أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 16 مايو 2019

محمود درويش بعيون حبيباته وبلسان أعدائه (3)

2019-05-15  بقلم: بلال فضلالعربي الجديد

لم تكن قصة حب الشاب الفلسطيني محمود درويش والشابة الإسرائيلية تمار بن عامي، هي قصة الحب الوحيدة التي عرضها فيلم (سجل أنا عربي) للمخرجة ابتسام مراعنة، فقد أفرد الفيلم مساحة أقل لقصة حب محمود درويش مع السورية رنا قباني ابنة شقيق الشاعر السوري الكبير نزار قباني، والتي تحولت إلى زواج قصير مضطرب انتهى بطلاق عاصف، ثم عودة قصيرة إلى الزواج، ثم فراق أخير أنهى قصة الحب التي بقي منها لدى رنا قباني تقدير كبير للشاعر الذي ترجمت بعض أشعاره إلى الإنجليزية، وذكريات مركّبة عن الإنسان استعادتها في سلسلة حلقات نشرتها صحيفة (القدس العربي) اللندنية قبل سنوات.
رنا قباني 

ربما كان من شأن عرض الفيلم لقصة الحب "العربية" تلك، أن يهئ غضب بعض محبيه الذين أزعجهم حب "شاعر الأرض المحتلة" لفتاة إسرائيلية، خاصة أن حبه لتمار لم يكن نزوة عابرة كما أوضح الفيلم، إلا أنني شعرت وأنا أشاهد تفاصيل تلك القصة كما عرضها الفيلم، أن قصة حب محمود وتمار ألقت بظلالها على قصة حب محمود ورنا، وما جعلني أتصور أن ذلك مقصود من صانعة الفيلم، أنها لم تعرض وقائع قصة حب أخرى في حياة محمود درويش انتهت أيضا بزواج قصير، كانت بطلتها المصرية حياة الهيني، مع أن تلك القصة لم تكن سرية، حيث ظهرت بطلتها من قبل لتتحدث في فيلم تسجيلي سابق عن زواجها بمحمود درويش، وكان يمكن لو لم يتيسر لمخرجة الفيلم لقاءها خصيصا، أن تستعين بما تم تسجيله معها من قبل، خاصة أن المخرجة كانت قد قالت في تصريحات سابقة لها إنها هدفت من صناعة الفيلم لأن يرى الجمهور محمود درويش في الفيلم بعيون النساء اللواتي أحبهن. لا أريد أن أجزم بتعمد ذلك الإسقاط لقصة حياة الهيني، للإبقاء على وجود تشابه بين قصتي محمود مع تمار ورنا، فقد يكون حصل ذلك مصادفة أو سهوا، لكن المؤكد أن الفيلم لم يقدم كما وعد كامل تفاصيل صورة "العاشق سيئ الحظ" محمود درويش، وهو تعبير وصف محمود به نفسه في قصيدة جميلة له في ديوان (هي أغنية هي أغنية) يقول مطلعها: "أنا العاشق سيئ الحظ.. تمرد قلبي عليّ.. أنا العاشق سيئ الحظ.. أغنية لي وأخرى عليّ".

