أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 5 سبتمبر 2019

أين تختبئ الحكايات؟

بقلم: بروين حبيب
جريدة القدس العربي

تختبئ الحكايات في ثنايا الأشياء، وإن شئنا أن نسرد حكاية من اللاشيء سنلجأ للمخيلة لابتكار تفاصيل تغري المتلقي بالاستماع والمتابعة ولو بإطلاق كذبة.
نتذكر بعض الأشياء التي رافقتنا في أفراحنا، وأخرى في أتراحنا، أقلّب في خزانتي فأتوقف عند

السبت، 24 أغسطس 2019

سيكولوجية البيت.. لماذا نرتبط ونتعلّق بمنازلنا؟

بقلم: غيداء أبو خيران
http://www.noonpost.com/content/26357?fbclid=IwAR23Q5K6_jefm7IRsURKEnHMbruS3LS3mKYh5zUr2sWSmYA7hb-lrDTHZYQ#.XVeB4z2boFo.facebook

يُقال بأنّ البيت هو كوننا الأول وركننا في العالَم. وليس غريبًا البتّة أنّنا على مدى سنواتٍ عديدة نقضي الكثير من الوقت والجهد والتفاني في تصميمه وتجميع أثاثه وحاجياته وأشيائه بطريقةٍ تُشعرنا بالفعل أنّنا في "البيت"، حتى أنّنا نجد أنفسنا كثيرًا بعد قضاء عددٍ من الليالي في غرف الفنادق

السبت، 17 أغسطس 2019

لماذا نحب ربيع قرطبة؟

بقلم: دينا سعد

أُنتجت الكثير من المسلسلات التاريخية في جميع أنحاء الوطن العربي، وبميزانيات ضخمة، لكن يبقى المسلسل السوري «ربيع قرطبة» يحتل مكانة خاصة في قلوب الكثيرين. المسلسل أتى ضمن ثلاثية المؤلف الفلسطيني «وليد سيف» والمخرج السوري «حاتم علي»، التي تناولت

الأربعاء، 14 أغسطس 2019

لماذا نحب القصص؟

بقلم: د.أحمد خيري العمري

سواء كنا نحب أن نقرأها- أو نسمعها ..أو نشاهدها، فنحن نحب القصص. منذ فجر التاريخ عندما كان البشر يتجمعون حول النيران، إلى عصر النتفلكس، نحن نحب القصص..


قد يبدو الأمر مجرد تسلية وتزجية للوقت، لكن أي شيء منتشر إنسانيا لهذه الدرجة، وعبر التاريخ، لا بد أن يرتبط بشيء أكثر جوهرية من مجرد التسلية.
الـتأثير المباشر للقصص واضح، ويمكن ملاحظته بسهولة في أي محاضرة، عندما تكون هناك قصة شخصية متضمنة، فأن التفاعل والنشاط من قبل الجمهور يكون أكبر بكثير مما يكون عندما يخلو الحديث من القصة..
الدراسات البيولوجية تقدم تفسيرا مدهشا للأمر:

الاثنين، 22 يوليو 2019

العربية الفصحى ثورة على الطغيان

بقلم: ديما مصطفى سكران

 قد يبدو الرقم صعب التصديق، لكن الاسكتلنديين، ووفق دراسة لجامعة غلاسكو، يملكون في لغتهم 421 كلمة للثلج، في حين يملك العرب كلمة واحدة فقط ليس لها أي مرادفات!

اللغة، أداة الفكر أم سجنه؟
إن المرء حبيس لغته، وإن فهمه لأي أمر محدود بقدرته على صياغة ذلك الأمر لغويًا، لذا فإنّ هذا الفارق الشاسع في عدد المفردات المتعلقة بالثلج بين اللغتين العربية والاسكتلندية، لا يعني فقط فارقا بسطور المعاجم الخرساء، ولكنه يعني

الخميس، 11 يوليو 2019

المحجبات في ألمانيا ليس لهن آذان

بقلم ديمة مصطفى سكران
مدونات الجزيرة
https://bit.ly/2Ga5N21


"تقول الأسطورة إن النساء المسلمات ليس لهن آذان ولذا هن يضعن الحجاب"، هذا ما قاله لي مديري الألماني في اليوم الأول في العمل ممازحا، فوجدت نفسي أتحسس أذني من فوق الحجاب السميك وأنا أصطنع ضحكة، فمن المهم أن تضحك على نكات مديرك مهما كانت سمجة، خصوصا في اليوم الأول في العمل، ولكن هل كانت هذه نكتة بالفعل؟ أم أنه كان يريد التأكد؟ لأنني ضبطه أكثر من مرة يتأملني من بعيد وكأنه يبحث في رأسي عن شيء ما. إنني أملك أذنين بالفعل، ولكنني للأسف لا أستطيع جعله يتأكد من ذلك.
لا أستغرب أبدا أن يصدق أحد معارفي الألمان، في هذه المدينة الصغيرة غير المعتادة على الأجانب، أنني لا أملك تحت الحجاب أذنين، ما دام أنني سُئلت مرارا إن كنت أنام بالحجاب أو أستحم به، فحولنا نحن المسلمات تنتشر هنا الكثير من الخرافات المضحكة. وفي كل مرة أجلس فيها مع أحد الزملاء أفند له خرافة جديدة، فيتحلق الباقون حولي باهتمام، بينما أنا أروي لهم كيف أنني زرت الجامعة، وكيف أنني أتحدث عدة لغات، وكيف أنني أعرف من يكون أينشتاين، وكيف أنني أفضل الجاز على الراب. تفاصيل صغيرة عن امرأة عادية لم تكن لتثير اهتمام أي أحد، لكنها تبدو مثل أخبار الصفحة الأولى عندما تصدر عن امرأة مسلمة. يكون الأمر مسليا بالنسبة لي في المرة الأولى والثانية والثالثة، لكنه يصبح في المرة العاشرة مملا جدا.
العقل الألماني يقف عاجزا أيضا عن فهم قدرتي على تثبيت حجابي الكبير بدبوس واحد، فتتجمد صديقتي الألمانية فاغرة فاهها لتراقبني أمام المرآة وأنا أضع الحجاب خطوة خطوة، منبهرة بكل ما أفعله
ولا يعكس هذا الفضول لدى شريحة واسعة من الألمان إلا حالة من الجهل المطبق بالمرأة المسلمة، واستسلاما للصور النمطية التي تُعتنق دون كثير من التدقيق. إنه فضول يشي بنظرة دونية للمرأة المسلمة، تكشفها شهقات الانبهار وعبارات التقدير التي تلي ذكر أي أمر عادي، كدخول الجامعة أو قيادة السيارة أو القدرة على السباحة، فهذا التقدير في الحقيقة هو تعبير مبطن عن الازدراء، يصبح معه أي إنجاز مدعاة للتصفيق! لكن اضطراري لشرح نفسي للآخرين على مرارته يظل أفضل من عدم تمكني من الشرح على الإطلاق، وإن سيل الأسئلة الذي يغرقني به البعض هو أكثر إيجابية من الصمت المطبق لدى البعض الآخر، الذي يكتفي بما يؤمن به من قناعات حول المرأة المسلمة، ليأتي سلوكه تعبيرا عمليا عن هذه القناعات. ولعلنا كنساء مسلمات تزداد حساسيتنا بشكل مضاعف في الغرب، ونتمكن من التقاط أي تعبير عن الكراهية والنفور مهما كان صغيرا!

