أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 16 مايو 2019

محمود درويش بعيون حبيباته وبلسان أعدائه (1)

بقلم: بلال فضل

العربي الجديد

2019-05-13 
"بين ريتّا وعيوني بندقية.. والذي يعرف ريتّا ينحني.. ويصلي لإله في العيون العسلية.. وأنا قبّلت ريتّا.. عندما كانت صغيره.. وأنا أذكر كيف التصقت بي، وغطّت ساعدي أحلى ضفيره.. وأنا أذكر ريتّا.. مثلما يذكر عصفور غديره... اسمُ ريتّا كان عيدا في فمي.. جسم ريتّا كان عُرساً في دمي.. وأنا ضعت بريتّا سنتين.. وهي نامت فوق زندي سنتين.. وتعاهدنا على أجمل كأسٍ.. واحترقنا في نبيذ الشفتين.. وولِدنا مرتين.. آه، ريتّا.. أي شيئ ردّ عن عينيكِ عينيّ..سوى اغفاءتين.. وغيومٍ عسلية.. قبل هذ البندقية".
لأنك ربما تحفظ هذه الأبيات منذ قرأتها في ديوان قديم اقتنيته لمحمود درويش، أو منذ سمعتها بصوت مارسيل خليفة الجميل وهو يمعن في "أيقنة" ريتا وتكريس أسطورتها، ولأنك ربما قرأت من قبل أن ريتّا التي أحبها درويش في شبابه كانت إسرائيلية، وأنه لم ينسها أبداً، حتى بعد أن تقطعت بهما السبل، لذلك ربما تحب رؤية فيلم (سجِّل أنا عربي)، الذي سترى فيه ريتا "عندما كانت صغيرة"، وسترى فيه ريتّا بعد أن جار عليها الزمان الذي هو "عدو لدود للورود" كما قال نجيب محفوظ، وسيحكي لك الفيلم أيضاً كيف بدأت قصة حبها مع محمود درويش داخل فلسطين المحتلة وكيف انتهت بعد أعوام طويلة في باريس، نهاية قاسية تكمل درامية تلك العلاقة الشائكة.


لم يعد بعد هذا الفيلم الوثائقي مجال للتساؤل حول هوية ريتا التي تم نسبتها عبر السنين إلى عدة شخصيات، كان من بينهن باحثة أدبية اسرائيلية توفيت منذ سنوات، فقد حسم الفيلم أن ريتا هي تامار بن عامي الراقصة والمغنية الإسرائيلية التي التقت بها مخرجة الفيلم حيث تقيم في برلين، وكانت تبلغ الثامنة والستين من عمرها وقت تصوير الفيلم، لتحصل منها على رسائل محمود درويش إليها وبعضا من صورهما التي توثق علاقتهما العاطفية، التي بدأت حين كان في الثانية والعشرين من عمره وكانت هي في السابعة عشر، لترد رسائله على ما قاله البعض عن كون علاقتهما معا مجرد نزوة غرامية عابرة، خاضها مع العديد من الفتيات الإسرائيليات، متصورين أنهم يدافعون بذلك عن وطنية محمود درويش، خاصة أن محمود يبدو في رسائله مغرما حتى الثمالة بحب تامار أو "تاماراي"، التي ينهي رسائله معها دائما بكلمة "شالوخ محمود" أو "محمودك"، ليعرض الفيلم من خلال تطور الرسائل، كيف بدأت قصة الحب عاصفة مشبوبة، بعد أن رآها في يوم من أيام عام 1965 تغني في كورال الشباب التابع للحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) الذي كانت أنشطته متنفسا في ذلك الوقت للعمل السياسي المعارض للصهيونية، لينشأ بينهما حب من أول نظرة، يرينا الفيلم كيف تكرر بعد ذلك بسنوات مع حبيبة أخرى عربية هي رنا قباني ابنة أخ الشاعر السوري الكبير نزار قباني، وإن كان حب محمود برنا انتهى بزواج لم يكن سعيدا على الإطلاق كما تمنى طرفاه.


محمود درويش وريتا 

بعكس ما يعدك الفيلم الذي "لا يبان من عنوانه"، يأتي الفيلم مربكا وصادما في الكثير من مواقعه، وهو إرباك لن يحله لجوء البعض إلى مهاجمة الفيلم وإطلاق أحكام مسبقة على الفيلم، كما فعل بعض الكتاب الذين اعتبروا أن الفيلم يقوم بتشويه واحد من أهم رموز القضية الفلسطينية، وهو تسطيح لا يقل عن تسطيح الذين رأوا في الفيلم قصة رومانسية حالمة يمكن أن تعد بأحلام "السلام" الذي يبدو مستحيلا، وما أعتقده برغم وجود ملاحظات عديدة لي على الفيلم، أنه اتخذ من شخص محمود درويش مدخلا لتقديم المأساة المركبة التي يعيشها الفلسطينيون الذين قروا أن يبقوا في أراضيهم المحتلة حتى لو حملوا الجنسية الإسرائيلية، والذين يطلق عليهم البعض تعبيرا مقيتا هو (عرب اسرائيل)، وهو التعبير الذي تروجه كثير من وسائل الإعلام العربية لوصف (فلسطينيي الثمانية والأربعين) أو (فلسطينيي الخط الأخضر).

ولعل مأساة هؤلاء الفلسطينيين تتجسد بعض أبعادها في شخصية مخرجة الفيلم ابتسام مراعنة، التي أثارت الجدل من قبل بزواجها من اسرائيلي، وبعملها الدائم في كل أفلامها مع شركات انتاج اسرائيلية، كان من بينها في هذا الفيلم قناة Yes الإسرائيلية وصندوق التمويل الإسرائيلي الجديد للسينما والتلفزيون، ولأنني كنت قد قرأت عن هذا قبل مشاهدة الفيلم، لم يفارقني وأنا أشاهده، الإحساس بأن محمود درويش لم يكن مقصودا لذاته، وإنما تم استحضاره من أجل قضية أوسع تتجاوز شخصه وعلاقاته العاطفية بل وحتى شعره، لكي تعالج المخرجة من خلالها قضيتها الشخصية المرتبطة بقضية أعم هي مرارة الظلم الذي يتعرض له فلسطينيو 48 الذين اضطروا لحمل الجنسية الإسرائيلية من أجل البقاء في أرضهم، أعني الظلم الذي يتعرضون له من العرب حكومات وشعوبا، وهو ما يزيد مرارة الظلم والتمييز الذي يتعرضون له من سلطات الإحتلال الإسرائيلي.
مخرجة الفيلم مع تمارا 

يمكن أن ترى ذلك في أكثر من موضع في الفيلم، من بينها ما قاله الشاعر الكبير سميح القاسم صديق درويش اللدود ورفيق دربه الطويل، عن أنه لم يكن معجبا بخروج محمود درويش وتركه لأرضه وشعبه، وأنه لم يقتنع بما قاله له أصدقاء مشتركون وقتذاك بأن خروج درويش مهم لكي يوسع مداركه الشعرية. بدا ذلك أيضا في الموضع الذي اختارته المخرجة من حوار شهير لدرويش مع التلفزيون الإسرائيلي بعد عودته إلى رام الله عقب اتفاقية أوسلو، حيث سأله المذيع: هل تعتبر نفسك اسرائيليا أيضا لأنك لا زلت تحتفظ بالجنسية الإسرائيلية، ولم يرد عليه درويش بقوة كما يمكن أن تتوقع ـ أو تتمنى ـ بل رد بهدوء شديد بأنه لا يريد أن يقول كلاما يوتر الأجواء، وأنه لو عادت به الأيام لاختار أن يبقى ولا يسافر إلى الخارج، وأنه لا يريد أن يخلط بين الهوية والجنسية، وهو بالضبط نفس الرد الذي يدافع به فلسطينيو 48 على من يتهمهم بأنهم فرطوا في الهوية من أجل الجنسية، أما الموضع الثالث فقد كان في اختيار مقطع من نشرة للتلفزيون الإسرائيلي يؤكد فيه المذيع أن اسرائيل لم تقم بنفي درويش بل قام هو بنفي نفسه اختياريا، ولا تنس بعد كل هذا أن استعراض تفاصيل قصة الحب بين درويش وريتا الإسرائيلية، برغم كونه مهما لمحبي محمود درويش وممتعا فنيا حتى لمن لا يعرفونه بقوة، يحيل في الوقت نفسه على تجربة المخرجة الشخصية.

يقدم الفيلم صدمات عدة لمحبي شعر محمود درويش خصوصا أولئك الذين عشقوا طبعة "شاعر المقاومة" التي كان درويش ينفر منها في عقوده الأخيرة، والذين ارتبطوا بقصائده المبكرة مثل "سجِّل أنا عربي" التي اتخذتها المخرجة عنوانا للفيلم، أو قصائده النارية التي ألهبت المشاعر مثل "أيها المارون بين الكلمات العابرة" و "مديح الظل العالي"، وكلها قصائد أنهى درويش حياته، وهو يتخذ بشكل واضح مسافات متفاوتة بينه وبينها، ويفضل عليها شعره الأكثر جمالية حتى وإن كان الأقل جماهيرية.

أول هذه الصدمات يبدأ مع أول لحظة يطل فيها محمود درويش على الفيلم بصوته، حين تسمعه يتحدث بالعبرية ليس في مفتتح الفيلم، بل في مواضع متفرقة من الفيلم، بل إنك لا تسمع صوته بالعربية إلا وهو يقرأ شعره، وهو أمر لم يشتهر بين جمهور درويش، وأستطيع أن أدعي ذلك لأني من مهاويس درويش ولم أترك له فيديو على شبكة الإنترنت إلا وشاهدته، أو هكذا كنت أظن، بل ويكشف الفيلم أيضاً أن محمود لم يكن فقط يجيد التحدث بالعبرية بطلاقة، بل إنه كان يجيد الكتابة بها أيضا، حيث يعرض نصوص رسائل درويش إلى حبيبته الإسرائيلية والتي كان يكتبها بالعبرية، حيث تظهر على الشاشة كأنها تكتب من جديد، مصحوبة بأداء صوتي يقلد صوت درويش بالعبرية.