حياة الهيني ومحمود درويش 

بمجرد أن ترى في الفيلم صورة قديمة لرنا قباني، التي وقع محمود في غرام جمالها الصاعق، حين رآها وهي في الثامنة عشر من عمرها عام 1977 في أمسية شعرية له بالعاصمة الأمريكية واشنطن حيث كانت تدرس هناك، ستدرك وجود تشابه كبير بين ملامح رنا وملامح وجه حبيبته القديمة تمار، التي كانت في نفس عمر رنا حين أحبها محمود، وكانت قصة حبهما قد ولدت أيضا في أمسية شعرية، كانت تمار تجلس بين جمهور الأمسية، بعد أن أنهت فقرتها الغنائية التي لفتت نظر محمود إليها، أما رنا فقد كانت تجلس في الصف الأول وتستمع فقط إلى محمود، وأربكها أنه لم يرفع عينيه عنها طيلة الوقت، تماما كما حدث مع تمار، لكن الفارق أن محمود قام هذه المرة بعرض الزواج على رنا بعد ساعة من انتهاء الأمسية، ليتزوجا بالفعل قبل أن تمر 24 ساعة على لقائهما الأول، ولتجد نفسها في وقت قياسي معه في باريس، في انتظار فتح مطار بيروت أمام حركة الملاحة.
أقامت رنا مع محمود في شقته الصغيرة بباريس، وفوجئت هناك بعالم صاخب لم تكن تتوقعه، حيث يشاركها في زوجها كل ليلة، عشرات من أصدقائه الذين يأتون ليأكلوا ويشربوا ويسهروا دون إشعار مسبق، ولذلك لم تتحمل عناء هذا الزواج طويلا، لتنفصل عن محمود وتعود لإكمال دراستها في واشنطن، لكنه لم يقو على فراقها، وأخبرها أنه مستعد لأن يعودا سويا وأن يعيشا خارج بيروت، في مكان يحتفظان فيه بخصوصية زواجهما، وبالفعل عادا وأقاما في باريس لفترة، كانت فيه الزوجة والصديقة والحبيبة والمرشدة والمترجمة أيضا، لأن محمود لم يكن يتكلم الفرنسية، لكن الزيجة لم تستمر طويلا، وحدث بعدها انفصال نهائي، وإن كان محمود درويش قد بقي مقيما في باريس لفترة طويلة، قبل أن يكون له بيت آخر اختار أن يكون في العاصمة الأردنية عمّان، ربما ليكون أقرب إلى رام الله التي ووري جسده في ترابها.