فالوقوف في طابور في السوبر ماركت، على رأسه موظف يحيي الجميع تحية آلية لطيفة، يتحول إلى حالة من الترقب فيما إذا كانت هذه التحية ستجد طريقها إلى وجهي أم لا. وكثيرا ما يحدث أن يطبق البائع شفتيه تماما عندما أقف أمامه، ليقوم مجبرا بخدمتي، مع عدم ترك أي فرصة تفلت منه لإشعاري بأنه يفعل ذلك بلا أي سرور، على عكس عبارة "بكل سرور" الترويجية المطرزة على قميصه.
لقد تحولت هذه المواقف إلى شيء من الروتين اليومي، فهناك دوما هؤلاء الأشخاص الذين يتحكمون بمزاجي الشخصي عند لقائهم على طاولات الحساب، أو خلف مكاتب الدوائر الحكومية، فأخرج من عندهم باشة عندما يقابلونني ببشاشة، ومعكرة عندما يقابلونني بعبوس.
وعلى الرغم من تكرر هذا الأمر كثيرا، لكنه يبدو في كل مرة يحدث فيها وكأنه يحدث للمرة الأولى، وكأن المرء غير قادر أبدا على التعود على الشعور بالإهانة! تلك الإهانة التي فاجأني بها الضابط الذي استقبلني في مطار التيغيل في برلين، عندما تقديمي طلب اللجوء. لقد كان تحقيقا طويلا خاضه الضابط مع طاولته تقريبا، لأنه لم يرفع نظره عنها، متحاشيا تماما النظر في عيني. وكانت تلك المرة الأولى التي أعاين فيها بنفسي معنى أن أكون مسلمة على أرض أوروبية، ومعنى أن أتعرض للتمييز بسبب معتقدي، وأدركت حينها أن جزءا كبيرا من حياتي سأمضيه على هذا النحو، يُخاطب فيه الآخرون الطاولات والكراسي ولوحات الجدران وساعات الحائط وهم يتكلمون إلي، أو ينظرون إلي أحيانا بحدة بالغة وكأنهم، رغم استخدامهم ضمير المخاطب المحترم، يهددونني بالقتل.
وعلى الرغم من أنني قد أُتهم بالإصابة بالرُّهاب إذا تحدثت عن الخوف من تعرضي للإيذاء، لكن صمتي عن هذا الأمر لن يغير حقيقة شعوري به أحيانا، ولعل هذا ما يدفعنا نحن المحجبات أحيانا إلى تغطية حجابنا بقبعات السترات الشتوية قدر الإمكان، لكن الصيف يجعلنا نبدو في مجتمع تتكشف فيه سيقان الرجال والنساء على حد سواء ملفتاتٍ جدا للنظر، ثم هَبْ أننا تمكنا من حل المشكلة في الصيف بطريقة ما، فماذا نفعل بملامحنا الشرق أوسطية؟ وأين نذهب بأنوفنا؟ إن أنوفنا تفضحنا للأسف، وأنوفنا هي المسؤولة الأولى عن انكشاف أمرنا حتى عندما يكون حجابنا متوار تحت القبعات الشتوية!
لكن أنوفنا لا تسبب للبعض أي مشكلة، فعلى النقيض من أولئك الذين يريدون إشعاري أنهم لا يرونني على الإطلاق أو أنهم يرغبون بقتلي، هناك أولئك الأوروبيون اللطيفون الذين يريدون إظهار مودتهم إلى درجة الاحتضان، دون أن تعني لهم هويتي المسلمة أنني امرأة لا تعانق! نعم، لم نعد الآن في جدال "أنا لا أصافح"، بل انتقلنا إلى جدال "أنا لا أعانق"، والذي أجد نفسي بسببه أدفع عني بعنف زملاء لطيفين يريدون معانقتي على الطريقة الشبابية. العناق، وزجاجة الشمبانيا الصغيرة التي وضعها أمامي زميلي في العمل بمناسبة يوم المرأة، والشوكولا التي يناولونك قطعة منها لتنكسر في فمك عن جرعة من الخمر، كلها ليست إلا تفاصيل في جهل الأوروبي بالمرأة المسلمة، يبرِّرُه أحيانا بأنها ليست إلا جرعة صغيرة من الخمر فقط، وبأن بإمكاني ابتلاعها، طيب وماذا عن زجاجة الشمبانيا؟ هل آخذها لأنها زجاجة "صغيرة" أيضا ويمكنني احتساؤها؟ يفاجئك العقل الألماني أحيانا عندما لا يستوعب أن الأمر لا علاقة له بالحجم.

والعقل الألماني يقف عاجزا أيضا عن فهم قدرتي على تثبيت حجابي الكبير بدبوس واحد، فتتجمد صديقتي الألمانية فاغرة فاهها لتراقبني أمام المرآة وأنا أضع الحجاب خطوة خطوة، منبهرة بكل ما أفعله، طالبة مني التوضيح، فأبدأ بالتفلسف عن نوعية معينة من القماش أحتاجها، وعن أبعاد معينة لأطراف الحجاب، وعن آلية معينة للفه حول الرأس، لأنني أجد من غير اللائق بمكان الاعتراف ببساطة الأمر أمام مقدار ما تبديه هذه المرأة من انبهار ، كما أنني أجد انبهارها فرصة للتباهي بأمر ما أمامها. نعم يا سيدتي، أنتم الألمان لديكم فولكس فاجن، لكننا نحن المسلمات نستطيع تثبيت حجابنا بدبوس واحد فقط!
وكما تعجبت السيدة من قدرتي على ارتداء الحجاب بهذه السرعة، فإنها أبدت اندهاشها الذي كاد يقارب إصابتها بأزمة قلبية حين حضرت عرسا سوريا، رأت فيه النساء المسلمات اللواتي تعرفهن بالحجاب حاسرات الرأس متزينات! كانت تحتاج قرابة العشر دقائق من البحلقة بكل امرأة على حدى قبل أن تبدأ بالنطق، وهذا هو الأمر الوحيد الذي لم يفلح أحد بعد في شرحه للألمان، فهم لا يستطيعون أن يفهموا كيف بوسع النساء أن يكن جميلات ثم يخفين جمالهن بالملابس المحتشمة! ولعلي بعد هذا الموقف فهمت سبب الثرثرات الهامسة التي أسمعها من خلفي أحيانا، عندما أكون واقفة أمام رفوف محل التجميل، أقلب علب الشامبو بين كفي، وأجرب ألوان أحمر الشفاه كعادة النساء العربيات على ظهر يدي. نعم يا عزيزاتي نحن نستخدم الشامبو، ونحن نضع أحمر الشفاه، ونحن ندرس في الجامعة، ونحن نعرف من هو أينشتاين، ونحن نقود السيارات، ونحن نستحق تحية لطيفة أمام الكاشير، ونحن لا نعض ولا نرتدي أحزمة ناسفة تحت ملابسنا الواسعة، ونحن لا نتحجب لأننا قبيحات، ونحن قبل كل ذلك أيضا لدينا آذان!

الاثنين، 1 يوليو 2019

كيف فقدت الأمومة قيمتها في المجتمعات الحديثة؟

بقلم: نور علوان


طالما عُرفت الأمومة بأنها مهمة المرأة الأساسية ومهنتها الثابتة على أساس أنها جزء لا يتجزأ من طبيعتها البيولوجية وفطرتها الغريزية، كما اعتقد لوقت طويل بأن قوتها تكمن في عاطفة الأمومة لديها، لذلك خضعت النساء اللواتي لم يتبعن هذا النمط المعيشي إلى أحكام اجتماعية قاسية، وفي أحيانٍ أخرى تعرضن للرفض والنبذ.
اعتبارًا لذلك قدست العادات والتقاليد دور المرأة داخل المنزل لتقوم بمهماتها الروتينية على مدار الأسبوع، وكأن أسلوب الحياة هذا

الثلاثاء، 25 يونيو 2019

دفاتر الأيام

وتكتشفين يا صغيرة
بقلم: سما حسن

في ساعات ما بعد الظهر وبين يدي مصففة الشعر التي تهوى العراك مع خصلات شعري أكتشف أن الشعر الأبيض قد غزا شعري بقوة، باندفاع لم أعهده، وبأن الشعيرات السوداء تتراجع، وقد عاهدت نفسي ألا أغير من لون الأبيض، فلست أهوى أن اخدع نفسي، ربما أن تغييره ليس مفسدة ولا حراما، ولكني

الجمعة، 21 يونيو 2019

الخوف الجميل

بقلم: مصطفى محمود


كانا يتمشيان على النيل .. و الشمس تغيب في الأفق .. و النسيم يداعب أغصان الشجر
قال و هو يمسك يدها في حب:- أتعرفين ماذا تحت قدميك الآن ؟
قالت:- ماذا تعني ؟؟
أتعرفين على ماذا تقفين ؟
نظرت إليه تنتظر أن يكمل
قال:- هل تصدقين أن تحت قدميك عصراً رومانياً .. و عصراً فاطمياً .. و عصراً تركياً .. و عصراً فرعونياً و عصراً حجرياً
أكاد أسمع صهيل الخيل ، و جلجلة السلاح
أكاد أرى الناس تختصم و تتصارع و تتزوج و تتاجر
أكاد أرى نظرات الغرور ما تلبث أن تأكلها الديدان
أكاد أرى الدموع تلمع على خدود آلت ترابا
أين ذهب الغضب ؟؟ .. أين ذهب الجنون ؟؟ .. أين رقد اليأس ؟
أين نامت الفتن ؟ .. أين ذهب الحقد و الحسد الذي كان في الصدرور ؟
قالت له و هي ساهمة تنظر إلى التراب تحت قدميها :- ترى هل يبقى شيء من حبنا ؟ أم أننا ماضون نحن أيضاً إلى لاشيء ؟
قال ضاحكاً :- في عصر السرعة الذي نعيشه يكاد يكون الحب فستاناً تتعلقُ به الفتاة لمدى لبسة واحدة .. ثم بعد ذلك تتغير الموضة
قالت :- هل هذا رأيك ؟
قال :- هذا حال أكثرُ الناس
قالت :- وهل نحن من أكثر الناس ؟
قال :- كلُّ الذين تحت قدمكِ قد أقسموا - و هم يبكون - أن مابينهما كان شيئاً خاصاً نادراً ليس له مثيل
قالت :- ألم يَصْدُقْ بعضهم ؟
قال :- نعم ، أقل القليل .. الذين استودَعوا عند الله شيئاً .. فالله وحده هو الذي يحفظ الودائع
و أردف و هو ينظر إلى السماء :- الذين أحبوا بعضهم فيه .. و نظروا إلى بعضهم في مرآته .. الذين أفشوه أسرارهم .. و أسلموه اختيارهم .. فأصبح هو مرادهم .. هؤلاء أهله .. الذين هم إليه وليسوا للتراب
قالت و هي تنظر في عينيه : و أين نحن من هؤلاء ؟
قال و هو مازال ينظر إلى السماء :- الكل يدَّعي أنه من هؤلاء .. لكن الزمن هو وحده الذي يكشف صِدق الدعوى ! .. و لهذا خلق الله الدنيا ، ليتميز أهل الدعاوي من أهل الحق
قالت :- ألا ترى نفسك مُخلِصاً ؟
قال :- لست من الغرور بحيث أسبق الزمن إلى الحكم فما أكثر ما يُخدع الإنسان في نفسه .. و ما أكثر ما يُستدرج إلى ثقة في النفس مبالغ فيها ، ثم أردف :- الإخلاص ، هو أخفى الخفايا .. و هو سر لا يكاد يطلع عليه إلا الله !
قالت و يدها ترتجف في يده :- إني خائفة
قال :- و أنا أعيش هذا الخوف الجميل .. خوف يدعونا يدفعنا إلى إحسان العمل .. خوف لا يوجد إلا عند الأتقياء .. لأنه خوف يحمي صاحبه من الغرور ... ألم يقل أبو بكر الصديق : مازلتُ أبيت على الخوف و أصحو على الخوف ، حتى لو رأيت إحدى قدمي تدخل الجنة فإني أظل خائفاً حتى أرى الثانية تدخل .. فلا يأمن مكر الله إلا القوم الضالون
قالت :- ولماذا يمكر الله بنا ؟
قال :- مكر الله ليس كمكرنا ..فنحن نمكر لنخفي الحقيقة .. أما الله فيمكر ليظهرها .. و هو يمكر بالمدعي ، حتى يُظهره على حقيقة نفسه ، فهو خير الماكرين
قالت :- ألا توجد راحة ؟
قال :- ليس دون المنتهى راحة
قالت :- و متى نبلغ المنتهى ؟
قال :- عنده
"وإنّ إلى ربكَ المنتهى"..