وإذا كنت لن تستغرب إجادة درويش للعبرية بوصفه عاش طفولته وشبابه داخل حدود اسرائيل، فإن الصدمة التي تتوخاها المخرجة، تأتي في اختيارها ما قاله درويش بالعبرية، خصوصا في المقطع الأول الذي عرضه الفيلم حيث يتبرم فيه محمود درويش من ارتباط كل ما يكتبه بفلسطين ووصفه بأنه شاعر فلسطين وشاعر الأرض، ساخرا من فكرة أن يعتبر كل شيئ يكتبه له علاقة بفلسطين، لدرجة أنه لو كتب قصيدة عن نزول المطر كما رآه في باريس، سيعتبره الجميع يتحدث عن المطر في فلسطين، مواصلا في مقطع آخر تبرمه من تحويل قصيدته (أحن إلى خبز أمي) من قصيدة كتبها شاب مسجون يحن إلى خبز أمه وقهوتها، لتكون قصيدة عن الأم الفلسطينية والخبز الفلسطيني والقهوة الفلسطينية، ومع أن هذا التبرم ـ المشوب بالتهكم أحياناً ـ ليس جديدا على من تابع درويش في مرحلته التي أعقبت ديوان (أحد عشر كوكبا)، لكن وجوده في السياق الذي قدمه الفيلم يمكن أن يفسر حماس جهات الإنتاج الإسرائيلية لتمويل الفيلم، التي يسعدها بالطبع أن تتعامل مع محمود درويش بوصفه صوتا فردا يخص نفسه، وليس بوصفه صوتا يعبر عن شعب وعن قضية كما يحب الفلسطينيون أن يروه، والإرباك الحقيقي للكثيرين يأتي هنا في أن هذا هو ما كان يسعى إليه محمود درويش جاهدا، حتى وإن كان شعره قد تجاوزه، وهو ما لا يمكن أن يتنصل درويش من مسئوليته، فقد يكون من حقك أن تعلن ضيقك من الطريقة التي يراك بها الجمهور، وتنسى أن الجمهور توصل إليها عبر ما قدمته من إبداع، من حقك أن تفارقه وتتطور بل وتتغير، لكن لن يكون بإمكانك أن تجبر جمهورك على أن يتطور أو يتغير معك.


شاهدت الفيلم قبل أربع سنوات في مهرجان نيويوركي صغير ومهم فيما يقدمه من فرصة لأفلام لا تجد طريقها بسهولة إلى دور العرض، يحمل المهرجان اسم (مهرجان الفيلم الإسرائيلي الآخر)، ويعلن شعاره بوضوح إنه مكرس للأفلام التي تعرض أوضاع الأقليات داخل اسرائيل، ومن بينها "الأقلية العربية"، بالمناسبة كلمة "الآخر" هنا تشير إلى أن المهرجان يقدم أداءً مغايراً لمهرجان أكبر وأقدم هو مهرجان الفيلم الاسرائيلي الذي يعقد في نيويورك في مطلع نوفمبر من كل عام، ويشهد حضورا إعلاميا مكثفا ودعما كبيرا من عدد من المنظمات والتجمعات الصهيونية، على عكس المهرجان "الآخر" الذي تقام عروضه في مركز "جي سي سي" في مانهاتن، الذي يقدم أنشطة ثقافية يصفها منظموها بأنها تتبنى خطابا مؤيداً للسلام ومناهضاً لليمين الإسرائيلي المتطرف.


حضرت عرض الفيلم وناقشته مع الجمهور القليل الموسيقية ميرا عواد ـ من فلسطينيي 48 أيضا ـ والتي قامت بعمل موسيقى الفيلم وغنت فيه قصيدتي (أحن إلى خبز أمي) و(بين ريتا وعيوني)، بعد أن أعادت تلحينهما بشكل مختلف عما سبق أن قام به الفنان اللبناني الكبير مارسيل خليفة، وبرغم قلة عدد الحضور، إلا أنني لاحظت أن الفيلم كان مؤثرا جدا بالنسبة للأمريكيين الذين شاهدوه وأغلبهم من كبار السن، وهو ما عبر عنه أحد المشاركين في الندوة حين قال أنه اندهش لأن هناك فلسطينيين يكتبون شعرا بهذا الجمال، وأن أول ما سيفعله في الغد هو البحث عن دواوين مترجمة لمحمود درويش، في حين قالت سيدة أخرى إنها تعتذر عن سؤالها الذي يبدو ساذجا لكنها تسأل لماذا لا يتم عرض فيلم كهذا لصُنّاع القرار في واشنطن، ليدركوا أن الحب يمكن أن يتحقق بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبرغم أن ردود أفعال كهذه تعكس عدم إدراك لطبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أنها فسّرت الحفاوة التي لقيها الفيلم في مهرجانات عالمية، لم تتعامل مع الجزء "الحرّاق" الذي يمكن أن يهم المشاهد العربي المهتم بمعرفة شكل ريتا ومدى جمالها، أو متابعة غراميات شاعره المفضل، بل تعاملت مع الفيلم بوصفه يقدم أملا لإمكانية أن يكون هناك سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما كان يوما حب بين شاعرهم الكبير وفتاة اسرائيلية، حتى لو كان الفيلم نفسه يقدم نهاية كئيبة لتلك العلاقة.



نكمل غدا بإذن الله.

الخميس، 9 مايو 2019

إرثك وخلودك الرقمي

حسام أبو تميم

في دراسة نشرتها جامعة أكسفورد قبل يومين، توقع الباحثون أن عدد الأموات المتواجدين على منصة الفيسبوك سيكون أكبر من عدد الأحياء خلال خمسين عاماً فقط. باستخدام إحصائيات فيسبوك عن العام المنصرم، فإنه من المتوقع أن يبلغ عدد الأموات على الموقع قبل نهاية هذا القرن ما يقارب مليار وأربعمائة ألف عضواً.


بعد الاستعانة بأرقام الأمم المتحدة لمعدلات الولادة والوفاة في دول العالم، افترضت الدراسة فرضيتين،

الاثنين، 6 مايو 2019

عن المتنبي أيضأ...المبدع وحيدا

بقلم: الروائي محمد سناجلة


في حوالي منتصف القرن الرابع الهجري كان ظهور المتنبي على الوسط الثقافي العربي السائد حينذاك، وقد كان هذا الظهور مدويا وصاعقا وعلى أكثر من صعيد، فقد ولد شاعر تحدى الذائقة النقدية السائدة، لا بل تحدى ما كان قد ترسخ من نظرية نقدية عربية قسمت الشعر العربي إلى قديم يتمتع بجزالة الألفاظ والمعاني وقوة البيان، وبين محدث مغاير يسعى للاختلاف، ويبحث عن معان جديدة وفق قوالب وأشكال جديدة كأبي تمام على سبيل المثال. 
فقد جاء المتنبي جامعا بين الطريقتين، فها هو شاعر صغير السن "يجيء بالجزالة والقوة والبيان على خير ما كان يجيء به القدماء، ويغوص على معاني الحياة الانسانية غوصا بعيدا ويضمّن شعره فلسفة حياة وثقافة وصورا جديدة مبتكرة لم تكن من قبل" كما يقول الدكتور احسان عباس في كتابه القيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب.
تهاوت النظريات النقدية السائدة، وبتهاويها وقف نقاد عصره أمامه موقفا لا يحسدون عليه، حيرة في التعامل مع هذه الظاهرة الجديدة كل الجدة عما اعتادوا

الاثنين، 29 أبريل 2019

الشاعر

بقلم: لانا مامكغ
جريدة الرأي
https://bit.ly/2J3cDsr

همسَ لها بنبرةٍ تذوبُ ولَهاً:  "اقرأي في صحيفة يومَ غدٍ آخرَ إنتاجاتي الشّعريّة... أرسلتُ قصيدةً جديدة نظمتها لكِ فقط !".
فهامت مع صوتِه ومع أحلامها طوال الّليل وهي تترقّبُ طلوعَ الصّباح، لتتلقّف الصّحيفةَ مع بزوغ الشّمس وتبدأ في البحث بيدٍ مرتجفة بين الصّفحات حتى وجدتها...

الثلاثاء، 23 أبريل 2019

خيركم خيركم لأهله..

بقلم: ديك الجن

حديث مقتضب لكن مرعب في دلالاته.. لأنه يقول لك بكل بساطة.. أن قيمة العمل لا تتحدد بعدد المستفيدين منه، بل بمقدار قربك من الشخص الذي يوجّه العمل إليه.. فأن تواسي أمّك بكلمات بسيطة، خير لها من أن يواسيها آلاف الغرباء وخير لك من أن تواسي آلاف الغرباء.. ما تقوله سيمكث في قلبها.. وما يقوله الآخرون وتقوله للآخرين لا يلبث أن يزول.. والدرهم الذي تضعه في يد والدك، خير من آلاف تنفقها على غيره أو يأتِ بها غيرك.. وكذلك اللعبة التي تلعبها مع ابنك.. والساعة التي تقضيها مع زوجتك.. الخ..
هذا الحديث يعرّينا أمام أنفسنا.. يجعلنا

الأربعاء، 17 أبريل 2019

روايات كارتون ومركز الزهرة.. كيف أطَّـــر الفنُّ جيلاً كاملا؟!

بقلم:أيوب واوجا
مدونات الجزيرة

ارتبطت طفولة جيل التسعينات وبداية الألفية بعدة رسوم متحركة خصوصا مع ظهور اللواقط التلفازية وبداية انتشار القنوات المخصصة للأطفال كسبايس تون وأرتينز، رسوم متحركة أثرت في حياة جيل بالكامل، حتى صرنا نقلد أبطالها ونتناعت بأسمائهم ونغني جنريك البداية ونتسابق بعد نهاية الدوام المدرسي للتسمر حول التلفاز لمشاهدتها وتعلم المشاعر الإنسانية والأخلاق.. غير أن حداثة سننا أنذاك لم تكن تسمح لنا بالبحث في تاريخ تلك الرسوم المتحركة، فكل مسلسل كارتوني كان يخفي ورائه تاريخا ممتدا لسنين طويلة من الأدب والرواية قبل أن يتحول لرسوم متحركة تذاع بشكل مبسط موجه للأطفال في قنواتنا العربية.
ريمي:
كم بكينا بشدة ونحن أطفال على موت العم فيتاليس في المسلسل الكارتوني ريمي، مسلسل لامسنا فيه الحزن وجربنا فيه ونحن أطفال التعاسة والشعور بالحرمان الذي عانت منه الطفلة ريمي، لا زالت أفواهنا رغم كبر سننا تصدح بكلمات أغنية الجنريك العربية بصوت رشا رزق. 