تحكي رنا ذكرياتها تلك مع محمود، وهي تجلس في شقتها الجميلة بباريس بعد مرور أكثر من 35 عاما على بدء قصة حبها بمحمود، فتشعر وأنت تقرأ أن حبها له تماما مثل وجهها الجميل، لم تؤثر فيه كثيرا ملامح الزمن، لكن الأيام جعلتها وجعلت حبها أنضج وأهدأ، ويبدو حديثها عن قصتها العاصفة مع محمود، ممتلئا بقدر كبير من التصالح مع النفس، واستيعاب أن ما جرى من منعطفات حادة في علاقتهما، كان أمرا حتميا لعلاقة ولدت بشكل متسرع، ومضت نحوها مندفعة دون أن تهتم بتحذيرات الكثيرين من خطورة التسرع أو من وجود فارق سن كبير بينهما، لكنها برغم فشل العلاقة، تتحدث عن محمود طيلة الوقت بتقدير يخلو من المرارة أو الضغينة، ولذلك تبدو الحكايات التي تحكيها عن تفاصيل زواجهما مثيرة للضحك ودالة على الوجه الإنساني لمحمود درويش الذي كان يبدو لنا من خلال حواراته التلفزيونية وأمسياته هادئا متعقلا، لذلك ستضحك من قلبك وأنت ترى رنا تحكي كيف غضب منها ذات يوم، حين طلبت منه أن يقوم بغسل الأطباق المتراكمة من جراء امتلاء الشقة كل ليلة بأصدقائه القادمين للعشاء بلا دعوة ولا تحضير، ودخلت لتنام غاضبة، فاستمعت إلى أصوات تهز الشقة، فظنت أنها أصوات غارة اسرائيلية تداهم بيروت، لتجري مسرعة بحثا عنه، فتجد أن الصوت قادم من المطبخ، حيث كان محمود يقف ممسكا بالأطباق المتسخة، ويقوم برميها على الأرض لتنكسر تباعا، تحكي رنا هذا الموقف وغيره، وهي تضحك بهدوء لا يخلو من شجن تشعره وهي تتحدث عن محمود، مما جعلني أسأل كيف كان سيكون موقفها لو سألتها مخرجة الفيلم عما إذا كانت تعرف بقصة الحب الأولى التي جمعت محمود بالإسرائيلية تمار، وهل حكى لها عن تلك القصة أم لا، لكن يبدو أن المخرجة أدركت عواقب سؤال مثل هذا، وخشيت حتى من أن تسند مسئولية السؤال الطبيعي لمن يتحمل عواقبه.
برغم جمال وعذوبة ما حكته رنا قباني في الفيلم وما كتبته أيضا عن محمود درويش في ذكرياتها، إلا أنني شعرت من خلال حديثها، أنها ربما كانت متحرجة من أن تقول الكثير عنه كزوج وإنسان، وأكد لي ذلك تعليق كتبته ذات مرة على ردود أفعال قرائها المشجعة للحلقة السادسة من ذكرياتها، حيث قالت إن ردود الأفعال المرحبة بما كتبته ـ والتي رأت أنها تثبت تطور وعي القارئ العربي ـ شجعتها وقلّلت خوفها من أن يغضب جمهور محمود درويش إذا حكت أكثر عن حياتهما، ثم قامت بعد ذلك بتذكر واقعة ملفتة جدا ومتعلقة بموضوع فيلم (سجل أنا عربي)، وهي أنها كانت مدعوة للعشاء مع زوجها محمود درويش وقريبتها الشامية الكاتبة الشهيرة غادة السمان وزوجها الناشر بشير الداعوق، وتحدثت غادة في العشاء عن استعدادها لنشر رسائل الحب التي كان يبعث بها إليها الكاتب الفلسطيني الكبير غسان كنفاني، فأعجبت رنا الدارسة في الغرب والمقيمة أغلب عمرها فيه، ليس فقط بشجاعة وتحرر غادة السمان، وإنما بتحضر زوجها الذي لم يشعر أن في الأمر إهانة له، لكنها شعرت أن محمود درويش تغير مزاجه قليلا.
عندما عاد محمود ورنا إلى البيت فوجئت بأنه غاضب جدا، و كما تقول فإن محمود درويش "استهجن سماح الزوج لزوجته أن تفضح ماضيها الغرامي مع من سبقه، رغم أن من سبقه كان رجلا سيرته تهم الناس و القضية الفلسطينية خاصة أن الكاتب والشاعر و الفنان هو مجرد ما يُنتج — أي عمله فقط — و ليس حياته الخاصة، التي لا تدل على ما هو أبداً، فأغضبت محمود اكثر حينما ردّيت أن هذه النظرية السوفيتية المذهب التي كانت قد أقنعته بهذه السذاجة وقتها، تحرم القارىء من التفاصيل الأساسية لفهم الكاتبة أو الفنانة، أو الشاعر أو الموسيقار، وأعطيته ادلة كثيرة من حياة الشاعرة الأميركية أملي ديكنسون، والشاعر اليوناني الاسكندراني كافافي، والشاعر ت.س. إليوت، والكاتب الياباني تانيزاكي، التي لا بد وأن تزيد العمق في قراءة أعمالهم. سمع ما قلت، وأظن انه احتار بأمره، فذهب الى النوم وهو ما زال يقلب الفكرة بعقله الجدلي اللامع. بعد أسبوع، أخذ من بين كتبي كتابا يروي حياة مارسيل بروست، و طلب مني أن أختار منه عدة صفحات أعجبتني، و ان أترجمها له".



بالطبع، لا ندري كيف كان سيشعر محمود درويش لو كان حيا، وقرأ ما تكتبه رنا عنه، أو لو كان قد شاهد النساء اللواتي أحبهن، تمار ورنا وحياة، وهن يتحدثن عنه، هل كان سيغضب لأنه لا يزال يرى أنه ليس في حياته شيئا يهم أحدا سوى شعره ومواقفه وأفكاره، أم أنه كان سيتقبل وجهة النظر التي ترى أن معرفة قارئه بحياته تجعله يغوص أكثر في تذوق أدبه وفهم مواقفه، فلكل من الموقفين وجاهته ومنطقه. لا أستطيع مثلا كقارئ معجب بمحمود درويش وقارئ لكل ما كتبه شعرا ونثرا، أن أقول إن هذا الفيلم جعلني أرى محمود درويش بشكل مختلف يجعلني أحبه أكثر، أو أحب كتابته أقل، لأن كل ما أريد معرفته عن محمود درويش عرفته بالفعل من خلال شعره الجميل ونثره الرائع، ولا أعتقد أن حبي مثلا لقصيدة (بين ريتا وعيوني بندقية) كان سيقل لو كنت قد عرفت أن ريتا درزية أو شيعية أو صينية، لأنني كنت أرتل نفس القصيدة بخشوع بالغ، في حضرة حبيبتي الأولى التي كانت تسكن قرب مقابر الإمام التونسي، وكنت وقتها أتخيل أن البندقية التي تقف بيني وبينها هي بندقية المجتمع الذي يمنع شابا فقيرا مثلي من الزواج بها، وبنفس الطريقة كنت أقرأ وأردد (أيها المارون بين الكلمات العابرة) وأنا أتخيل أنني أوجهها لحسني مبارك وأسرته وألاضيشه، دون أن أفكر لمن كتبها محمود، وهل كان حقا يقصد بها كل الإسرائيليين حتى أصدقاءه المحبين للسلام من وجهة نظره، أم أنه كان يقصد فقط جنود الإحتلال الذين يكسرون أذرع الأطفال، وحتى المواقف السياسية التي أعلنها محمود درويش في الفيلم وفي غيره وبدت صادمة للبعض، لا أظن أنني سأتذكرها أبدا وأنا أقرأ مثلا (جدارية) محمود درويش التي قال فيها كل شيئ يمكن قوله ليس عن فلسطين فحسب، بل وعن كل شيئ في هذا الكون.