من كتاب (علم نفس قرآني جديد) ص71

الأحد، 9 يونيو 2019

قلوب منزوعة الفرح

بقلم: د. ديمة طهبوب

لا ريب أن الله عندما خلق القلب و خصه بالمكانة الأكبر أراد له وظيفة معنوية أهم من الوظيفة العضوية فجعل القلب مناط الفهم والتأثر والإدراك وجعل ابتداء خلقه رقيقا طاهرا شفيفا كالآنية، وبالرغم من صغر حجمه المادي إلا أن اتساع مداه المعنوي يسع إدراك عظمة الخالق فقد ورد في الأثر" ما وسعتني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن الوادع اللين".
إلا أن هذا الصفاء ما يلبث أن يتلوث نكتة فنكتة تلو أخرى، ليس من أثر السيئات بالضرورة ولكن من تراكم الهموم والغموم والانكسارات، حتى يقف تماما وقد أنهكته الحياة والناس، ويقرر أن يسترجع حالة الصفاء الأولى ليعود إلى الله كما بدأ... ولكن هذه المرة بوصف النفس المطمئنة الراضية المرضية وقد تخلصت من التعب؛ لذا كان دعاء أهل الجنة أول دخولها "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن".
أغلب ما في الدنيا يقتطع شيئاً من قلبك ناقلا إياه من حالة السعة إلى الضيق، ومن الفرح إلى الحزن، ومن الأمن إلى الخوف، ومن الثبات إلى الضعضعة، ومن اليقين إلى الشك، كلما كبرت يخف منسوب البراءة في قلبك ويزيد منسوب الخبرة، ولكنها تلك الخبرة السوداء التي يشيب منها شعرك، فما أدركتها إلا بألم فقد أو خيانة أو خسارة !
عندما نحس بالألم نسارع إلى إجراء الفحوصات، ولكننا لا نجد فحصا يقيس منسوب الفرح أو نسبة الأمل أو أنزيمات التفاؤل، مع أن هذه و ما تمثله من حياة القلب قد تبث الروح في جسد نصفه في القبر! 
لو كان هناك فحص لاعمال القلب المعنوية و حالته الشعورية لوجدنا ان معظم قلوب البشر تعاني من أنيميا و ضعف حاد في المشاعر التي تحافظ على استمرار دقات القلب و تدفق الدم، فما الفرح؟ ما عاد البشر يعرفون سوى اسمه فهم يقومون بكل أعماله و لكن مردود الاعمال لا يعود بنفس النتيجة! تمر بنا مواقف عصيبة بعضها من القدر و بعضها من ظلم البشر فتعلمنا دروسا قاسية تحفر على جبين القلب و في سويداه: هنا يوجد قلب منكسر، و بعد ضربة اول معول خيانة لا يستعيد القلب عافيته تماما مهما أخذ من المدعمات أو المنشطات بل يظل على حذر و وجل يتشكك من كل شيء و كل احد قبل أن يمنحه جزءا من بقايا ثقة مهلهلة مستعدة لتحمل الخيبة في أي وقت!
الغريب أن البشر لا يتورعون أن يكونوا تلك النكت السيئة في قلوب الآخرين فإننا كما نتعلم أبجدية القراءة والكتابة فهناك للقلب أبجدية ولغة وذاكرة لا تنسى أولَّ من علَّمها درسَ الغدر، ولا من طَبَعَ عليها بختم الخديعة!
إن القلب يحتفظ بالإحسان طويلا ويحتفظ بالإساءة أطول؛ لذا يبقى في القلب صديق لا تنساه  ويبقى في القلب عدوّ لن تغفر له.
نمرُّ بالأفراح فلا نجد لها سعادة، نمرُّ بالأعياد فنتكلف ونجتهد لنفرح، نخرج وندخل ونكرر ذات الطرق والأحوال التي أفرحتنا في زمان طفولة القلب فلا يكون لها ذات الأثر في قلبٍ شاخَ في عزِّه من كثر ما تعاقبت عليه سوءات البشر وأصنافهم!! و هي حالة الكلل والعمى التي ذكرها الحديث وهي من حالات إعلان موات القلب!!
قد نفهم تقلب صروف الدنيا وأثرها على القلب، ولكننا لا نفهم تدخل البشر عن سابق إرصاد و ترصد لاستهداف قلوب الآخرين!! نفهم أن يكون الفقر سببا في نزع الفرحة من قلوب البعض ولكننا لا نفهم مثلا أن يستقوي الناسُ على بعضهم فيأكلون مال المستضعفين!!
 كيف يمكن لبشر أن يرضى أن يكون اسمه رديف خيانة أو ظلامة أو قهر أو دمعة أو غش أو كسر في قلبِ عبدٍ آخر، فإذا ذكرت الخصلة السيئة كان هو صنوها و صورتها المجسدة!! ليست هذه مبالغة فكما كان العدل عمريا كذلك كان البطش حجاجيا فأصبح البشر دلالة على صفات حميدة او ذميمة!
ينسى العباد وهم يتركون بصماتهم السيئة وخناجرهم المسمومة في قلوب الآخرين أن للقلوب سجلات، وحسابها عند الله غليظ، وربما أغلظ من سجلات حساب الأجساد: فالأصل في القلب أن يكون مفرغا من الهم و الغم و الحزن مقبلا مطمئنا على عبادة الله و من صرف قلب عبد عن هذه الحالة فقد صرفه عن الايمان
إن البكا  والضحك والفرح والحزن بيد الله، فسبحان من أضحك وأبكى فمن تدخل في حكم الله بالابكاء و الإتعاس كان لا بد له من جزاء عسير كما كان لا بد لمن يرسم بسمة بعد دمعة على خد قد حفر فيه الحزن أخاديده ان ينال الجنة كما جاء في قصة ابي نصر الصياد الذي لم يغن عنه ماله و سلطانه من دخول النار و لكن نجته دموع أرملة و ابتسامة يتيم أعطاهما رقاقتي خبز يوم كان فقيرا
إن لكل عبد صيتا في السماء يسبقه عند الله فيعرفه أهل السماء بما يعرفه به أهل الارض، فمن كان لقلوب العباد محسنا عُرف عند الله بذلك و من كان لهم مسيئا لم ينفعه مال و لا بنون في يوم لا يُقام فيه وزن الا للقلب السليم
جاء في الحديث القدسي" أحبكم إليّ وأقربكم مني منزلا يوم القيامة الموطئون أكنافا" أي الذين يبذلون أنفسهم أرضا ذلولا ليطؤها البشر بأريحية و كنف المرء حضنه ماديا ورعايته معنويا،  ومنها نقول عاش في كنفه، فمن عاش الناس في كنف معروفه الشعوري كان له أملا بتلك المنزلة، ومن ابتعد في الدنيا عن رعاية قلوب العباد ابتعد عن مجلس رب العباد في الاخرة
كنا نستقبح مصاصي الدماء في الصورة التخيلية لهم و نازعي الفرحة من القلوب ليسوا أقل قبحا ووجودهم حقيقي فإياك أن تكون أحدهم!