المسلسل ياباني الإنتاج من موسمين ظهر أول مرة في الثمانينات وعرض لأول مرة

الثلاثاء، 9 أبريل 2019

من سرق براءة الطفولة؟ حكايات من عالم طفولتنا حافلة بالعنف

بقلم: رائدة نيروخ

"في قَصَصِ الشعوب، طرائف لا تنتهي
وعالمٌ حلو بهيّ، يسكن في القلوب
من كل بلاد الدنيا، من كل بقاع الأرض
قصصٌ شتّى، تُروى حتى
نعرف أحوال الإنسان، والكل هنا جيران".

لطالما ردّدنا في طفولتنا كلمات أغنية شارة لمسلسل حكايات عالمية، الذي استقى قصصه من تراث الشعوب. من منا لم يسمع بقصة الأميرة النائمة، أو

الجمعة، 29 مارس 2019

“نكران الجميل”.. تشويه للعلاقات الإنسانية

بقلم: تغريد السعايدة
جريدة الغد
يشعر المرء بالدھشة والتساؤل بكلمة ”لماذا؟“ عندما یواجه نكران الجمیل من الآخرین، وقد یكون ھذا الشخص أحد المقربین له، كما تقول أم عمر، التي تتحفظ على الكثیر من المواقف التي مرت بھا، واستنتجت للحظات ”أن فعل الخیر یجب أن لا یقدم إلا لمن یستحقه!“. لم تكن أم عمر تنتظر من معاملتھا ورعایتھا لوالد زوجھا سوى كلمات التقدیر والاحترام فقط، خصوصا أنه رجل كبیر السن یحتاج للمساعدة في تفاصیل یومیاته كافة، فلم یكن منھا سوى معاملته معاملة الوالد، على حد تعبیرھا، إلا أنھا لم تجد منه

الثلاثاء، 26 مارس 2019

من برلين: كل ما أفكر فيه هو الحجاب يعلو رأسي

بقلم: ديمة مصطفى سكران
مدونات الجزيرة

أن تكون المرأة محجبةً في الغرب يعني أن تعُدَّ على نفسها أنفاسها، لأن الآخرين يعدون ويسجلون، ويسترقون النظرات المرتابة أحيانا، أو يحدقون بوقاحة أحيانا أخرى!

عندما تَعْلَق العملةُ الورقية، أو يقفز إلى الشاشة ألف خيار كالطلاسم بلغة غير العربية، فإن ماكينة بيع التذاكر تتحول هي الأخرى إلى أوربي أشقر متجهم بعينين زرقاوين وأنف حاد، تماما كذلك الصف الطويل من الرجال والنساء المستعجلين الذين يقفون خلفي، أستطيع أن ألمحهم بعيون حدسي ينظرون بتكرار إلى ساعاتهم، ويبربرون بكلمات لم نتعلمها في دروس اللغة!

وفي تلك اللحظات التي أقف فيها متعرقة مشوشة الذهن، حائرة بين طلب المساعدة من صاحب الوجه العكر خلفي، وبين ترك العملة الورقية العالقة متدلية من الماكينة كلسان هازئ، فإن كل ما أفكر به هو الحجاب الذي يعلو رأسي!

فلو لم يكن موجودا لكنت أمام الماكينة مجرد امرأة علقت عملتها الورقية وتحتاج المساعدة، ولكنني أغدو مع الحجاب تلك المسلمة الساذجة التي لا تعرف كيف تستخدم آلة بيع التذاكر، لأنها قادمة من تلك البقعة البعيدة حيث لا يملك الناس هناك آلات لبيع التذاكر، لأنهم يستخدمون الحمير للتنقل، أو يتعلقون بأبواب الحافلات المزدحمة.

الحجاب والدفاع الدائم عن النفس
لا يتعلق الأمر بالفعل بعملة نقدية عالقة أو بشاشة لا تستجيب للأوامر، بقدر ما يتعلق بتلك المسؤولية الكبيرة التي تستشعرها المحجبة في الغرب تجاه حجابها، بخوفها العظيم من أن تؤكد بسلوك أحمق منها أي فكرة خاطئة من هذه الأفكار المسبقة حولها أو حول أبناء جلدتها ..
خوفٌ يجعلها تنسحب أكثر فأكثر من المجتمع، محاولةً ألا تظهر قدر الإمكان، أن تختبئ، أن تتوارى في الظل، وتواري حجابها تحت قبعة صوفية، أو في شكل توربان مائع الهوية، يجعلها تفضل أن تبتاع من الإنترنت على أن تقف أمام طاولة الحساب، أن تبقى جائعة على أن تجرب حظها مع ماكينة أخرى لبيع الأطعمة الخفيفة، أن تمضي وقتها في البيت على أن تدخل النادي الجديد في الناصية، أن توقع على عقد الهاتف الجديد باستعجال على أن تسأل عن التفاصيل الغامضة فتبدو كالبلهاء!

أن تكون المرأة محجبةً في الغرب يعني أن تعُدَّ على نفسها أنفاسها، لأن الآخرين يعدون ويسجلون، ويسترقون النظرات المرتابة أحيانا، أو يحدقون بوقاحة أحيانا أخرى!

تشعر المرأة المحجبة في الغرب أنها في حالة جدال دائم مع كل ما يحيط بها، جدال رغم صمته لا يتوقف، تستخدم فيه المحجبة كل حركاتها وسكناتها لتدحض حجج الطرف الآخر، والطرف الآخر لا يبذل كثيرا من الجهد في الإعلان عن رأيه.
إن نظرة باردة واحدة، أو تجاهل لتحية ودودة، أو كلمة عابرة متأففة، كافية لأن تلقي في وجه المرأة المسلمة كل القناعات التي يؤمن بها هذا الآخر، لتتحول إلى حالة من الدفاع الدائم عن النفس في كل حركة وسكنة، فهي حين تمسك الهاتف كأنها تقول: "انظروا أنا أجيد استخدام الهاتف رغم أني محجبة"، وحين تفتح كتابها لتقرأ رواية باللغة الإنجليزية، كأنها تقول: "انظروا أنا أقرأ بالإنجليزية رغم أني محجبة"، وحين تميل برأسها على كتف زوجها، كأنها تقول: "انظروا أنا أعامَل من زوجي باحترام رغم أني محجبة".

إنها تحاول دوما أن تبرر نفسها، أن تعتذر عن أمر ما لا تعرفه، أن تثبت شيئا للآخرين الذين قد يكونون مهتمين بالفعل بكل ما تفعل، وقد لا يكونون، ولكنها لن تستطيع أبدا الخروج من فكرة أنها محط الأنظار وفي موضع اتهام، تارة بكونها وجها فاقعا للهوية الإسلامية "المعادية"، وتارة بكونها رمزا لاضطهاد النساء من قبل الرجال.

الحجاب وهندسة المسافات
وحتى عند التعرف على الأصدقاء الجدد، أو الانخراط في مجتمع جديد، فإنهم غالبا لن يبدؤوا بالتعامل معها على أنها فلانة بذاتها قبل تجاوز تلك المرحلة الطويلة جدا من التعامل معها على أنها تلك المرأة التي تضع شيئا غريبا على رأسها.

إن معظم الحوارات العادية تنحرف فجأة بطريقة أو بأخرى لتدور حول حجابها، فيما إذا كانت قد أجبرت على ارتدائه، فيما إذا كانت تضعه طوال الوقت، فيما إذا كانت تنام به، فيما إذا كانت تستحم به! سيكون دوما هناك رحلة طويلة من الأسئلة قبل أن يكتشف الآخرون أنها تحت ذلك الحجاب مجرد إنسانة عادية، وقد لا يصل البعض إلى هذا الاستنتاج على الإطلاق.

هناك دوما مسافة من الرفض، من الإشعار المقصود أحيانا وأحيانا غير المقصود بالاختلاف، والذي يبلغ ذروته في خوف المحجبة على حياتها، وحاجتها هي لأن تضع المسافات، لكن هذه المرة مسافات من نوع مختلف ..
فهي بحاجة لأن تترك مسافة أمان عندما تنزل الأدراج، فتبقى متمسكة بالإبريز خشية أن تتلقى دفعة من الخلف، كما حصل لتلك الفتاة المحجبة في مترو الأنفاق في برلين في شتاء 2016، ولعلها بحاجة إذن أيضا لأن تترك مسافة أمان عن سكة القطار، لأن بعضهم قد يبدون مستعدين لدفع امرأة محجبة إلى السكة عند اقتراب القطار، وهي بحاجة لأن تترك مسافة أمان عندما تعبر الشارع  فترى شبانا متجمعين بقناني البيرة يتفوهون بعبارات لا تفهمها، وهي بحاجة إلى كثير من التلفت في كل شارع خاو وعند كل منعطف.

لا يسيطر هذا الخوف دائما، لكنه لا ينام أبدا، يظل في حالة نصف إغفاءة، ليتيقظ عند أدنى إشارة.

شرعنة العنصرية في سوق العمل
وفي سوق العمل يصبح إيجاد وظيفة ملائمة كالبحث عن إبرة في كومة قش، فبالإضافة إلى الأسماء العربية التي ينطقها الأجانب بصعوبة، وبالإضافة إلى السمرة، والملامح الشرق أوسطية، هناك في صورة أوراق التقديم ومقابلات الوظائف فوق ذلك كله الحجاب!

لا يتعلق الأمر إذن بقلة الوظائف التي تستطيع المرأة المحجبة أن تؤديها بنجاح، بقدر ما يتعلق بحساسية أرباب العمل تجاه وجود امرأة محجبة في طاقم العمل، حساسية مبررة أحيانا باضطرار الموظفة للتعامل المباشر مع الزبائن على اختلاف أطيافهم، وغير مبررة أحيانا أخرى إلا برفض وجود الحجاب كرمز ديني تحت سقف هذه الشركة ..
الأمر الذي أقرت شرعيته محكمة العدل الأوربية في 14 من شهر مارس/آذار عام 2017، مانحةً الحق للمؤسسات بأن تحظر ارتداء الحجاب من قبل موظفاتها ضمن عدد من الرموز الدينية الأخرى، ومشرعنةً طرد الموظفات المحجبات دون أن يعتبر ذلك تمييزا على أساس الدين.