ما أضافه لي فيلم (سجل أنا عربي) أنني استمعت به، وأنني اكتشفت أنني لا زلت أحتفظ بهشاشتي تجاه صوت محمود درويش، بدليل أنني بكيت في ظلام قاعة العرض وأنا أستمع إليه يردد قصيدة "سجل أنا عربي" التي لم أعد أحبها منذ 15 عاما على الأقل، وما أنا ممتن لمخرجة الفيلم بسببه، وبرغم كل شيء، هو أنني قضيت وقتا جميلا بصحبة محمود درويش ومحبوبتيه، ومن حديثهما الحميم الدافئ عنه، أدركت كم هو جميل أن يحب الرجل امرأة حبا جميلا، يجعلها تذكره بحب حين تأتي سيرته، فضلا عن أن مشاهدة ذوق محمود درويش في الجمال، جعلني أتذكر أيام كنت معجبا مهووسا به، لدرجة أن إعجابي به جعلني أتخلى عن مبدأ أصيل كنت أعتنقه منذ اقتربت بدءا من عام 1991 من أوساط الفنانين والأدباء والكتاب، وهو ألا أطارد أبدا كاتبا أو فنانا مشهورا لكي أسلم عليه أو أحصل على توقيعه أو أطلب التقاط صورة معه، مهما كانت محبتي له، وهو ما التزمت به مع فنانين وكتاب كثيرين أحبهم، كان يمكن أن يكون لدي معهم ومنهم صور أو توقيعات أتفشخر بها على أقراني، وقد كانت محافل القاهرة في التسعينات من القرن الماضي لا زالت تموج بكبار الأسماء المصرية والعربية اللامعة في كل المجالات.

كنت أقول لنفسي دائما طالما لم تأت فرصة التقاط الصورة أو الحصول على التوقيع من الكاتب أو الفنان ونحن أصدقاء بالفعل أو نعرف بعضنا فعلا فلا قيمة لذلك، ومع ذلك فقد فشلت في الإلتزام بهذا المبدأ مع محمود درويش، حين حضرت له عام 1994 أمسية شعرية في قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبعد انتهائها ظللت أحوم حوله لأكثر من ساعة وأراقبه وهو يتبادل التحية مع معجباته، وربما غرني إقباله عليهن بالقبلات واللمسات والهمسات والضحك المسرسع، فأخرجت من حقيبتي المهترئة نسخة من ديوانه الأحدث وقتها (أحد عشر كوكبا) ـ طبعة دار توبقال المغربية ـ وكنت قد دفعت فيها ثمنا باهظا اقتطعته من قوتي المحدود كطالب جامعي، لأنتهز فرصة نزوله على السلالم وقد خف الزحام من حوله، لأقطع طريقه وأقف أمامه متسمرا ومادا يدي اليمنى بالديوان، واليسرى بقلم، وأنا "فاشخٌ ضَبّي" عن ابتسامة عريضة بلهاء، لأفاجأ به ينهرني، ويطلب مني أن أخلي السلم لكي يتمكن من النزول، لأعود إلى البيت ليلتها وفي قلبي جرح سطحي أحدثه شاعري الأوحد وقتها، فلم يعد كذلك بعد أن زاحمه مع مرور السنين شعراء آخرون في المكانة والمحبة والتقدير، وها أنا الآن بعد أن شاهدت هذا الفيلم أتذكر كم كانت جميلة وجوه المعجبات اللواتي كان محمود درويش لطيفا معهن، وكم كان مناقضاً لهن مظهري وأنا أعترض طريقه، فأتفهم موقفه وأسامحه على "شخطته "بعد أن كنت قد أزمعت أن أختصمه فيها يوم الحساب.