الخميس، 16 مايو 2019

محمود درويش بعيون حبيباته وبلسان أعدائه (3)

2019-05-15  بقلم: بلال فضلالعربي الجديد

لم تكن قصة حب الشاب الفلسطيني محمود درويش والشابة الإسرائيلية تمار بن عامي، هي قصة الحب الوحيدة التي عرضها فيلم (سجل أنا عربي) للمخرجة ابتسام مراعنة، فقد أفرد الفيلم مساحة أقل لقصة حب محمود درويش مع السورية رنا قباني ابنة شقيق الشاعر السوري الكبير نزار قباني، والتي تحولت إلى زواج قصير مضطرب انتهى بطلاق عاصف، ثم عودة قصيرة إلى الزواج، ثم فراق أخير أنهى قصة الحب التي بقي منها لدى رنا قباني تقدير كبير للشاعر الذي ترجمت بعض أشعاره إلى الإنجليزية، وذكريات مركّبة عن الإنسان استعادتها في سلسلة حلقات نشرتها صحيفة (القدس العربي) اللندنية قبل سنوات.
رنا قباني 

ربما كان من شأن عرض الفيلم لقصة الحب "العربية" تلك، أن يهئ غضب بعض محبيه الذين أزعجهم حب "شاعر الأرض المحتلة" لفتاة إسرائيلية، خاصة أن حبه لتمار لم يكن نزوة عابرة كما أوضح الفيلم، إلا أنني شعرت وأنا أشاهد تفاصيل تلك القصة كما عرضها الفيلم، أن قصة حب محمود وتمار ألقت بظلالها على قصة حب محمود ورنا، وما جعلني أتصور أن ذلك مقصود من صانعة الفيلم، أنها لم تعرض وقائع قصة حب أخرى في حياة محمود درويش انتهت أيضا بزواج قصير، كانت بطلتها المصرية حياة الهيني، مع أن تلك القصة لم تكن سرية، حيث ظهرت بطلتها من قبل لتتحدث في فيلم تسجيلي سابق عن زواجها بمحمود درويش، وكان يمكن لو لم يتيسر لمخرجة الفيلم لقاءها خصيصا، أن تستعين بما تم تسجيله معها من قبل، خاصة أن المخرجة كانت قد قالت في تصريحات سابقة لها إنها هدفت من صناعة الفيلم لأن يرى الجمهور محمود درويش في الفيلم بعيون النساء اللواتي أحبهن. لا أريد أن أجزم بتعمد ذلك الإسقاط لقصة حياة الهيني، للإبقاء على وجود تشابه بين قصتي محمود مع تمار ورنا، فقد يكون حصل ذلك مصادفة أو سهوا، لكن المؤكد أن الفيلم لم يقدم كما وعد كامل تفاصيل صورة "العاشق سيئ الحظ" محمود درويش، وهو تعبير وصف محمود به نفسه في قصيدة جميلة له في ديوان (هي أغنية هي أغنية) يقول مطلعها: "أنا العاشق سيئ الحظ.. تمرد قلبي عليّ.. أنا العاشق سيئ الحظ.. أغنية لي وأخرى عليّ".

حياة الهيني ومحمود درويش 

بمجرد أن ترى في الفيلم صورة قديمة لرنا قباني، التي وقع محمود في غرام جمالها الصاعق، حين رآها وهي في الثامنة عشر من عمرها عام 1977 في أمسية شعرية له بالعاصمة الأمريكية واشنطن حيث كانت تدرس هناك، ستدرك وجود تشابه كبير بين ملامح رنا وملامح وجه حبيبته القديمة تمار، التي كانت في نفس عمر رنا حين أحبها محمود، وكانت قصة حبهما قد ولدت أيضا في أمسية شعرية، كانت تمار تجلس بين جمهور الأمسية، بعد أن أنهت فقرتها الغنائية التي لفتت نظر محمود إليها، أما رنا فقد كانت تجلس في الصف الأول وتستمع فقط إلى محمود، وأربكها أنه لم يرفع عينيه عنها طيلة الوقت، تماما كما حدث مع تمار، لكن الفارق أن محمود قام هذه المرة بعرض الزواج على رنا بعد ساعة من انتهاء الأمسية، ليتزوجا بالفعل قبل أن تمر 24 ساعة على لقائهما الأول، ولتجد نفسها في وقت قياسي معه في باريس، في انتظار فتح مطار بيروت أمام حركة الملاحة.
أقامت رنا مع محمود في شقته الصغيرة بباريس، وفوجئت هناك بعالم صاخب لم تكن تتوقعه، حيث يشاركها في زوجها كل ليلة، عشرات من أصدقائه الذين يأتون ليأكلوا ويشربوا ويسهروا دون إشعار مسبق، ولذلك لم تتحمل عناء هذا الزواج طويلا، لتنفصل عن محمود وتعود لإكمال دراستها في واشنطن، لكنه لم يقو على فراقها، وأخبرها أنه مستعد لأن يعودا سويا وأن يعيشا خارج بيروت، في مكان يحتفظان فيه بخصوصية زواجهما، وبالفعل عادا وأقاما في باريس لفترة، كانت فيه الزوجة والصديقة والحبيبة والمرشدة والمترجمة أيضا، لأن محمود لم يكن يتكلم الفرنسية، لكن الزيجة لم تستمر طويلا، وحدث بعدها انفصال نهائي، وإن كان محمود درويش قد بقي مقيما في باريس لفترة طويلة، قبل أن يكون له بيت آخر اختار أن يكون في العاصمة الأردنية عمّان، ربما ليكون أقرب إلى رام الله التي ووري جسده في ترابها.

تحكي رنا ذكرياتها تلك مع محمود، وهي تجلس في شقتها الجميلة بباريس بعد مرور أكثر من 35 عاما على بدء قصة حبها بمحمود، فتشعر وأنت تقرأ أن حبها له تماما مثل وجهها الجميل، لم تؤثر فيه كثيرا ملامح الزمن، لكن الأيام جعلتها وجعلت حبها أنضج وأهدأ، ويبدو حديثها عن قصتها العاصفة مع محمود، ممتلئا بقدر كبير من التصالح مع النفس، واستيعاب أن ما جرى من منعطفات حادة في علاقتهما، كان أمرا حتميا لعلاقة ولدت بشكل متسرع، ومضت نحوها مندفعة دون أن تهتم بتحذيرات الكثيرين من خطورة التسرع أو من وجود فارق سن كبير بينهما، لكنها برغم فشل العلاقة، تتحدث عن محمود طيلة الوقت بتقدير يخلو من المرارة أو الضغينة، ولذلك تبدو الحكايات التي تحكيها عن تفاصيل زواجهما مثيرة للضحك ودالة على الوجه الإنساني لمحمود درويش الذي كان يبدو لنا من خلال حواراته التلفزيونية وأمسياته هادئا متعقلا، لذلك ستضحك من قلبك وأنت ترى رنا تحكي كيف غضب منها ذات يوم، حين طلبت منه أن يقوم بغسل الأطباق المتراكمة من جراء امتلاء الشقة كل ليلة بأصدقائه القادمين للعشاء بلا دعوة ولا تحضير، ودخلت لتنام غاضبة، فاستمعت إلى أصوات تهز الشقة، فظنت أنها أصوات غارة اسرائيلية تداهم بيروت، لتجري مسرعة بحثا عنه، فتجد أن الصوت قادم من المطبخ، حيث كان محمود يقف ممسكا بالأطباق المتسخة، ويقوم برميها على الأرض لتنكسر تباعا، تحكي رنا هذا الموقف وغيره، وهي تضحك بهدوء لا يخلو من شجن تشعره وهي تتحدث عن محمود، مما جعلني أسأل كيف كان سيكون موقفها لو سألتها مخرجة الفيلم عما إذا كانت تعرف بقصة الحب الأولى التي جمعت محمود بالإسرائيلية تمار، وهل حكى لها عن تلك القصة أم لا، لكن يبدو أن المخرجة أدركت عواقب سؤال مثل هذا، وخشيت حتى من أن تسند مسئولية السؤال الطبيعي لمن يتحمل عواقبه.
برغم جمال وعذوبة ما حكته رنا قباني في الفيلم وما كتبته أيضا عن محمود درويش في ذكرياتها، إلا أنني شعرت من خلال حديثها، أنها ربما كانت متحرجة من أن تقول الكثير عنه كزوج وإنسان، وأكد لي ذلك تعليق كتبته ذات مرة على ردود أفعال قرائها المشجعة للحلقة السادسة من ذكرياتها، حيث قالت إن ردود الأفعال المرحبة بما كتبته ـ والتي رأت أنها تثبت تطور وعي القارئ العربي ـ شجعتها وقلّلت خوفها من أن يغضب جمهور محمود درويش إذا حكت أكثر عن حياتهما، ثم قامت بعد ذلك بتذكر واقعة ملفتة جدا ومتعلقة بموضوع فيلم (سجل أنا عربي)، وهي أنها كانت مدعوة للعشاء مع زوجها محمود درويش وقريبتها الشامية الكاتبة الشهيرة غادة السمان وزوجها الناشر بشير الداعوق، وتحدثت غادة في العشاء عن استعدادها لنشر رسائل الحب التي كان يبعث بها إليها الكاتب الفلسطيني الكبير غسان كنفاني، فأعجبت رنا الدارسة في الغرب والمقيمة أغلب عمرها فيه، ليس فقط بشجاعة وتحرر غادة السمان، وإنما بتحضر زوجها الذي لم يشعر أن في الأمر إهانة له، لكنها شعرت أن محمود درويش تغير مزاجه قليلا.
عندما عاد محمود ورنا إلى البيت فوجئت بأنه غاضب جدا، و كما تقول فإن محمود درويش "استهجن سماح الزوج لزوجته أن تفضح ماضيها الغرامي مع من سبقه، رغم أن من سبقه كان رجلا سيرته تهم الناس و القضية الفلسطينية خاصة أن الكاتب والشاعر و الفنان هو مجرد ما يُنتج — أي عمله فقط — و ليس حياته الخاصة، التي لا تدل على ما هو أبداً، فأغضبت محمود اكثر حينما ردّيت أن هذه النظرية السوفيتية المذهب التي كانت قد أقنعته بهذه السذاجة وقتها، تحرم القارىء من التفاصيل الأساسية لفهم الكاتبة أو الفنانة، أو الشاعر أو الموسيقار، وأعطيته ادلة كثيرة من حياة الشاعرة الأميركية أملي ديكنسون، والشاعر اليوناني الاسكندراني كافافي، والشاعر ت.س. إليوت، والكاتب الياباني تانيزاكي، التي لا بد وأن تزيد العمق في قراءة أعمالهم. سمع ما قلت، وأظن انه احتار بأمره، فذهب الى النوم وهو ما زال يقلب الفكرة بعقله الجدلي اللامع. بعد أسبوع، أخذ من بين كتبي كتابا يروي حياة مارسيل بروست، و طلب مني أن أختار منه عدة صفحات أعجبتني، و ان أترجمها له".