ولا يبدو هذا الحكم إلا كمحاولة متذاكية لحظر الحجاب بطريقة قانونية تحافظ فيها أوربا على ماء وجهها أمام ادعاءاتها بحمل راية القيم الرفيعة. فالحجاب وحده هو المقصود هنا، بينما يُظهر الأوربيون كثيرا من التسامح مع أغطية الرأس الهندية وعمائم النساء الأفريقيات وأوشمة الصلبان على السواعد المكشوفة.
ولم تخطئ مفوضة الحكومة الألمانية لمكافحة التمييز كريستينا لودرز حين صرحت، بعد صدور قرار محكمة العدل الأوربية، بأن حظر الحجاب قد يصعب اندماج المسلمات في سوق العمل، فإن كثيرا من الكفاءات تُستبعد من طلبات التقديم للوظائف بسبب الحجاب، قبل أن تُمنح المرأة فرصة لإثبات نفسها، الأمر الذي تحول إلى كابوس للشابات المسلمات، اللواتي يضعن على رأس قائمة تحديد خياراتهن الدراسية والعملية في المستقبل درجة تقبل الحجاب في مجال العمل الذي يرغبن به، وذلك قبل ميولهن الشخصية، وأهليتهن للنجاح في هذا المجال.

الحجاب، إنه هنا أكثر من اللازم
يُقال إن شعور المرء بأعضاء جسمه يبلغ أكثر تجلياته عند تتألم هذه الأعضاء، فلو كنتَ مسترخيا في سريرك ستكون حقيقة أن لديك قدما مثلا أو حتى إصبع قدم صغير أمرا قابعا في قاع لا وعيك بهدوء وبلا مشاكل، لكن إن كان إصبع قدمك الصغير قد اصطدم بعنف بإطار الباب قبل دقائق أو سقط عليه طبق زجاجي ثقيل، فإنك جراء الألم لن تكون واعيا بأي جزء من جسمك أكثر من وعيك بأنك تملك بالفعل إصبع قدم صغير، وهو هنا بالفعل، لأنه يؤلمك بشدة ولن يدعك تنام!

وكذلك الحجاب، يتجسد في وعي المرأة المسلمة في الغرب أكثر من أي شيء آخر فيها، أكثر حتى من وعيها بذاتها، فهي تشعر به دوما حين تكون موجودة في شوارع البلدان غير المسلمة، وفي مطاعمها، وأمام ماكينات بيع التذاكر في محطاتها ..
ولا تكاد تشعر بشيء سواه، إنه هنا، فوق رأسها طوال الوقت، كما لو أنه يؤلمها، كما لو أنها تتحول كلها إلى حجاب فقط، كما لو أنها تتحول من كونها إنسانا عاديا إلى مجرد كيان يحمل هذا الشيء العملاق الكبير الذي يسمى حجابا، وعلى حجابها هذا يعلق كل شخص تراه في الطريق أفكاره المسبقة وقناعاته والقصص التي قرأها في منتديات الإنترنت وسمعها عنها من زملاء العمل..
لذا فهي تمشي وهي تجر وراءها هذه الأثقال المريعة من كل تلك الأفكار المسبقة، وكلما زادت تلك الأفكار ثقلا كما صار مشيها أثقل وحركتها أكثر صعوبة.

لن نطرح الأسئلة عن مستقبل المحجبات في الغرب، ولن نناشد أحدا، ولن نحول الأمر إلى مناحة، لكن الوعي بصعوبة الحياة كامرأة محجبة في الغرب يحتم على الجميع عمل كل ما يمكن عمله لتحسين هذا الواقع، في مواجهة موجة يمينية متطرفة، تعلنُ عن نفسها بشكل متزايد وبلا مواربة، ولعل آخر تجلياتها كان المذبحة الإرهابية الدامية في مسجد مدينة كرايستشيرش في نيوزيلاندا قبل يومين.

الاثنين، 18 مارس 2019

الحب الأخير

بقلم: لانا مامكغ

 
انشغلتُ بمراقبته من حينٍ لآخر؛ خمسينيٍ مكتنز، صلفِ الملامح، به غلظةٌ في بنيته وصوته ذكّرتــــني بممثّــــل قديم اشتهر بأدوار الشّر في السّينما المصريّة، ولم أعلم لماذا خلته من محدثي النّعمة … ثروةٌ طارئة شجّعته على الارتباط بتلك الشّابة العشرينيّة التي ترافقه، لينجبَ ذلك الطّفل الذي بدا أنّه شُغلُه الشّاغل طوال الوقت، لأقولَ لنفسي باستهزاء: طبعاً، لابدَّ من إثبات الذّكورة والفحولة المطلوبة في لقاء خريفِه بربيعها … لابدَّ من إنجابِ مخلوقٍ بريء يتّسلى به فيما تبقّى له من عمر!
حدث هذا خلالَ إحدى الرّحلات السّيّاحيّة، حين بقيتُ أرصدُ حالة الرّجل إلى أن لمحتُ الطّفلَ يبتسمُ لي ذات صباح، فاقتربتُ بسعادة لأحيي الرّجلَ والصّبيّة وأنا أداعبُ الصّغير وأقول: «الله يخليكم لبعض أنت والمدام أستاذ، ويحميه لكما، فرصة سعيدة «. وفيما كنتُ أهمُّ بالابتعاد وصلني صوتُ الرّجل يشكرني ليضيفَ ضاحكاً: «هذه ابنتي، وليست المدام … وهذا حفيدي، تفضّلي إشربي معنا قهوة». وفعلاً لم أقوَ على الاعتذار، فانضممتُ لهم وأنا أوّبخ نفسي على توّقعاتي السّخيفة … إذ عرفتُ أنّه سافرَ خصّيصاً إلى بلد الغربة حيث تستقرُّ ابنتُه وزوجها، حتى يُحضرَها والصّغير ليشاركاه هذه الرّحلة، ثمَّ قال بتأثّر: «أبوه مشغول جدّاً، ولم يتمكّن من قضاء الإجازة معي هذا العام، وأنا اشتقتُ لحفيدي، والباقي عندك … « فتبادلنا الضّحكات إلى أن أضافَ وهو يحتضنُ الطّفل، وبنبرةٍ مشحونةٍ بالحزن: « آه لو تعرفين حالتي لمّا تنتهي الإجازة، ويحينُ موعدُ عودته إلى هناك، كلّما أتذكّر هذا اليوم أشعر بقلبي يكاد يتوقّف!».
وهكذا، غادرته مطرقةً وأنا نادمةٌ على خيالاتي البلهاء! 
ثمَّ حدث أن حضرتُ أحدَ المؤتمرات الرّسميّة في بلدٍ عربي ذات مرّة، ليقوم بمرافقتي إلى المطار يوم العودة أحدُ مسؤولي الجهة الدّاعية كما أوحت به هيئته وعمره. بدا متنفّذاً في المكان فأنهى الإجراءاتِ جميعَها بسرعة غير متوقّعة، إلى أن انتهى بنا المطاف في قاعة انتظار باذخة الأناقة … 
مرَّ وقتٌ ما وكلٌ منّا منشغلٌ بتصفّح هاتفه المحمول دون أن نتبادلَ حرفاً واحداً، ثمَّ ليُعلنَ عن تأخير الرّحلة لمدّة ساعتين … نظرتُ نحوه وأنا أتأفّف لأفاجأ بملامحِه هادئةً محايدة لا تحملُ أيّ تعبير، فشغلتُ نفسي بقراءة بعض المطبوعات حولي حتى سئمت. الوقتُ كان يمضي بطيئاً ممّلاً في قاعة بدت فيها درجةُ الحرارة حول الصّفر بقليل كما بدا لي حينها، فقلت لاختراق حاجز الصّمت القاتل، وكمحاولةٍ يائسة لكسر جليدِ المكان: «الجوّ ملتهب في الخارج، وباردٌ جداً هنا … «فهزَّ رأسه موافقاً من دون أن ينظرَ نحوي!
بدأ السّأمُ ينخرُ في كتلتي العصبيّة وأنا أتأملُ ألوانَ السّتائر، والجدران، والّلوحاتِ التّجريديّةَ الغامضة، والبحثُ الجادّ عن الثّقوب الّلعينة في السّقف كمحاولةٍ لاكتشاف مصدر الهواء القطبي الذي يحتلُّ المكان، والزّمان كذلك … ذاك الذي تجمّدَ وصارَ عصيّاً على المضيّ!
سألته دون تفكير وأنا أعبثُ بمكوّنات حقيبتي اليدوّية بلا سبب: «عفوأ، هل لديك أبناء؟ بماذا تحبُّ أن أناديك؟». هنا، فوجئتُ به يلتفتُ نحوي بكامل جسده ليجيبَ بحماسة: «لديّ الكثير منهم، ولديّ حفيدةٌ أيضاً… « فوجئت به يغيّر جلسته، ويقتربُ منّي وقد فتحَ هاتفه على بعض الصّور ويبدأ في الحديث والشّرح «هذه حفيدتي … انظري ما أحلاها، لا أراها إلا في نهاية الأسبوع، أعدُّ الدّقائق حتى تأتيني!» وبدأ يُقلّبُ صورَها واحدةً بعد الأخرى، منذ كانت في يومها الأوّل حتى دخلت الرّوضة قبل شهر … وأنا أردّدُ: «ما شاء الله … ما شاء الله … ما شاء الله»!
كان يُحدّثني عن حركاتها، وطريقة نطقها للكلمات، وماذا تحبُّ من الألعاب، وكيف يضبطها تعبثُ بأغراضه، وكيف أنَّ الأمرَ يُفرحه بدلَ أن يُزعجَه، أو أنّه نسي بالأحرى كيف يغضبُ من شقاوتها!

