بأبوظبي، وهي أجمل مكان في تلك المدينة الخليجية، كنت أختار مقعدا معينا على طاولة محددة كل يوم، واستمر ذلك لسنتين تقريبا.
كان رفيق أصبوحاتي على الطاولة المقابلة- شابا بعمر أخي اﻷصغر يأتي للدراسة يوميا.لم نتكلم ولم أعرف شيئا عنه حتى اللحظة، فقط كنت أحفظ شكل رأسه ونظاراته الغامقة فوق عينيه، وآنس بوجوده في ذلك المكان، وحين يغيب كنت أفتقده وأظن قاعة المطالعة ناقصة. 
استمرت صداقتُنا الصامتة نحو سنتين، حتى انتهيت من كتابة أطروحتي، وصارت زياراتي للمكتبة متقطعة. 
ثم... وبعد نحو أربع سنوات، عندما كنت أستعد للرجوع إلى عمان، ذهبت لحضور اجتماع لأحد أندية توستماسترز باللغة الإنجليزية، نادي انطﻻقة، ويا للأقدار!! كان ذلك الشاب حاضرا يومها، رآني كما رأيته، ووقفت فوق عينيه الدهشة التي كانت عندي.. سمعته يتكلم في اجتماعنا ذاك، ورغم ذلك لم أعرف عنه شيئا!! 
إنها من الصداقات الصامتة الجميلة التي ﻻ تنسى؛ 
وربما تكون خيراً من صداقات كثيرة نحسبها صداقة حقيقية، فإذا هي تفشل في أول اختبار . وربما تكون خيرا من صداقات كثيرة نحسبها صداقة حقيقية، فإذا هي تفشل في أول اختبار؛ فقد يدخل أصدقاء تظنهم حقيقيين إلى حياتك، لكنهم ﻻ يتورعون عن إيذائك وعن سرقة الفرح والسعادة والمحبة من أيامك وأحﻻمك، ليبنوا على حطامك سعادة لهم يتبجحون بوقاحة أنها كانت بانتظارهم.

http://ar.arabwomanmag.com/%D8%B5%D9%8F%D8%AF%D9%81%D8%A9%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9/

الأحد، 6 ديسمبر 2015

لغةٌ ..كانت لنا بردا على الأكبادِ

رقة ورقيّ، طلاوة وحلاوة، تقع في القلب قبل الأذن.

مَن قال إن اللغة العربية عصِيَّة على الأطباء والعلماء؟
من قال إن الأطباء يجب أن يتلعثموا بنطق اللغة العربية الفصيحة، وأن يرطنوا فقط باللغات الأعجمية؛ ليدل ذلك -عند الجَهَلَة- على أنهم أطباء علماء معاصرون؟؟
اللغة العربية سحر وأي سحر! جمال وأي جمال!
" .. وسيظل الإنسان هو الإنسان في كل زمان..
إن الشمس التي تشرق علينا هذا الصباح هي نفس الشمس التي كانت تشرق على آدم، وإن القمر الذي سيطل علينا هذا المساء هو نفس القمر الذي كان ينظر إليه نوح على سفينته... إن أجمل شيء في هذا الكون هو إعادة البسمة على الوجوه الحزينة وهي مهمة الطب الشريفة".
استمتعوا بكلمة الدكتور يحيى بن محمد الفارسي - عميد كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس- يلقيها في حفل افتتاح المؤتمر العلمي العالمي الثامن لطلبة الطب بدول مجلس التعاون الخليجي.


السبت، 28 نوفمبر 2015

المتنبي ولغة العصر


اليومَ استمتعتُ جدا ربما للمرة الأولى بتدريس المتنبي، لقد كنتُ من قبل أتخذ منه موقفاً شخصياً - قد أكون مخطئة فيه- إذ أنفرُ من المدّاحين، و أراه متسلقاً يبذل ماء وجهه كي يحظى برنينٍ يملأ جيبه وسمعه، ويسعى في الأرض كي ينال منها قطعة يرى نفسه ملكاً عليها.
لكنني منذ أيام وأنا أحضّر لدرس قصيدة "واحرَّ قلباه ممَّنْ قلبُه شَبِمُ.." اطَّلعتُ لدى العم يوتيوب على عمل فني كبير لمنصور الرحباني من المسرح الغنائي بعنوان: المتنبي، انتقلتُ للرابط واستمتعتُ بمشاهدة العمل الرفيع الراقي.
وعاودني السؤال الذي لا أََمَلُّ من طرحه على نفسي، منذ نحو ربع قرن هي عمري مع اللغة العربية عِلماً وتعليماً: لماذا لا تكون الأعمالُ الفنيةُ الرفيعة المستوى، الدرامية أو الموسيقية أو التشكيلية وغيرها_ ضمن مناهج تدريس اللغة العربية لطلبتنا؟ 
وأظن السؤالَ مشروعاً؛ ونحن في عصرٍ لا يبالي كثيراً بالحروف المسطورة على الورق، قدرَ مبالاتِهِ بالصور التي يلاحقها على الشاشات الإلكترونية أمامه. 
نشكو دوماً من جفاف محتوى اللغة العربية وضعفه، ونشكو من الوسائل البدائية غير الجذابة في عرض اللغة على أبنائنا وطلبتنا، ونشكو من ضعفهم وسوء اتجاهاتهم نحو لغتنا الأم، وفي نهاية الأمر لا نجتهد إلا في حدودٍ ضيقةٍ لتشويقهم إليها. 
ما زلتُ أتساءل كيف يمكن لنا أنْ نفيدَ من رصيدٍ لا يُستهان به من الأعمال الدرامية والفنية المتنوعة، التي استوحت الأدبَ والتاريخ والتراث وما مضى وكان، تصبُّه في قالبٍ معاصر تجعله قريباً من قلوبنا، وتجعل من ذائقتنا الفنية والأدبية رفيعةً راقية كما نحبُّ ونرجو من عملية تربية النشءِ وتعليمه، التي ننفق في سبيلها سنواتٍ من أعمارنا وأعمارهم لا يكون لنا -أحياناً- في ختامها إلا كما السلافة في الكأس!