بالطبع، لا ندري كيف كان سيشعر محمود درويش لو كان حيا، وقرأ ما تكتبه رنا عنه، أو لو كان قد شاهد النساء اللواتي أحبهن، تمار ورنا وحياة، وهن يتحدثن عنه، هل كان سيغضب لأنه لا يزال يرى أنه ليس في حياته شيئا يهم أحدا سوى شعره ومواقفه وأفكاره، أم أنه كان سيتقبل وجهة النظر التي ترى أن معرفة قارئه بحياته تجعله يغوص أكثر في تذوق أدبه وفهم مواقفه، فلكل من الموقفين وجاهته ومنطقه. لا أستطيع مثلا كقارئ معجب بمحمود درويش وقارئ لكل ما كتبه شعرا ونثرا، أن أقول إن هذا الفيلم جعلني أرى محمود درويش بشكل مختلف يجعلني أحبه أكثر، أو أحب كتابته أقل، لأن كل ما أريد معرفته عن محمود درويش عرفته بالفعل من خلال شعره الجميل ونثره الرائع، ولا أعتقد أن حبي مثلا لقصيدة (بين ريتا وعيوني بندقية) كان سيقل لو كنت قد عرفت أن ريتا درزية أو شيعية أو صينية، لأنني كنت أرتل نفس القصيدة بخشوع بالغ، في حضرة حبيبتي الأولى التي كانت تسكن قرب مقابر الإمام التونسي، وكنت وقتها أتخيل أن البندقية التي تقف بيني وبينها هي بندقية المجتمع الذي يمنع شابا فقيرا مثلي من الزواج بها، وبنفس الطريقة كنت أقرأ وأردد (أيها المارون بين الكلمات العابرة) وأنا أتخيل أنني أوجهها لحسني مبارك وأسرته وألاضيشه، دون أن أفكر لمن كتبها محمود، وهل كان حقا يقصد بها كل الإسرائيليين حتى أصدقاءه المحبين للسلام من وجهة نظره، أم أنه كان يقصد فقط جنود الإحتلال الذين يكسرون أذرع الأطفال، وحتى المواقف السياسية التي أعلنها محمود درويش في الفيلم وفي غيره وبدت صادمة للبعض، لا أظن أنني سأتذكرها أبدا وأنا أقرأ مثلا (جدارية) محمود درويش التي قال فيها كل شيئ يمكن قوله ليس عن فلسطين فحسب، بل وعن كل شيئ في هذا الكون.



ما أضافه لي فيلم (سجل أنا عربي) أنني استمعت به، وأنني اكتشفت أنني لا زلت أحتفظ بهشاشتي تجاه صوت محمود درويش، بدليل أنني بكيت في ظلام قاعة العرض وأنا أستمع إليه يردد قصيدة "سجل أنا عربي" التي لم أعد أحبها منذ 15 عاما على الأقل، وما أنا ممتن لمخرجة الفيلم بسببه، وبرغم كل شيء، هو أنني قضيت وقتا جميلا بصحبة محمود درويش ومحبوبتيه، ومن حديثهما الحميم الدافئ عنه، أدركت كم هو جميل أن يحب الرجل امرأة حبا جميلا، يجعلها تذكره بحب حين تأتي سيرته، فضلا عن أن مشاهدة ذوق محمود درويش في الجمال، جعلني أتذكر أيام كنت معجبا مهووسا به، لدرجة أن إعجابي به جعلني أتخلى عن مبدأ أصيل كنت أعتنقه منذ اقتربت بدءا من عام 1991 من أوساط الفنانين والأدباء والكتاب، وهو ألا أطارد أبدا كاتبا أو فنانا مشهورا لكي أسلم عليه أو أحصل على توقيعه أو أطلب التقاط صورة معه، مهما كانت محبتي له، وهو ما التزمت به مع فنانين وكتاب كثيرين أحبهم، كان يمكن أن يكون لدي معهم ومنهم صور أو توقيعات أتفشخر بها على أقراني، وقد كانت محافل القاهرة في التسعينات من القرن الماضي لا زالت تموج بكبار الأسماء المصرية والعربية اللامعة في كل المجالات.

كنت أقول لنفسي دائما طالما لم تأت فرصة التقاط الصورة أو الحصول على التوقيع من الكاتب أو الفنان ونحن أصدقاء بالفعل أو نعرف بعضنا فعلا فلا قيمة لذلك، ومع ذلك فقد فشلت في الإلتزام بهذا المبدأ مع محمود درويش، حين حضرت له عام 1994 أمسية شعرية في قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبعد انتهائها ظللت أحوم حوله لأكثر من ساعة وأراقبه وهو يتبادل التحية مع معجباته، وربما غرني إقباله عليهن بالقبلات واللمسات والهمسات والضحك المسرسع، فأخرجت من حقيبتي المهترئة نسخة من ديوانه الأحدث وقتها (أحد عشر كوكبا) ـ طبعة دار توبقال المغربية ـ وكنت قد دفعت فيها ثمنا باهظا اقتطعته من قوتي المحدود كطالب جامعي، لأنتهز فرصة نزوله على السلالم وقد خف الزحام من حوله، لأقطع طريقه وأقف أمامه متسمرا ومادا يدي اليمنى بالديوان، واليسرى بقلم، وأنا "فاشخٌ ضَبّي" عن ابتسامة عريضة بلهاء، لأفاجأ به ينهرني، ويطلب مني أن أخلي السلم لكي يتمكن من النزول، لأعود إلى البيت ليلتها وفي قلبي جرح سطحي أحدثه شاعري الأوحد وقتها، فلم يعد كذلك بعد أن زاحمه مع مرور السنين شعراء آخرون في المكانة والمحبة والتقدير، وها أنا الآن بعد أن شاهدت هذا الفيلم أتذكر كم كانت جميلة وجوه المعجبات اللواتي كان محمود درويش لطيفا معهن، وكم كان مناقضاً لهن مظهري وأنا أعترض طريقه، فأتفهم موقفه وأسامحه على "شخطته "بعد أن كنت قد أزمعت أن أختصمه فيها يوم الحساب.

محمود درويش بعيون حبيباته وبلسان أعدائه (2)

بقلم: بلال فضلالعربي الجديد2019-05-14  

بالطبع لم يكن العشريني محمود درويش يتصور وهو يكتب رسائله إلى حبيبته الإسرائيلية تامار بن عامي أن سطور رسائله ستكون بعد خمسين عاما من كتابتها، مجالا لسجال يحول تلك القصة الإنسانية المركبة إلى موضع اتهام لدرويش، فيعتبر البعض أن حبه لتامار كان تفريطا في الثوابت الوطنية، ويتصور البعض أن افضل وسيلة للدفاع عن وطنية شاعره المفضل هي التأكيد على أن تامار بن عامي لم تكن الإسرائيلية الوحيدة التي أحبها، وأنه كأي شاب وكأي شاعر كان لديه نزوات متعددة، لم تكن تامار سوى واحدة منهن. وأحمد الله أنني ـ حتى الآن على الأقل ـ لم أقرأ من يتهم محمود درويش الشاب بخيانة بنات وطنه اللواتي كُنّ أولى بحبه من تلك الإسرائيلية التي قدم أهلها مهاجرين من بولندا. ومن يدري ربما لو كان محمود درويش حيا وقت عرض الفيلم لشاهدناه يخضع لاستجواب تلفزيوني يضطره للدفاع عن نفسه بالتذكير بأن مرآة الحب عمياء وسهمه نافذ، وربما اضطر تحت الضغط الإعلامي أن يطلب من جمهوره الغاضب أن يذكر له أنه أنهى قصة الحب تلك بشكل سحق فيه مشاعر تامار بن عامي، وأثبت لها أنه يمكن أن يخسرها من أجل القضية الفلسطينية.


حدث ذلك بالفعل في باريس كما تحكي تامار بن عامي، بعد أن جمعت الدنيا ثانية بينها وبين محمود درويش بعد فترة من الانقطاع دامت سنين طويلة. كان ذلك في نهاية الثمانينات من القرن الماضي حين تعرض درويش لهجوم اسرائيلي كاسح بسبب قصيدته الشهيرة "أيها المارون بين الكلمات العابرة احملوا أسماءكم وانصرفوا"، والتي كتبها كرد فعل على مشاهد القمع الإسرائيلي الوحشي للانتفاضة الفلسطينية، ليتم اتهامه على نطاق واسع بمعاداة السامية والسعي لإبادة اليهود من الوجود، وهو هجوم يكشف لنا فيلم المخرجة ابتسام مراعنة أنه أربك محمود درويش وضايقه جدا، خصوصا أن أصدقاءه الإسرائيليين سواءً كانوا يساريين أو ليبراليين أو غيرهم ممن يصفون أنفسهم بأنهم "أنصار السلام" شاركوا في ذلك الهجوم الشرس الذي احتفت به الميديا الغربية ولاحق محمود درويش في محل إقامته الجديد في باريس، ليجد نفسه في موقع المدافع الذي ينكر وجود بعض الكلمات التي تمت نسبتها إلى القصيدة بعد ترجمتها إلى العبرية.