وهكذا حتى حان وقتُ المغادرة، فأوصلني إلى باب الطّائرة وهو ما زال يقلّبُ في الصّور وأنا أردّدُ بصـــبر: «ما شاء الله … ما شاء الله!».
 
وماذا بعد، إلهي كم كتبنا وقرأنا وانشغلنا بما يُسمّى الحبّ الأوّل … لكن يبدو أنَّ الحياة تُهدينا ما يمكن أن نطلقَ عليه «الحبّ الأخير» ذلك المتمثّل في ولعِــــنا بمخلوقاتٍ صغيرةٍ رائعة تملأ قلوبنا المتعبة في نهاية العمر بكميّاتٍ من الرّقة والرّهافــة والعذوبة، وتهدمُ ببراءة كلَّ ما اصطنعناه من وقارٍ وتماسكٍ وهيبة مزعومة في مسيرة حياتنا، مخلوقات تملأ قلوبنا حبّاً وشغفاً وفرحاً لم نعرفه في تجاربنا العاطفيّة السّابقة البائسة مهما ادّعينا غير ذلك!

السبت، 16 مارس 2019

هل غياب «عيد الجدة» عربيا ظاهرة إيجابية؟

بقلم: غادة السمان
جريدة القدس العربي
احتفلت فرنسا يوم 3 ـ 3 بعيد الجدة، وكما في الأعياد الغربية كلها.. يصير الأمر مناسبة تجارية مع اقتراحات بالهدايا التي يمكن تقديمها للجدة في عيدها، كالوسادة الدافئة كهربائياً، والأزهار، والجهاز التلفزيوني الحديث العصري، أو الخف المنزلي الدافئ، وسواها من الهدايا، وفقاً للإمكانيات المادية للأحفاد والأولاد، مع زيارة (سنوية!) غالباً للجدة في (بيت المسنين). لدينا في عالمنا العربي «عيد الأم» وليس لدينا «عيد الجدة».. وذلك في نظري ظاهرة إيجابية، فالجدة هي أولاً أمّ، وبالتالي يشملها عيد الأم، فلماذا نجد في الغرب تلك الظاهرة الاحتفالية التي تخفي خلفها، كقناع، حقيقة أليمة يعيشها معظم المسنين الغربيين.

الجدة ليست بطارية مستهلكة!

لست مبهورة بكل ما هو غربي، ولا أجد كما يقول المثل «كل افرنجي برنجي»، بل ثمة عادات تنبثق من تراثنا الروحي كعرب، وعلى رأسها احترام الجدات والأجداد الذين لا يتم التخلص منهم في «بيوت الراحة» المنتشرة بكثرة في الغرب كما لو أن المسن صار بطارية مستهلكة، إذ يتم إيداعه في أحد البيوت الخاصة بذلك ولها أسماء براقة، ولكن جوهر القضية هي أنه يتم إيداع الجدة المسنة في ما يشبه (الفندق) الكئيب من الدرجة الثالثة الخاص بأمثالها من المسنين الذين قلما يزورهم الأولاد والأحفاد. وهذه الأماكن التي تعتبر عتبة للقبر والمرحلة الأخيرة من الحياة قبل الموت نادرة الحضور في بلادنا العربية، فالجدة تظل تعيش مع أسرة ابنها أو ابنتها ولا تشعر بأنها من نمط الأعباء البشرية، بل تظل من بعض نسيج الأسرة العربية حتى الموت معززة مكرمة، والأحفاد يسعدون بها لأنها (تفسدهم) بالدلال!

من يبحث عن (بيبي سيتر) والجدة هناك؟

في الغرب ثمة مهنة رائجة اسمها (بيبي سيتر)، أي الشابة التي تعتني بالأطفال حين يغيب الأبوان. وثمة مكاتب خاصة بذلك في الغرب للتوظيف.
في عالمنا العربي تقوم بالمهمة غالباً الجدة، وذلك رائع، لأن المرء يضمن حنانها وحرصها على الأحفاد. وتعامل الجدة مع حفيدها أمر لا يمكن أن أشتريه بالمال..
وثمة أفلام رعب عديدة حول الصبايا اللواتي يأتين إلى بيت ما للعناية بالأطفال لساعات غياب الأبوين في سهرة ما، ويأتي العشيق ويؤذي الأطفال، وقد يعتدي عليهم جنسياً أو ما شابه من الحكايات..
وتلك الأفلام تجسد مخاوف الأسرة الغربية من شابة لا يعرفون عنها شيئاً يسلمونها رعاية أطفالهم وبيتهم ولو لساعات، هذا بينما الجدة التي يمكن الاطمئنان إليها وحدها تعيش الوحشة في «بيوت المسنين».
ثم إننا نسمع حكايات حقيقية تصل إلى المحاكم عن سوء معاملة بعض الممرضين للمسنين في المشافي الخاصة بهم، تصل حتى ضربهم أو سرقة بطاقات الائتمان بعد معرفة الرقم السري لاستخدامها في الحصول على المال من الآلة الخاصة بذلك المنتشرة في الشوارع.

مع أي اسرة تقيم الجدة الغربية؟

وتكوين الأسرة الغربية صار يختلف عن العربية، وبالذات بعد السماح في بعض الأقطار الأوروبية كفرنسا بزواج رجلين أو امرأتين، أي بزواج المثليين..
فجدة من هي التي ستعيش في بيت كهذا؟ وهل سيكون لها أحفاد في حال زواج (ذكرين) كما المطرب الشهير صديق الليدي ديانا البريطاني إلتون جون (وزوجه)، أو كما كان مصمم الأزياء الشهير ايف سان لوران وزوجه… وهنالك أيضاً ما يدعى في الغرب (الأسرة التي أعيد تركيبها) حيث أولاد المطلقين يعيشون في بيت واحد مع نصف الأخ أو الأخت. فأي جدة من الجدات سيقع الخيار عليها لتعيش معهم وهي غريبة عن «نصف الأولاد»!

مؤسسة الجدات والأجداد العرب

أعترف بأنني أحترم الأسرة العربية التقليدية على الرغم من نموذج الأب «سي السيد» وقد تجثم على صدور بعض البنات والأبناء، ولكنها متماسكة بمعنى ما وتحترم الجدات والأجداد، ومن طرفي لم أكن أقبّل يد أحد حتى أبي، باستثناء جدتي.. ولا نجد الجدة عبئاً بل بركة، ثم إنها تنقل إلينا على نحو عفوي التراث، بدءاً بالطبخ ومروراً بالقصص التي تروى للأطفال، وما زلت أذكر قصص جدتي التي كانت ترويها لي وأنا طفلة، ولعلها اخترعت بعضها بنفسها كقصص عن ثلاث بنات «يغزلن ويأكلن» أي يعملن.. وسواها من الحكايات التي أطلقت سراح خيالي منذ طفولتي، ولعل حكايات جدتي هي الشرارة التي أوقدت نار خيالي وجعلت مني روائية، ولست حقاً مدينة لشكسبير وفرجينيا وولف ونجيب محفوظ وفدوى طوقان وبيكيت ويوسف إدريس وسواهم لا يحصى، بقدر ما أنا مدينة إلى حكايات جدتي في طفولتي.. وكانت (روائية) سرية تخترع معظمها!

ما زلنا نرفض «بيوت الكرامة»

نطلق في عالمنا العربي أسماء جميلة للبيوت التي يعيش فيها المسن/المسنة بعيداً عن الأسرة، وهو أمر غير محبب في لبنان وعالمنا العربي عامة إلا في حال الضرورة القصوى. ومرة كنت في زيارة عمل صحافية إلى دار كهذه في بيروت، ووجدت المسنات جالسات في قاعة كبيرة يتسامرن، وقالت لي المتبرعة بالإشراف عليهن إن فلانة (وأشارت إلى سيدة تسعينية) هي والدة الشهير في لبنان مالاً ونفوذاً (فلان..)، وأعترف بأنني شعرت بالنفور منه، وتساءلت: لماذا لا يحتفظ بأمه في (الفيلا) الكبيرة التي يقطنها، ولماذا لا يحضر لها من تعتني بها وهو يملك المال لذلك بدلاً من سلخها عن الأسرة وحرمانها من أحفادها ومنه؟
قد أكون كاتبة متمردة، ولكن ليس على التراث الجمــيل إنسانياً في حياتنا العربية، و«عيد الجدة» عندنا هو كل يوم من احترامها وحبها والامتنان لها وللجد طبعاً، وحضورها في البيت العربي.