أترككم لتستمتعوا بمشاهدة بعض مقاطع المسرحية الرحبانية: أبو الطيب المتنبي

السبت، 14 نوفمبر 2015

موت العائلة

موت العائلة 
بقلم إبراهيم جابر إبراهيم 
http://alghad.com/articles/903378-%D9%85%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D9%84%D8%A9


لم يعد أحد يتبادل الحديث مع أحد، أو يودعه عند الباب فيكمل نصف ساعة أخرى من الحديث، لأن كليهما يريد أن يركض كالملدوغ إلى هاتفه المحمول !
فهو لا يستطيع أن يتأخر؛ ثمة أشخاص كثيرون داخل هذا “الكمبيوتر الصغير” ينتظرونه، أو ينتظرهم !
منذ سنوات كان التلفزيون في المجتمع العربي هو “ربّ البيت”، وهو الذي يربي الأولاد، ويسلّي الزوجة ويسهر معها في غياب “رب العائلة “ !
الآن، صار “الكمبيوتر” هو “رب البيت” الجديد. ويسلي الزوجة، والأولاد، وهو “رب عائلة” متعاون أكثر؛ يحملونه معهم أينما ذهبوا.
في العالم الجديد، المكتظ بوسائل الاتصال الحديثة، صارت للشخص عائلة أخرى مجازية، أو متخيلة، (يحوّلها أحياناً الى حقيقية ويتواصل معها) .. لكنها غير عائلته البيولوجية التي تجلسُ في البيت!
استبدل الناس اشقاءهم بقطع الكترونية صغيرة، أو بهاتف ملوَّن، .. وهنا تصير بعض العبارات حمقاء حين تحدث في هذا السياق؛ أقصد سياق العلاقات الإلكترونية، فيقول أحدهم لآخر (أنا أخبرك بكل هذا لأنك مثل أخي..) مع أنه في الحقيقة مقطوع العلاقة مع أخيه، ولم يخبره شيئاً من (كل هذا)!أو أن يقول أحدهم لامرأة (أنا محتاج لك لتسمعيني مثل أختي)، مع أن له خمس شقيقات في البيت لا يسمعن منه سوى (هاتي الشاي) .. أو (سخّني الشاي ) !
العائلة الحقيقية القديمة بدأت تنقرضُ من بيوتنا على نحوٍ خطيرٍ ومريبٍ وصامت، حتى إن “اللاب توب” صار بمثابة الأخ الأكبر في البيت، لكنه أخٌ بلا قلب وبلا مودّة ولا ترفّ عينه إن تعثرت خطى الشقيق الصغير.وهكذا تراجعت العلاقة الإنسانية في البيت، وبين أفراده، إلى أسوأ حالاتها، وحتى في الحالات النادرة التي تلتقي فيها العائلة في جلسةٍ واحدة، يظلّ ذلك الذي لم يستطع التملص من الجلسة ممسكاً بهاتفه المحمول يعبث به حتى وهو يأكل أو يهزّ رأسه مستمعاً، يهرب من خلاله من “البيت” الذي صار فكرة منفرة، الى العائلة الجديدة المقترحة!
لماذا نفعل ذلك؟! الإجابة سهلة جداً ويسيرة.
وهي أن العائلة الجديدة تقدم كل قيمها النظرية بشكل غير ملزم، ولا تتعامل مع “الفرد” بمنطق الوصاية والأبوّة، وتترك له مساحة من المرونة دون أن تتلصص عليه، او تشهر في وجهه سيف العيب وسيف الحرام وسيف اللازم وغير اللازم.
ربما يلزمنا ان نعيد النظر بأدوات “العائلة”، وأنسنتها، أو على الأقل إعادتها الى عصرها الذهبي؛ حين كانت “الأخت” صديقة حميمة وقريبة تعين شقيقها بحمل سرّه، وكان كتف الأم ملتقى الشقيقين، وكان ثمة فرصة حقيقية لتبادل الكلام، والمناكفات، والضحك، والساندويشات، والهموم، والمكائد، والنميمة، والنقود .. كان ثمة ما يمهد لصناعة تشابه، لاحقاً ، بين الأخوة!
الآن ثمة تشابه أكبر بين الفرد وشقيقه الإلكتروني. وليس هذا سيئاً بالمطلق، ولكنه سيئ بقدر ما يبتعد الفرد عن عائلته ليغوص في بطن الكمبيوتر.
وسيئ حين يصحو الفتى ليتفقد شقيقه بجواره فيفتقده، أو يروح الطفل مذعوراً الى أمّه:”ماما .. الكمبيوتر أكل إخوتي!!”