ولذلك كان مفاجئا لدرويش أن تخرج تامار بن عامي عن صمتها الطويل، لتجري حوارات صحفية وتلفزيونية تكشف فيه عن قصة حبهما للجمهور الإسرائيلي الذي عرفها راقصة ومطربة شاركت في بعض الأغنيات الداعمة للجيش الإسرائيلي، لتؤكد في حواراتها أن محمود درويش الذي عرفته وأحبته لا يمكن أن يوافق على إبادة اليهود، وأنه مؤمن بالسلام والتعايش، وهو ما جعل درويش يتصل بها ليشكرها على موقفها، ويدعوها لكي يلتقي بها في باريس، بعد أكثر من عشرين سنة من القطيعة بدأت بعد خروجه إلى منفاه الاختياري في القاهرة ثم إلى بيروت وأخيرا إلى باريس.
لا تخجل تامار بن عامي من الاعتراف أنها لم تتردد في تلبية الدعوة فورا، لتطير إلى باريس، وحين وصلت إليها في شهر أكتوبر عام 1989، أخذت تتصل بالرقم الذي أعطاه لها محمود لمدة أسبوع، فلم تجد أحدا، بل وردت عليها في إحدى المرات سيدة قالت لها إنه غير موجود، لكنها لم تيأس وظلت مقيمة في باريس في انتظار مكالمته، وعندما سألتها المخرجة لماذا فعلت ذلك ولم تغضب لنفسها بسبب تجاهله، قالت بانفعال "لأنني أحببته"، وبالفعل لم يضع إصرار تامار عبثا، فقد التقى بها درويش في منزله، الذي لاحظت حين وصوله أنه كان في عمارة بدا أنها تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكنها وصفت اللقاء بأنه كان لقاءا فاترا ومربكا، وقطعه اتصال بين محمود درويش وياسر عرفات لم تفهم ما دار فيه لأنهما تحدثا بالعربية، لكنها شعرت أنه اتصال متوتر، خاصة أن اللقاء انتهى سريعا بعد ذلك على أمل لقاء ثانٍ قريب.
لكن ذلك اللقاء المنتظر لم يتم برغم اتصالها كثيرا بدرويش دون أن يرد، بل إنها ذهبت إلى منزله وطرقت الباب فلم يفتح، وحين اتصلت به من هاتف عمومي رد عليها بانفعال وقال لها إنه لا يستطيع أن يلتقي بها، وحين سألته لماذا، فوجئت به يصرخ فيها طالبا منها أن تتوقف عن الرومانسية واتهمها بأنها لا تفهم كل ما يحدث حولهما، وأنها لا تريد أن تدرك أن كل ما بينهما انتهى، ثم أغلق في وجهها التليفون لتنهار باكية، وتستنتج بعد ذلك أنه ربما تلقى تحذيرات من قادة منظمة التحرير بألا يلتقي بها لأن ذلك يمكن أن يستغل ضده وضد القضية الفلسطينية. لكنها ومع ذلك، قررت أن ترسل إليه رسالة أخيرة، تقول فيه إنها حزينة لأنها طلبت منه أن يلتقيها للمرة الأخيرة لساعة بعد 25 سنة من الغياب، معترفة أنها لا تدرك حتى الآن كيف تجرأت على أن تطلب منه أن يلتقيها ساعة واحدة فقط، لكن الرسالة لم تصل إلى محمود، ليكون ذلك آخر مشهد في قصة حبهما.
تمار مع رسائل درويش 

قبل ذلك المشهد بربع قرن، كان بين الحبيبين مشهد سابق كان يفترض أنه المشهد الأخير، حدث ذلك حين صدر قرار القبض على محمود بسبب قصيدة (سجل أنا عربي) التي اعتبرت سلطات الاحتلال أن بعض أبياتها مثل: "ولكن إذا ما جعت آكل لحم مغتصبي.. حذارِ حذارِ من جوعي ومن غضبي" تمثل تحريضا واضحا على العنف. وقبل أن يتم القبض على محمود أرسل رسالة إلى تامار يطلب منها أن تأتي إلى حيفا لكي يلتقيا قبل أن يذهب للسجن، قائلا لها: "لا تملكين وقتا لكتابة جواب لرسالتي، كوني أنت الجواب، أنتظرك، لا تخيبي أملي، تعالي". لكن تامار لم تأت لأنها كانت قد بدأت تتزايد عليها الضغوط من محيطها لإنهاء العلاقة التي كان أبواها الشيوعيان يعرفان بها ويتسامحان معها على عكس غيرهما، معترفة حسبما قالته في الفيلم أنها بعد مرور تلك السنين تشعر بالندم لأنها لم تقاتل من أجل حبه لها، لأنها بسبب صغر سنها لم تستوعب حبه الكبير لها، خاصة أنها كانت قد بدأت تعاني من أزمة هوية، وتشعر أنها لا بد من أن تركز على تعليمها الذي أهملته.
لم يكن محمود درويش مغيبا عن إدراك الواقع لكي لا يشعر بارتباكها وحيرتها، ولذلك كتب لها رسالة يعرضها الفيلم، قال فيها إنه يشعر بما تعانيه وبأنها لا تستطيع التغلب على بحر الأفكار الهائج الذي يحيط بها، لكنه اقترح عليها ألا تحسم علاقتهما بسهولة ودعاها لأن "يعتمدا معا على الأيام ويتركا الرياح توجه سفينة حبهما كيفما شاءت"، لكنه وحين تزايدت الضغوط عليه هو أيضا، وشعر أن محبوبته لا تتجاوب معه بالشكل الكافي، وأدرك أن قصة حبهما ليس لها مستقبل كتب لها رسالة أنقل نصها معتمدا على ترجمة قام بها الكاتب وديع عواودة، ونشرها في مقال متميز بصحيفة (القدس العربي) ترجم فيه عن العبرية نصوص رسائل درويش لحبيبته والتي عرضها الفيلم مترجمة إلى الإنجليزية، يقول درويش في رسالته "تاماري، هذا الأسبوع فكرت بك كثيرا. والأفكار بعثت مشاعر غير لطيفة. رأيت بك الصورة السيئة.

اضطررت على نسيان الوجوه الحلوة. هل هناك وجوه كهذه…يا ليتها كانت. يساورني شعور بأنني جريح جدا. وأحيانا أشعر بالبؤس. اعترف أنه من غير المقبول أن تكتب رسائل حب بهذا النص ولكن ما هو الحب؟ رغم كل شيء الحب لعبة تستبطن تناقضات خاصة، الحب في زماننا الذي يتميز بالكذب. ربما ليس لطيفا قراءة هذه الكلمات القاسية الفظة التي تذّل طهارة حب تؤمنين به. أطلب سماحك فلم أقصد إهانة أحد ولا التلميح لأي شيء. فقط فتحت قلبي وللتو سأغلقه. إلى اللقاء. محمود".
سيساعدنا على فهم ذلك القرار الانفعالي الذي اتخذه محمود تأمل رسالة أخرى كتبها بعد أجواء عاصفة عاش فيها الحبيبان حين تم اكتشاف أنهما ليسا مجرد رفيقين يحضران أنشطة الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وأن علاقة عاطفية تجمعهما لدرجة أنها باتت ليلة في منزل درويش بعد أن تأخرا سويا في فعالية ثقافية، وطلبت تامار من صديقة لها أن تكذب وتخبر أهلها أنها ستبيت لدى زميلة لهما لا تمتلك هاتفا، وعندما انكشفت الكذبة غضب أهلها بشدة، وهو غضب تقول تامار ضاحكة وهي تتذكره أن الزمن كان مختلفا وقتها عن هذه الأيام.

سطور كتبها درويش كما عرضها فيلم سجل أنا عربي 

يبدو ذلك جليا من رسالة درويش التي قال فيها :"إلى حبيبتي الوحيدة في العالم. صدقيني لم تكن حالتك أقسى من حالتي. كنت معك لحظة بلحظة وكل الوقت كنت مشغولا بالتفكير. باليوم التالي لم أعمل وقد زارني شقيقي وزوجته فجالستهما خمس دقائق وهربت. رغبت أن أعرف ماذا جرى لك في البيت بعدما عدت من حيفا خاصة أن أمك طلبتني بالهاتف كما أخبرني الزملاء في المكتب. بعدها دخل «جورج» وروى لي ما يحدث. ولم أقو على القول إنني لم أشاهدك. تاماري، هذه المرة أؤمن أن الكلمات عاجزة. لماذا اتهم نفسي طالما أننا نعرف أن كل شيء كان سيمر بسلام لولا قلة مسؤولية روني. رغبت بالسفر إليك للقدس كي أهدأ روعي وروعك. توجهت للحاكم العسكري بعد ظهر يوم الأحد للحصول على تصريح سفر فرفض طلبي. كانت أوقات حلمت بها باحتساء الشاي معك عند الغروب أي أن نكون شركاء في الفرح والسعادة. صدقيني يا غاليتي أن هذا يزيد قلبي دفئا عندما تكونين بعيدة، ليس لأنني أحبك أقل بل لأنني أحبك أكثر. مرة أخرى أكرر أمامك أنني معك وأنت لست وحيدة. ربما ستعانين بسببي لكنني أمثل لجانبك ولا أخفي شيئا. شكرا لك تاماري، لأنك منحت حياتي مذاقا معينا. إلى اللقاء. محمود".