الخميس، 7 مارس 2019

عمّان ضحية الإغواء العقاري

بقلم: إبراهيم غرايبة
https://bit.ly/2UHD6P6
مشكلة عمان هي التنظيم الذي يخضع لإغواء تجارة العقارات، والحلّ ببساطة هو الابتعاد عن السيول ومجاري المياه الطبيعية، لقد ألحق تحويل الأودية ومجاري مياه المطر والينابيع إلى مجال عقاري للبناء والسكن والتجارة ضررا كبيرا بالبيئة والطبيعة ومصادر المياه وأحواضها، وأرهق البنية التحتية للمدينة العاجزة عن استيعاب وصرف مياه الأمطار، وضاعف الكلفة على التخطيط والإنشاء، ويؤدي كل عام إلى كوارث ووقوع ضحايا، وهذه ليست ملاحظة جديدة لكنها تقال في كل عام وفي كل مناسبة تسقط فيها الأمطار، كل هذه التضحيات والتكاليف الهائلة والمرهقة التي ندفعها باستمرار لأجل تحويل مساحات محدودة من مسار الأودية ومساقط المياه وأحواضها إلى عمائر سكنية وتجارية مدفوعين بإغواء الثمن المرتفع للأرض!
في جميع مدن العالم وأكثرها ازدحاما تظل الأودية والسيول والأنهار مناطق خالية من البناء، وفي قلب لندن وباريس ونيويورك على بعد أمتار من المباني الشاهقة الارتفاع وخيالية الثمن تجد الأنهار والأودية والغابات كأنك في الأمازون، مسارات نهر التيمز والسين وهيدسون على سبيل المثال تخترق المدن وتسير في قلبها إلى جوار ناطحات السحاب كما هي في الغابات والفضاءات الخالية من السكان والمباني،.. بل إن المدن جميعها تحتفي بأنهارها وطبيعتها وتحولها إلى فضاء جميل تتنفس منه المدينة وأهلها.
لا يمكن وصف ما حدث لعمان من إلغاء لمسار السيل وتحويله إلى مباني وأسواق، والاعتداءات على الأودية والينابيع ومسارات المياه سوى أنه جريمة حضرية سوف نظل ندفع ثمنها على مدى العقود القادمة، وستكون النهاية كما هو قانون الطبيعة ترك هذه الأماكن وعودتها سيول طبيعية وغابات ومصادر للمياه والترفيه والسياحة والسمك والغذاء، وسوف تظل تروى في التاريخ أسطورة تحدي الطبيعة وخنق المدينة وإزالة قلبها وتحويله إلى كتل اسمنتية قاتلة وخانقة، ثم في النهاية ينبعث القلب كما العنقاء ويجرف في مساره كل هذه المؤسسات والأعمال المفتعلة!
يبدو الحلّ اليوم مكلفا برغم أنه كان ممكنا أن يكون بلا تكلفة، لكن في النهاية إن لم يكن اليوم فسوف يكون غدا لن نجد حلا للكارثة سوى ملاءمة الطبيعة والبيئة في التخطيط الحضري للمدينة والأحياء والمرافق، فالمدن في التاريخ والجغرافيا تتشكل حول الأنهار ومصادر المياه ويكون الفضاء المحيط بها ساحة عامة مقدسة، وتحيط بها في الأماكن القريبة والآمنة الأسواق والمعابد والمحاكم والمؤسسات والمسارح والمدارس ودور الثقافة والفنون، ويمضي أهلها شطر نهارهم فيها للعمل والتجارة والالتقاء والتشاور والتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم وتصوراتهم لذاتهم ومجتمعاتهم، ويمضون أمسياتهم في الترفيه والنشاط الاجتماعي والثقافي،... وفي ذلك ينشئون الموارد والأعمال ويدبرون الإنفاق والتضامن والتكافل الاجتماعي من مواردهم المحيطة بقلب المدينة والممتدة حولها، ويكونون قادرين دائما على تنظيم وتدبير شؤونهم وأولوياتهم واحتياجاتهم الأساسية بلا موارد إضافية أو خارجية أو بقدر معقول ومقدور عليه من الموارد الممكن اجتذابها، وبلا تدخل حكومي أو سياسي إلا بالقدر الذي تحتاج إليه المشاركة وتوزيع الأدوار والمسؤوليات.
تراودني اليوم مشاعر وأفكار غريبة ومحزنة في ملاحظة قصص ومسار المدن والأعمال والأسواق والمؤسسات والإدارات العامة في بلادنا وتاريخها الحديث، .. كأننا نعمل ضد أنفسنا، وكأننا نسخر مواردنا وجهودنا وأفكارنا للخراب!!

  


الاثنين، 25 فبراير 2019

اكتشاف قصر المعتمد بن عباد بإشبيلية

https://bit.ly/2tze74y
بقلم: سميرة فخر الدين

" أعلنت وزارة الثقافة الإسبانية نهاية يونيو (حزيران) الماضي عن اكتشاف قصر المعتمد بن عباد الذي ظلَّ آفلًا مُتواريًا عن الأنظار، ومطمورًا لأكثر من ألف عام، وقد أكد اختبار الكربون 14، المستخدم عادةً لتعيين عمر العينات القديمة والآثار الأركيولوجية، أن البقايا المكتشفة حديثًا تعود للقرن الحادي عشر، وترجع للمنطقة التي لطالما اعتُبِرَت مفقودة في قصر إشبيلية، ألا وهي قصر المعتمد بن عباد.
يشكل قصر المعتمد المُكتَشَف البناية الأصلية والنواة التي شُيِدَ على إثرها قصر إشبيلية الأثري الراهن. الآن نستطيع أن نعرف كيف عاش الملك الشاعر. فكل شيء تم اكتشافه داخل أسوار القصر الحالي بساحة لاس بانديراس، وهي ساحة عامة واقعة بحي سانتا كروث بإشبيلية.

وقد أكدت دراسات مسبقة أُجرِيَت سنة 2014 أن هذه المنطقة قد تضم القصر الأصلي؛ الأمر الذي دفع عالم آثار المبنى مغيل آنخيل طباليس لطلب إذن للقيام بأعمال تنقيب بعين المكان. وفجأة ظهرت بضعة أقواس، ثم تم التوسع في البحث والتنقيب، فتجلَّت أهم ملامح الاكتشاف ليتم التأكد لاحقًا بأن الآثار المكتشفة تعود للقرن الحادي عشر، للمكان الذي اعتاد فيه المعتمد بن عباد ابن الملك المعتضد كتابة قصائد لحبيبته اعتماد، كما تقول الأسطورة.
كل شيء كان سليمًا، ألف سنة من التاريخ غابرة محجوبة مبتورة السند، أقواس وأعمدة وجدران لآل أندلس حَلُّوا لزمن وجيز وارتحلوا، وعنهم غُلِقَت الأبواب والسبل، وسُدَ التاريخ والأجل، وما بقي سوى الحجارة والطلل، لذكرى لا تُريح، لا تُعيد ولا تصل.

قصر شبيه بجامع تلمسان الكبير بالجزائر
يُحيل القصر المُكتَشَف على الهندسة المعمارية السائدة في تلك الفترة وهو بذلك شبيه بجامع تلمسان الكبير بالجزائر الذي شُيِدَ سنة 1136 من طرف يوسف بن تاشفين أول خليفة لدولة المرابطين؛ وشبيه أيضًا بإحدى الرموز المعمارية الأندلسية الباقية في إسبانيا، ألا وهي قصر الجعفرية الذي بُنِيَ في النصف الثاني من القرن الحادي عشر للميلاد في عهد المقتدر بن هود أمير حاكم طائفة سرقسطة في زمن ملوك الطوائف.
بالإضافة إلى الغرف، كشفت الحفريات عن فناء واسع بالقصر، مقسم إلى أربعة أجزاء: منصة عبور، ونافورة مركزية. بُنِيَ القصر من الحجارة والطوب والجص. تلوح الزخارف المعمارية على الأسقف والحيطان كبقايا الحناء في ظاهرة اليد، لتُعَرِّي نقوشًا لم تُرجَم تحت الحجارة لألف عامٍ إلا لقيمةٍ تزداد.
قصر مهجور مع بداية الحكم المرابطي للأندلس
أمر الخليفة عبد الرحمن الثالث، ثامن حكام الدولة الأموية في الأندلس، بتشييد دار الإمارة في القرن العاشر. كانت الدار عبارة عن بناية رباعية الزوايا شبيهة بقصبة ماردة الأثرية، وعلى أنقاضها، وفي عصر ملوك الطوائف (القرن الحادي عشر)، تم تشييد القصر المُكتشَف، قصر بني عباد المسمى «المبارك» أو «المورق».

تعرضت بنايات القصر للنهب والسرقة والتخريب مع حلول المرابطين بمملكة إشبيلية والقضاء على حكم المعتمد بن عباد. ويقدم هذه الفرضية عدة مؤرخين لتفسير عدم وجود أي إصلاحات أو عمليات توسيع للقصر وإن قام الموحدون في القرن الثاني عشر بإنشاء فناء إيل ييسو بجوار المنطقة التي اكتشفت فيها بقايا القصر المطمور.
كما تم اكتشاف بقايا تاريخية قديمة من بيوت حي الفخارين، وهي بيوتات كانت متواجدة بعين المكان في القرن الحادي عشر، تم هدمها في تلك الفترة الزمنية لتشكل جزءًا من قصر المعتمد بن عباد. هذا بالإضافة إلى أسوار عتيقة متلاشية غابرة لأكثر من ألف عام تحت غطاء نباتي كثيف. تنم هذه الأخيرة عن حالة معمارية متضررة، مقارنة ببقية البناية، كما أنها أقدَم زمنيًا، وإن كانت تعود هي الأخرى لنفس القرن وشيدت على الأرجح من طرف المعتمد أو والده المعتضد.
السياق التاريخي
يعود القصر للمعتمد ابن عباد (أبو القاسم المعتمد على الله بن عبَّاد 1040 – 1095م) الذي كان ملكًا على إشبيلية في عصر ملوك الطوائف. ووسَّع ملكه فاستولى على بلنسية ومرسية وقرطبة قبل أن يقضي على إمارته المرابطون. استولى يوسف بن تاشفين على إشبيلية وأسر المعتمد، ونفاه إلى أغمات في المغرب، وأثارت قسوة يوسف بن تاشفين بتضييقه على المعتمد في أسره وإنهائه لحكم المعتمد حفيظة عدة نقاد: باحثين، ومؤرخين، ما بين مؤيد ومعارض.
ارتبط اسم المعتمد باسم زوجته اعتماد الرميكية. كانت جارية للتاجر رميك ابن الحجاج. كانت على قدر كبير من الجمال، وعلى دراية بالشعر والأدب. أعجب بها المعتمد فلم يتخدها له كجارية، بل تزوجها ورفع من شأنها ليمنحها الجميع لقب السيدة الكبرى بعد ذلك. وفيها يقول:
أَغائِبَةَ الشَخصِ عَن ناظِري… وَحاضِرَةً في صَميمِ الفُؤادِ
عَلَيكِ السَلامُ بِقَدرِ الشُجون… وَدَمع الشُؤونِ وَقَدرِ السُهادِ
وهي القصيدة التي ألف فيها المعتمد بن عباد أبياتا يبدأ كل منها بحرف من حروف اسم زوجته (اعتماد).
شكل القصر المكتشف مبعث أحزان المعتمد بن عباد في منفاه بأغمات. سافرت أشعاره إلى قصر المبارك من المنفى وأخذت في زواياه تجوبُ وعلى جناح الذكريات تذوب. ما بين جسم في طوق أغمات يتفتَّق وخيال ماضٍ اشبيلي مُعتَّق. يشكو حجارة قصر عن الأنظار رحلت وحجارة بالضلوع حلّت:
غَريبٌ بِأَرضِ المغربينِ أَسيرُ… سَيَبكي عَلَيهِ مِنبَرٌ وَسَريرٌ
وَتَندُبُهُ البيضُ الصَوارِمُ وَالقَنا… وَينهلُّ دَمعٌ بينَهُنَّ غَزيرُ