برغم أنك تعرف منذ بداية مشاهدة فيلم (سجل أنا عربي)، أنك تتابع قصة حب انتهت منذ قديم، إلا أنك إذا كنت محبا لشخص محمود درويش وشعره، ستجد نفسك سارحا في تأمل (صورة العاشق في شبابه)، لترى في رسائله نفس الروح التي كان يكتب بها قصائده العاطفية المبكرة التي لا أنسى منها قصيدة قصيرة كنت مدلّها بحبها في فترة الجامعة تقول: "حبنا أن يضغط الكف على الكف ونمشي.. وإذا جعنا تقاسمنا الرغيف.. في سواد الليل أحميك برمشي.. وبأشعار على الشمس تطوف"، وهي أبيات تذكرتها وأنا أقرأ درويش وهو يكتب بالعبرية هذه المرة قائلا لحبيبته: "صحيح أنك لست عندي الآن لكنك ما زلت معي. أسمع صوتك يعوم في نور عينيك، أتكىء على كتفك، أتناول الطعام وإياكِ، وأضغط على يدك المستقرة بيدي كعصفور لا يرغب أن يطير. إلى أين يطير؟ من عندي إلى عندي. تاماري أراك وأشعر بك كل لحظة. بوسعك أن تخلدي للنوم بهدوء دون أحلام مزعجة وبلا ظنون. أنت في غرفتي.. داخل سريري…في حقيبتي.. في كتابي.. في قلمي.. في قلبي.. وفي دمي. ثمة أمر جديد أريد أن أكشفه لك فلا تندهشي. اليوم حدقّت بالمرآة وشاهدت محمودا جديدا. أكثر حلاوة وصحة وسعادة. تاماري، لن أسألك هذه المرة متى نلتقي لأننا معا"، وفي رسالة أخرى يكتب قائلا "تاماري الحلوة إن قبلتك الخاطفة كانت كقبلة العصفور.. وهي قبلة إنسانية نجحت بتطهير الفؤاد تماما من كل ظن، سؤال، شك وكراهية. كل احترام لقلبك الطاهر يا تاماري. أنا في انتظارك".
في حين تلقي سطور رسالة أخرى الضوء على علاقة محمود العشريني بصحته وبأشعاره أيضا: "تاماري، بدايةً، اعتذاري. لم أكتب فورا لأنني رغبت تلقي رسالتك الإضافية التي وعدت بها ولم تبلغني بعد. بما أنني غير راغب بإدارة سباق معك جلست في غرفتي وبدأت أكتب. السبت. القرية. الكتب متناثرة على طاولتي الفوضوية وبجانبها صحف ومجلات وفناجين قهوة هنا وهناك. أنا غارق بالتفكير بأن القصيدة هي عمل حقيقي ليس فقط حينما يجلسون ويكتبون كلمات على الورق إنما هي عمل متواصل ليل نهار. أعرف أنك راغبة بمعرفة ما إذا كتبت جديدا. نعم. الكثير من الجديد. بالمناسبة اعتلّت صحتي ثلاثة أيام والطبيب منعني من التدخين وتناول الكحول، وبخّني. وهو طبيب مهووس. تحديا له دخنت وشربت فوق العادة فماذا كانت النتيجة؟ لم أمت. بالعكس، شعرت بالتحسن".

محمود وتمار قبل الانفصال 

لكن قصة محمود مع تامار لم تكن تلك قصة الحب المرتبكة الوحيدة التي عرضها فيلم (سجل أنا عربي)، فقصته مع حبيبته وزوجته رنا قباني لم تكن أقل ارتباكا وتعقيدا، كما ستظهر لنا التفاصيل التي روتها رنا قباني في الفيلم وخارجه، وهو ما سنختم به حديثنا عن هذا الفيلم الذي لم تكن فرصة مشاهدته سهلة للجمهور العربي، بسبب تصنيفه كفيلم اسرائيلي الإنتاج، وهو ما منعه من المشاركة في مهرجانات عربية منها مهرجان بيروت الذي تقدمت إليه المخرجة وتم رفض عرضها بالمشاركة.


نختم حديثنا غدا بإذن الله.



محمود درويش بعيون حبيباته وبلسان أعدائه (1)

بقلم: بلال فضل

العربي الجديد

2019-05-13 
"بين ريتّا وعيوني بندقية.. والذي يعرف ريتّا ينحني.. ويصلي لإله في العيون العسلية.. وأنا قبّلت ريتّا.. عندما كانت صغيره.. وأنا أذكر كيف التصقت بي، وغطّت ساعدي أحلى ضفيره.. وأنا أذكر ريتّا.. مثلما يذكر عصفور غديره... اسمُ ريتّا كان عيدا في فمي.. جسم ريتّا كان عُرساً في دمي.. وأنا ضعت بريتّا سنتين.. وهي نامت فوق زندي سنتين.. وتعاهدنا على أجمل كأسٍ.. واحترقنا في نبيذ الشفتين.. وولِدنا مرتين.. آه، ريتّا.. أي شيئ ردّ عن عينيكِ عينيّ..سوى اغفاءتين.. وغيومٍ عسلية.. قبل هذ البندقية".
لأنك ربما تحفظ هذه الأبيات منذ قرأتها في ديوان قديم اقتنيته لمحمود درويش، أو منذ سمعتها بصوت مارسيل خليفة الجميل وهو يمعن في "أيقنة" ريتا وتكريس أسطورتها، ولأنك ربما قرأت من قبل أن ريتّا التي أحبها درويش في شبابه كانت إسرائيلية، وأنه لم ينسها أبداً، حتى بعد أن تقطعت بهما السبل، لذلك ربما تحب رؤية فيلم (سجِّل أنا عربي)، الذي سترى فيه ريتا "عندما كانت صغيرة"، وسترى فيه ريتّا بعد أن جار عليها الزمان الذي هو "عدو لدود للورود" كما قال نجيب محفوظ، وسيحكي لك الفيلم أيضاً كيف بدأت قصة حبها مع محمود درويش داخل فلسطين المحتلة وكيف انتهت بعد أعوام طويلة في باريس، نهاية قاسية تكمل درامية تلك العلاقة الشائكة.


لم يعد بعد هذا الفيلم الوثائقي مجال للتساؤل حول هوية ريتا التي تم نسبتها عبر السنين إلى عدة شخصيات، كان من بينهن باحثة أدبية اسرائيلية توفيت منذ سنوات، فقد حسم الفيلم أن ريتا هي تامار بن عامي الراقصة والمغنية الإسرائيلية التي التقت بها مخرجة الفيلم حيث تقيم في برلين، وكانت تبلغ الثامنة والستين من عمرها وقت تصوير الفيلم، لتحصل منها على رسائل محمود درويش إليها وبعضا من صورهما التي توثق علاقتهما العاطفية، التي بدأت حين كان في الثانية والعشرين من عمره وكانت هي في السابعة عشر، لترد رسائله على ما قاله البعض عن كون علاقتهما معا مجرد نزوة غرامية عابرة، خاضها مع العديد من الفتيات الإسرائيليات، متصورين أنهم يدافعون بذلك عن وطنية محمود درويش، خاصة أن محمود يبدو في رسائله مغرما حتى الثمالة بحب تامار أو "تاماراي"، التي ينهي رسائله معها دائما بكلمة "شالوخ محمود" أو "محمودك"، ليعرض الفيلم من خلال تطور الرسائل، كيف بدأت قصة الحب عاصفة مشبوبة، بعد أن رآها في يوم من أيام عام 1965 تغني في كورال الشباب التابع للحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) الذي كانت أنشطته متنفسا في ذلك الوقت للعمل السياسي المعارض للصهيونية، لينشأ بينهما حب من أول نظرة، يرينا الفيلم كيف تكرر بعد ذلك بسنوات مع حبيبة أخرى عربية هي رنا قباني ابنة أخ الشاعر السوري الكبير نزار قباني، وإن كان حب محمود برنا انتهى بزواج لم يكن سعيدا على الإطلاق كما تمنى طرفاه.


محمود درويش وريتا 

بعكس ما يعدك الفيلم الذي "لا يبان من عنوانه"، يأتي الفيلم مربكا وصادما في الكثير من مواقعه، وهو إرباك لن يحله لجوء البعض إلى مهاجمة الفيلم وإطلاق أحكام مسبقة على الفيلم، كما فعل بعض الكتاب الذين اعتبروا أن الفيلم يقوم بتشويه واحد من أهم رموز القضية الفلسطينية، وهو تسطيح لا يقل عن تسطيح الذين رأوا في الفيلم قصة رومانسية حالمة يمكن أن تعد بأحلام "السلام" الذي يبدو مستحيلا، وما أعتقده برغم وجود ملاحظات عديدة لي على الفيلم، أنه اتخذ من شخص محمود درويش مدخلا لتقديم المأساة المركبة التي يعيشها الفلسطينيون الذين قروا أن يبقوا في أراضيهم المحتلة حتى لو حملوا الجنسية الإسرائيلية، والذين يطلق عليهم البعض تعبيرا مقيتا هو (عرب اسرائيل)، وهو التعبير الذي تروجه كثير من وسائل الإعلام العربية لوصف (فلسطينيي الثمانية والأربعين) أو (فلسطينيي الخط الأخضر).

ولعل مأساة هؤلاء الفلسطينيين تتجسد بعض أبعادها في شخصية مخرجة الفيلم ابتسام مراعنة، التي أثارت الجدل من قبل بزواجها من اسرائيلي، وبعملها الدائم في كل أفلامها مع شركات انتاج اسرائيلية، كان من بينها في هذا الفيلم قناة Yes الإسرائيلية وصندوق التمويل الإسرائيلي الجديد للسينما والتلفزيون، ولأنني كنت قد قرأت عن هذا قبل مشاهدة الفيلم، لم يفارقني وأنا أشاهده، الإحساس بأن محمود درويش لم يكن مقصودا لذاته، وإنما تم استحضاره من أجل قضية أوسع تتجاوز شخصه وعلاقاته العاطفية بل وحتى شعره، لكي تعالج المخرجة من خلالها قضيتها الشخصية المرتبطة بقضية أعم هي مرارة الظلم الذي يتعرض له فلسطينيو 48 الذين اضطروا لحمل الجنسية الإسرائيلية من أجل البقاء في أرضهم، أعني الظلم الذي يتعرضون له من العرب حكومات وشعوبا، وهو ما يزيد مرارة الظلم والتمييز الذي يتعرضون له من سلطات الإحتلال الإسرائيلي.
مخرجة الفيلم مع تمارا 

يمكن أن ترى ذلك في أكثر من موضع في الفيلم، من بينها ما قاله الشاعر الكبير سميح القاسم صديق درويش اللدود ورفيق دربه الطويل، عن أنه لم يكن معجبا بخروج محمود درويش وتركه لأرضه وشعبه، وأنه لم يقتنع بما قاله له أصدقاء مشتركون وقتذاك بأن خروج درويش مهم لكي يوسع مداركه الشعرية. بدا ذلك أيضا في الموضع الذي اختارته المخرجة من حوار شهير لدرويش مع التلفزيون الإسرائيلي بعد عودته إلى رام الله عقب اتفاقية أوسلو، حيث سأله المذيع: هل تعتبر نفسك اسرائيليا أيضا لأنك لا زلت تحتفظ بالجنسية الإسرائيلية، ولم يرد عليه درويش بقوة كما يمكن أن تتوقع ـ أو تتمنى ـ بل رد بهدوء شديد بأنه لا يريد أن يقول كلاما يوتر الأجواء، وأنه لو عادت به الأيام لاختار أن يبقى ولا يسافر إلى الخارج، وأنه لا يريد أن يخلط بين الهوية والجنسية، وهو بالضبط نفس الرد الذي يدافع به فلسطينيو 48 على من يتهمهم بأنهم فرطوا في الهوية من أجل الجنسية، أما الموضع الثالث فقد كان في اختيار مقطع من نشرة للتلفزيون الإسرائيلي يؤكد فيه المذيع أن اسرائيل لم تقم بنفي درويش بل قام هو بنفي نفسه اختياريا، ولا تنس بعد كل هذا أن استعراض تفاصيل قصة الحب بين درويش وريتا الإسرائيلية، برغم كونه مهما لمحبي محمود درويش وممتعا فنيا حتى لمن لا يعرفونه بقوة، يحيل في الوقت نفسه على تجربة المخرجة الشخصية.

يقدم الفيلم صدمات عدة لمحبي شعر محمود درويش خصوصا أولئك الذين عشقوا طبعة "شاعر المقاومة" التي كان درويش ينفر منها في عقوده الأخيرة، والذين ارتبطوا بقصائده المبكرة مثل "سجِّل أنا عربي" التي اتخذتها المخرجة عنوانا للفيلم، أو قصائده النارية التي ألهبت المشاعر مثل "أيها المارون بين الكلمات العابرة" و "مديح الظل العالي"، وكلها قصائد أنهى درويش حياته، وهو يتخذ بشكل واضح مسافات متفاوتة بينه وبينها، ويفضل عليها شعره الأكثر جمالية حتى وإن كان الأقل جماهيرية.

أول هذه الصدمات يبدأ مع أول لحظة يطل فيها محمود درويش على الفيلم بصوته، حين تسمعه يتحدث بالعبرية ليس في مفتتح الفيلم، بل في مواضع متفرقة من الفيلم، بل إنك لا تسمع صوته بالعربية إلا وهو يقرأ شعره، وهو أمر لم يشتهر بين جمهور درويش، وأستطيع أن أدعي ذلك لأني من مهاويس درويش ولم أترك له فيديو على شبكة الإنترنت إلا وشاهدته، أو هكذا كنت أظن، بل ويكشف الفيلم أيضاً أن محمود لم يكن فقط يجيد التحدث بالعبرية بطلاقة، بل إنه كان يجيد الكتابة بها أيضا، حيث يعرض نصوص رسائل درويش إلى حبيبته الإسرائيلية والتي كان يكتبها بالعبرية، حيث تظهر على الشاشة كأنها تكتب من جديد، مصحوبة بأداء صوتي يقلد صوت درويش بالعبرية.


وإذا كنت لن تستغرب إجادة درويش للعبرية بوصفه عاش طفولته وشبابه داخل حدود اسرائيل، فإن الصدمة التي تتوخاها المخرجة، تأتي في اختيارها ما قاله درويش بالعبرية، خصوصا في المقطع الأول الذي عرضه الفيلم حيث يتبرم فيه محمود درويش من ارتباط كل ما يكتبه بفلسطين ووصفه بأنه شاعر فلسطين وشاعر الأرض، ساخرا من فكرة أن يعتبر كل شيئ يكتبه له علاقة بفلسطين، لدرجة أنه لو كتب قصيدة عن نزول المطر كما رآه في باريس، سيعتبره الجميع يتحدث عن المطر في فلسطين، مواصلا في مقطع آخر تبرمه من تحويل قصيدته (أحن إلى خبز أمي) من قصيدة كتبها شاب مسجون يحن إلى خبز أمه وقهوتها، لتكون قصيدة عن الأم الفلسطينية والخبز الفلسطيني والقهوة الفلسطينية، ومع أن هذا التبرم ـ المشوب بالتهكم أحياناً ـ ليس جديدا على من تابع درويش في مرحلته التي أعقبت ديوان (أحد عشر كوكبا)، لكن وجوده في السياق الذي قدمه الفيلم يمكن أن يفسر حماس جهات الإنتاج الإسرائيلية لتمويل الفيلم، التي يسعدها بالطبع أن تتعامل مع محمود درويش بوصفه صوتا فردا يخص نفسه، وليس بوصفه صوتا يعبر عن شعب وعن قضية كما يحب الفلسطينيون أن يروه، والإرباك الحقيقي للكثيرين يأتي هنا في أن هذا هو ما كان يسعى إليه محمود درويش جاهدا، حتى وإن كان شعره قد تجاوزه، وهو ما لا يمكن أن يتنصل درويش من مسئوليته، فقد يكون من حقك أن تعلن ضيقك من الطريقة التي يراك بها الجمهور، وتنسى أن الجمهور توصل إليها عبر ما قدمته من إبداع، من حقك أن تفارقه وتتطور بل وتتغير، لكن لن يكون بإمكانك أن تجبر جمهورك على أن يتطور أو يتغير معك.


شاهدت الفيلم قبل أربع سنوات في مهرجان نيويوركي صغير ومهم فيما يقدمه من فرصة لأفلام لا تجد طريقها بسهولة إلى دور العرض، يحمل المهرجان اسم (مهرجان الفيلم الإسرائيلي الآخر)، ويعلن شعاره بوضوح إنه مكرس للأفلام التي تعرض أوضاع الأقليات داخل اسرائيل، ومن بينها "الأقلية العربية"، بالمناسبة كلمة "الآخر" هنا تشير إلى أن المهرجان يقدم أداءً مغايراً لمهرجان أكبر وأقدم هو مهرجان الفيلم الاسرائيلي الذي يعقد في نيويورك في مطلع نوفمبر من كل عام، ويشهد حضورا إعلاميا مكثفا ودعما كبيرا من عدد من المنظمات والتجمعات الصهيونية، على عكس المهرجان "الآخر" الذي تقام عروضه في مركز "جي سي سي" في مانهاتن، الذي يقدم أنشطة ثقافية يصفها منظموها بأنها تتبنى خطابا مؤيداً للسلام ومناهضاً لليمين الإسرائيلي المتطرف.


حضرت عرض الفيلم وناقشته مع الجمهور القليل الموسيقية ميرا عواد ـ من فلسطينيي 48 أيضا ـ والتي قامت بعمل موسيقى الفيلم وغنت فيه قصيدتي (أحن إلى خبز أمي) و(بين ريتا وعيوني)، بعد أن أعادت تلحينهما بشكل مختلف عما سبق أن قام به الفنان اللبناني الكبير مارسيل خليفة، وبرغم قلة عدد الحضور، إلا أنني لاحظت أن الفيلم كان مؤثرا جدا بالنسبة للأمريكيين الذين شاهدوه وأغلبهم من كبار السن، وهو ما عبر عنه أحد المشاركين في الندوة حين قال أنه اندهش لأن هناك فلسطينيين يكتبون شعرا بهذا الجمال، وأن أول ما سيفعله في الغد هو البحث عن دواوين مترجمة لمحمود درويش، في حين قالت سيدة أخرى إنها تعتذر عن سؤالها الذي يبدو ساذجا لكنها تسأل لماذا لا يتم عرض فيلم كهذا لصُنّاع القرار في واشنطن، ليدركوا أن الحب يمكن أن يتحقق بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبرغم أن ردود أفعال كهذه تعكس عدم إدراك لطبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أنها فسّرت الحفاوة التي لقيها الفيلم في مهرجانات عالمية، لم تتعامل مع الجزء "الحرّاق" الذي يمكن أن يهم المشاهد العربي المهتم بمعرفة شكل ريتا ومدى جمالها، أو متابعة غراميات شاعره المفضل، بل تعاملت مع الفيلم بوصفه يقدم أملا لإمكانية أن يكون هناك سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما كان يوما حب بين شاعرهم الكبير وفتاة اسرائيلية، حتى لو كان الفيلم نفسه يقدم نهاية كئيبة لتلك العلاقة.



نكمل غدا بإذن الله.