يعتبر الاكتشاف مفتاحًا جديدًا لتاريخ إشبيلية. ولا زالت هناك سلسلة من عمليات التنقيب التي يعمل الباحثون وعلماء الآثار على مواصلتها. وقد اقترح أنطونيو مونيوث، المندوب الثقافي لمجلس المدينة، خططًا مستقبلية للاستفادة من الفضاء المُكتَشَف، إذ يدعو إلى تحويله إلى مركز توثيقي تأريخي لمجموع بنايات قصر إشبيلية.
الفكرة التي رحبت بها مديرة القصر إيزابيل رودريغيز؛ إذ ترى أن المشروع سيوفر رحلة تاريخية للزائر، وسفرًا في حقبه الزمنية المختلفة من زمن المعتمد، وهو أقدم مرحلة زمنية للبناية، مرورًا بالزمن المرابطي، ثم الموحدي، ثم القشتالي. خاصة أن قصر المعتمد المكتشف، حسب إيزابيل رودريغيز، كبير بما فيه الكفاية لإدراجه بباقي أروقة قصر إشبيلية، كما أن حالته الحافظة ممتازة ومثيرة للدهشة ما بين هيكل معماري متين، ونقوش وزينة وزخرفات في غاية الجمال والدقة.
كل شيء جاهز لإنجاز هذا المشروع التأريخي المعماري الهادف إلى دمج القصر الأصلي المكتشف ببقية أرجاء قصر إشبيلية الملكي. وبهذا الدمج ستتمكن إشبيلية من إكمال الحلقة الأندلسية المفقودة ونزع الغطاء عن التاريخ الإسلامي للمدينة بشكل كامل".

الجمعة، 8 فبراير 2019

المسارات المتقاطعة..

بقلم :ديك الجن

من الأسئلة التي حيرتني كما حيرت الجميع بلا شك.. هو السؤال الخالد.. لماذا خلقنا الله؟ وهو سؤال منطقي ومطروح بشكل دائم.. وللأمانة لم أقتنع يوما بالتفسير السلفي الذي استند على آية "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" وحصر مفهوم العبادة بالشعائر الفردية، أي أننا خلقنا لنصلي ونزكي وغيره.. لذلك ظللت أبحث وأبحث ويلح على هذا السؤال، حتى وجدت تفسيرا اطمأن له قلبي.. تفسير لم يجب فقط على سؤالي، لكنني وجدته يصلح أيضا كنموذج فسر لي الكثير من الأشياء.. ويطيب لي أن أطلق على هذا النموذج الذي أحدثكم عنه اليوم، اسم "نظرية المسارات المتقاطعة"..

النظرية تقول ببساطة أنه لكل إنسان فينا من لحظة ولادته حتى لحظة وفاته، مسار خاص يميزه عن مسارات الآخرين.. شيء أشبه بالطريق الذي تسير عليه السيارات.. لكن هذا المسارات كالطرق أيضا، متقاطعة بشكل يومي ولحظي.. قد يكون المسار قصيرا إذا متت وأنت طفل مثلا.. وقد يمتد حتى تبلغ من العمر عتيا، لكنه يبقى مسارا ببداية ونهاية.. وقد تكون لحظات تقاطعك مع مسارات الآخرين قصيرة ولحظية كابتسامة عابرة على رصيف، وقد تكون طويلة كزواج يمتد لخمسين عاما.. المهم أن هنالك تقاطعات..

وبما أن جميع هذا المسارات تنتهي في نقطة واحدة هي الموت.. تكون الحياة الدنيا هي المسار، والدار الآخرة هي الهدف والمبتغى بحسب الآية “وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا".. وهذا هو سر الخلق.. والسؤال إذن.. كيف يحدد الله أداء كل منا على مساره؟ ومن يحصد النقاط الأعلى؟ أي إذا كان الهدف هو وضعنا في مسارات متقاطعة فكيف يكون التقييم؟ النظرية تقول ببساطة أن التقييم يعتمد بشكل أساسي جدا، ليس على أدائك في مسارك، لكن على أداءك أثناء تقاطع مساراتك مع مسارات الآخرين.. وتأثيرك على مساراتهم سلبا أم إيجابا.. ولشرح هذا الكلام نأخذ عدة أمثلة..

اليتم مثلا.. اليتم بحسب هذه النظرية هو أن تفقد مسارا داعما بالفطرة لمسارك.. بحيث يصبح تقدمك في مسارك ضعيفا ومشكوكا فيه.. لذلك كان من أعظم الأعمال أجرا في الإسلام كفالة اليتيم.. وقال عنها النبي عليه السلام "انا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" أي أنه ساوى بين النبي وكافل اليتيم للدلالة على عظم الأجر.. وبالمقابل، كان التحذير من أكل مال اليتيم في القرآن شديدا مرعبا، فقال تعالى "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا"..

بر الوالدين هو بحسب النظرية.. مساعدة شخص أفنى حياته ليبني مسارك.. ووجب عليك بعد أن قوي مسارك أن تساعده فيما تبقى له من مساره.. بر الوالدين ربط بعبادة الله سبحانه وتعالى مباشرة.. الزكاة والصدقة وكل التعاملات المالية.. هل هي إلا دفعة منك لشخص متعثر في مساره؟ الغيبة والنميمة.. أليست تدميرا لسمعة شخص ما وتقويض لمساره؟ الزواج وكل ما يتعلق به.. أليس كل أحكامه وضعت لكيلا تكون سببا في تدمير إنسان ارتبطت مسارك بمسارها أو العكس؟ السرقة.. ما هي السرقة سوى حرمان إنسان من مجهوداته التي وفرها لتساعده في مساره؟ وقمت أنت بسرقتها لتعيده ألف خطوة للوراء؟ وهكذا يمكننا بفهم هذا النموذج من تفسير كافة أحكام الإسلام.. والتي نلاحظ جليا منها أنها تتعلق بشكل مباشر لا بمسارك أنت.. بل بالطريقة التي تتصرف بها حين يتقاطع مسارك مع مسار الآخرين..

نقطة مهمة هنا هي القتل.. والقتل ما هو إلا إنهاء إجباري لمسار شخص معين أو عدة مسارات لعدة أشخاص.. مسارات لا تملك أنت فعليا حق إنهائها.. لذلك عندما تقتل إنسانا فأنت لا تنهي مساره فقط.. لكنك تقتل فرصته لتصليح مساره.. ولنفرض أن هذا الشخص كان سيئا مثلا.. لكن مساره يسمح له بالتوبة والتعديل.. فأنت عندما تقتله تكون سلبته هذه الفرصة.. من هنا فعقاب إنهاء المسار لا يكون إلا إنهاء مسارك أنت أيضا.. بالإضافة طبعا إلى غضب الله عليك لإنهاء مسار هذا الرجل (أو المرأة).. والتأثير على المسارات التي كانت تعتمد عليه كأولاده وعائلته الخ.. لذلك كان القتل من أعظم الحرمات عند الله.. لهذا السبب تحديدا..

بنفس المنطق يمكننا وبكل بساطة فهم مبدأ الشهادة.. أي أن يكون الإنسان شهيدا.. ومرجعي الأول والأساسي في هذا الفهم هو حديث الرسول عليه السلام "سيد الشهداء حمزة.. ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" السؤال.. ماذا بالضبط فعل هذا الرجل حتى استحق لقب سيد الشهداء؟ بكل بساطة.. ضحى بمساره الشخصي لكي تكون مسارات الآخرين أفضل.. أي أنه ضحى بفرصته لتحسين مساره من أجل أناس لا يعرفهم.. وهذه هي التضحية التي استحق عليها أن تغفر ذنوبه, ويحشر مع الأنبياء والصديقين..

الحاصل أنني هكذا أرى الدنيا وهكذا أفهم الإسلام (وإن لم أكن ملتزما) .. وهكذا أفهم تصرفاتي وتصرفات الآخرين.. وهكذا أقيم نفسي والآخرين.. وأحببت أن أشارككم هذه الرؤية.. بدون طبعا أن يتم التركيز على الجانب السلبي للمسارات.. فبنفس القدر الذي من السيء فيها أن تؤذي مسارات الآخرين ولو بتعطيلهم في معاملة حكومية.. من الرائع أيضا أن تساعدهم في مساراتهم وتسرعها وتسهلها لهم.. الموضوع ذو حدين.. وهذا ما يجعل النبي محمد أعظم المسلمين لأنه ساعدنا جميعا في مساراتنا...


في الختام, بقي أن أقول أن ما دفعني بشكل أساسي لكتابة هذه المقالة، هو سخرية قرأتها على موقع تويتر من شخص يتحدث عن أن كسر قلب أنثى يستوجب أن لا تقبل صلاتك أو صيامك.. الخ.. وكانت التعليقات أن هذا الكلام على فقه الإمام تامر حسني.. طبعا لا شك أن تغريدة الشخص فيها الكثير من الخطأ.. لكن ضمن نظرية المسارات، فلا شك أن دخولك العابث في مسار حياة إنسانة لعدة سنوات ثم تركها بعد أن دمرت مسارها، هو شيء ستدفع ثمنه غاليا.. وغاليا جدا.. ولربما يكون الثمن أكبر بكثير من مجرد قبول صلاتك أو صيامك..

السبت، 26 يناير 2019

دفتر للرسم!

بقلم إبراهيم جابر إبراهيم
جريدة الغد
https://goo.gl/Amn38Q

نحن نقضي الوقت بالرسم؛ رسم المرأة التي نحب، أو المرأة كما سنحبّها.
رسم أحلامنا، ورسم أبطالنا، ورسم بلادنا المشتهاة، ورسم جوائزنا، والنهايات السعيدة التي سنحصل عليها (هل يتَّفقُ لغوياً أن تكون النهايات سعيدة!).
وهنا بالضبط تحدث الخيبات. حين تتحطم صورٌ كثيرة باهرة رسمناها، هي غالباً ليست خيبات بالمعنى المضبوط، بل هي سوء تقدير، أو.. قلّة خبرة بالرسم!
نخطئ ثانية، حين نفرط في الإحساس بالخيبة، وسوء الظن في الصور التي تحطمت، رغم أن أصحابها أبرياء تماماً من ألواننا الفاقعة!
الصور التي نرسمها للأشخاص، ليست هي صورهم الحقيقية، فهي غالباً، أو حتى دائماً، مُزوّقة ومثالية وبألوان غاية في الإبهار.. حتى لو كانت ألوانهم الحقيقية باهتة ومنهكة ولا التماعة فيها.
نحن نرسم للناس الصور التي نحب أن نراهم عليها، وبمقاسات فضفاضة، تفاجئهم هم أنفسهم لو رأوها!
وكلنا آخر الأمر ضحايا صُوَر؛ صُوَر نرسمها وصُوَر لا تشبهنا يرسمها لنا آخرون، وصور حقيقية بالغة الأنسنة والطيبة لم ينتبه لها أحد (لا أحد يتذكَّر لك صورتك الأولى؛ الناس دائماً ما يحاكمون الصورة الأخيرة).
وللشخص حين يسقط من إطار مُعلّق على الجدار دويٌّ هائل.. يسمعه الرسّام وحده!
(تلك انتباهة القاتل لصرخة القتيل، أو فزع الصيّاد حين تسقط طريدته على ركبته).
فتلك الظلال التي يضيفها بعضنا لصورٍ في باله هي غير موجودة سوى في باله، وفي علبة ألوانه، وهي ظلال تذوب عند أول شمسٍ حامية أو شتاءٍ غزير أو حتى غيمةٍ ثقيلة، وهي ظلالٌ غير مخلصة، لا تفي بالغرض، ولا تعطي الصورة مقاساتها الحقيقية!
هي محض ظِلال مُضلِّلة، تقودنا ربما للتفكير في تلك العبارة المطبوعة على زجاج المرايا الجانبية للسيارات، والتي تحذر السائق إن نسي (الأبعاد والمقاسات التي تظهر في هذه المرآة غير حقيقية)!
ربما أننا نحتاج لأن تنطبع هذه العبارة في أذهاننا على الصور كلّها، وأن نتخيلها على ظهور الناس والمارّة والأصدقاء؛ كي نحمي أنفسنا من خيبة مُرّةٍ لاحقة، لا أحد مسؤولا عنها سوانا!
والخيبات دروس؛ ربما دروس مُبالغٌ فيها، لكنها ضروريةٌ لننتبه لاحقاً لعبقرية الألوان والنِسَب المطلوبة، والمسموحة، وأن لا نفرط في استخدام ما نحب من ألوان.. بقدر ما ننتبه لاستخدام ما هو حقيقي ومناسب للصورة!
نحن لن نرسم الصورة الحقيقية بحذافيرها، (من يجرؤ على ذلك؟)... ولن نعرف الأبعاد الحقيقية ولو مرةً واحدة، (هل تستطيع أن تواجه المرأة أو الوطن برأيك الواقعي؟)، وسنظلّ نهجس بالألوان الفاقعة والزاهية، ونُعلّقُ حبال الزينة على بيوت من نحب، لكن الدروس أو الخيبات تجعلنا لاحقاً أقرب للرسم الحاذق؛ نرسمُ. ونزوّقُ أيضاً. لكنَّها بنسبةٍ ما؛ تجعلُ الخيبات لاحقاً أخفّ.
وتجعلُ صوت ارتطام البراويز، حين تسقط على الأرض، أقلّ صخباً!
وتجعلنا نحاول لملمة الصورة وقطع الزجاج بأقلّ ما يمكن من جروحٍ في اليدين!
وبأقلّ قدر من المسامير المهجورة على الحيطان.

الجمعة، 25 يناير 2019

كلام ابن الجوزي عن التأليف بالنظر لمراحل عمر العالم

منقول
صيد الخاطر: 241-243، و277-278. دار القلم. دمشق. 1425هـ - 2004م.



فصل: التصنيف المفيد ومراحل عمر العالم
743- رأيت من الرأي القويم أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة؛ لأني أشافه في عمري عددًا من المتعلمين، وأشافه بتصنيفي خلقًا لا تحصى ما خلقوا بعد، ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم.
744- فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وفق للتصنيف المفيد؛ فإنه ليس كل من صنف صنف، وليس المقصود جمع شيء كيف كان، وإنما هي أسرار يطلع الله -عز وجل- عليها من شاء من عباده، ويوفقه لكشفها، فيجمع ما فرق، أو يرتب ما شتت، أو يشرح ما أهمل، هذا هو التصنيف المفيد.
745- وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر؛ لأن أوائل العمر زمن الطلب، وآخره كلال الحواس. وربما خان الفهم والعقل من قدر عمره؛ وإنما يكون التقدير على العادات الغالبة؛ لأنه لا يعلم الغيب. فيكون زمان الطلب والحفظ والتشاغل إلى الأربعين.
746- ثم يبتدئ بعد الأربعين بالتصانيف والتعليم، هذا إذا كان قد بلغ مع ما يريد من الجمع والحفظ، وأعين على تحصيل المطالب.
فأما إذا قلَّت الآلات عنده من الكتب، أو كان في أول عمره ضعيف الطلب، فلم ينل ما يريده في هذا الأوان، أخر التصانيف إلى تمام خمسين سنة، ثم ابتدأ بعد الخمسين في التصنيف والتعليم إلى رأس الستين.
747- ثم يزيد فيما بعد الستين في التعليم، ويسمع الحديث والعلم، ويقلل التصانيف إلا أن يقع مهم إلى رأس السبعين.
748- فإذا جاوز السبعين، جعل الغالب عليه ذكر الآخرة والتهيؤ للرحيل، فيوفر نفسه على نفسه، إلا من تعليم يحتسبه، أو تصنيف يفتقر إليه؛ فذلك أشرف العدد للآخرة.
ولتكن همته في تنظيف نفسه، وتهذيب خلاله، والمبالغة في استدراك زلاته، فإن اختطف في خلال ما ذكرناه، فـ"نيبة المؤمن خير من عمله"، وإن بلغ إلى هذه المنازل، فقد بينا ما يصلح لكل منزل.
749- وقد قال سفيان الثوري: من بلغ سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليتخذ لنفسه كَفَنًا. وقد بلغ جماعة من العلماء سبعًا وسبعين سنةً، منهم أحمد بن حنبل، فإن بلغها، فيلعلم أنه على شفير القبر، وأن كل يوم يأتي بعدها مستطرف.
750- فإن تمت له الثمانون، فيلجعل همته كلها مصروفة إلى تنظيف خلاله، وتهيئة زاده، وليجعل الاستغفار حليفه، والذكر أليفه، وليدقق في محاسبة النفس، وفي بذل العلم، أو مخالطة الخلق، فإن قرب الاستعراض للجيش يوجب عليه الحذر من العارض، وليبالغ في إبقاء أثره قبل رحيله، مثل بث علمه، وإنفاق كتبه، وشيء من ماله.
ويعد: فمن تولاه الله عز وجل علمه، ومن أراده ألهمه. نسأل الله عز وجل أن ينعم علينا بأن يتولانا، ولا يتولى عنا، إنه قريب مجيب.
****
وقال في مقام آخر:
فصل: الاستعداد للموت
878- ما أبله من لا يعلم متى يأتيه الموت، وهو لا يستعد للقائه! وأشد الناس بلهًا وتغفيلًا من قد عبر الستين، وقارب السبعين -فإن ما بينهما هو معترك المنايا، ومن نازل المعترك، استعد- وهو مع ذلك غافل عن الاستعداد.
قال الشباب: لعلنا في شيبنَا ... ندع الذنوبَ، فما يَقُوْلُ الأَشْيَبُ؟
والله، إن الضحك من الشيخ ما له معنى، وإن المزاح منه بارد المعنى، وإن تعرضه بالدنيا -وقد دفعته عنها- يضعف القوى، ويضعف الرأي. وهل بقي لابن ستين منزل؟!
879- فإن طمع في السبعين؛ فإنما يرتقي إليها بعناء شديد: إن قام، دفع الأرض، وإن مشى، لهث، وإن قعد، تنفس، ويرى شهوات الدنيا، ولا يقدر على تناولها، فإن أكل، كد المعدة، وصعب الهضم، وإن وطئ، آذى المرأة، ووقع دنفًا، لا يقدر على رد ما ذهب من القوة إلى مدة طويلة، فهو يعيش عيش الأسير.
880- فإن طمع في الثمانين، فهو يزحف إليها زحف الصغير.
وعشر الثمانين من خاضها ... فإن الملمات فيها فنون
881- فالعاقل من فهم مقادير الزمان؛ فإنه فيما قبل البلوغ صبي، ليس على عمره عيار، إلا أن يرزق فطنة، ففي بعض الصبيان فطنة تحثهم من الصغر على اكتساب المكارم والعلوم.
فإذا بلغ، فليعلم أنه زمان المجاهدة للهوى، وتعلم العلم، فإذا رزق الأولاد، فهو زمان الكسب للمعاملة، فإذا بلغ الأربعين، انتهى تمامه، وقضى مناسك الأجل، ولم يبق إلا الانحدار إلى الوطن.
كأن الفتى يرقى من العمر سلمًا ... إلى أن يجوز الأربعين وينحطُّ
فينبغي له عند تمام الأربعين أن يجعل جل همته التزود للآخرة، ويكون كل تلمحه لما بين يديه، ويأخذ في الاستعداد للرحيل، وإن كان الخطاب بهذا لابن عشرين، إلا أن رجاء التدارك في حق الصغير لا في حق الكبير.
882- فإذا بلغ الستين؛ فقد أعذر الله إليه في الأجل، وجاز من الزمن، فليقبل بكليته على جمع زاده، وتهيئة آلات السفر، وليعتقد أن كل يومٍ يحيا فيه غنيمة ما هي في الحساب، خصوصًا إذا قوي عليه الضعف وزاد، فإنه لا محرك كهو. وكلما علت سنه، فينبغي أن يزيد اجتهاده.
883- فإذا دخل في عشر الثمانين، ليس إلا الوداع، وما بقي من العمر إلا أسف على تفريط، أو تعبد على ضعف.
نسأل الله عز وجل يقظة تامة، تصرف عنا رقاد الغفلات، وعملًا صالحًا نأمن معه من الندم يوم الانتقال. والله الموفق.