محمود درويش بعيون حبيباته وبلسان أعدائه (2)

بقلم: بلال فضلالعربي الجديد2019-05-14  

بالطبع لم يكن العشريني محمود درويش يتصور وهو يكتب رسائله إلى حبيبته الإسرائيلية تامار بن عامي أن سطور رسائله ستكون بعد خمسين عاما من كتابتها، مجالا لسجال يحول تلك القصة الإنسانية المركبة إلى موضع اتهام لدرويش، فيعتبر البعض أن حبه لتامار كان تفريطا في الثوابت الوطنية، ويتصور البعض أن افضل وسيلة للدفاع عن وطنية شاعره المفضل هي التأكيد على أن تامار بن عامي لم تكن الإسرائيلية الوحيدة التي أحبها، وأنه كأي شاب وكأي شاعر كان لديه نزوات متعددة، لم تكن تامار سوى واحدة منهن. وأحمد الله أنني ـ حتى الآن على الأقل ـ لم أقرأ من يتهم محمود درويش الشاب بخيانة بنات وطنه اللواتي كُنّ أولى بحبه من تلك الإسرائيلية التي قدم أهلها مهاجرين من بولندا. ومن يدري ربما لو كان محمود درويش حيا وقت عرض الفيلم لشاهدناه يخضع لاستجواب تلفزيوني يضطره للدفاع عن نفسه بالتذكير بأن مرآة الحب عمياء وسهمه نافذ، وربما اضطر تحت الضغط الإعلامي أن يطلب من جمهوره الغاضب أن يذكر له أنه أنهى قصة الحب تلك بشكل سحق فيه مشاعر تامار بن عامي، وأثبت لها أنه يمكن أن يخسرها من أجل القضية الفلسطينية.


حدث ذلك بالفعل في باريس كما تحكي تامار بن عامي، بعد أن جمعت الدنيا ثانية بينها وبين محمود درويش بعد فترة من الانقطاع دامت سنين طويلة. كان ذلك في نهاية الثمانينات من القرن الماضي حين تعرض درويش لهجوم اسرائيلي كاسح بسبب قصيدته الشهيرة "أيها المارون بين الكلمات العابرة احملوا أسماءكم وانصرفوا"، والتي كتبها كرد فعل على مشاهد القمع الإسرائيلي الوحشي للانتفاضة الفلسطينية، ليتم اتهامه على نطاق واسع بمعاداة السامية والسعي لإبادة اليهود من الوجود، وهو هجوم يكشف لنا فيلم المخرجة ابتسام مراعنة أنه أربك محمود درويش وضايقه جدا، خصوصا أن أصدقاءه الإسرائيليين سواءً كانوا يساريين أو ليبراليين أو غيرهم ممن يصفون أنفسهم بأنهم "أنصار السلام" شاركوا في ذلك الهجوم الشرس الذي احتفت به الميديا الغربية ولاحق محمود درويش في محل إقامته الجديد في باريس، ليجد نفسه في موقع المدافع الذي ينكر وجود بعض الكلمات التي تمت نسبتها إلى القصيدة بعد ترجمتها إلى العبرية.


ولذلك كان مفاجئا لدرويش أن تخرج تامار بن عامي عن صمتها الطويل، لتجري حوارات صحفية وتلفزيونية تكشف فيه عن قصة حبهما للجمهور الإسرائيلي الذي عرفها راقصة ومطربة شاركت في بعض الأغنيات الداعمة للجيش الإسرائيلي، لتؤكد في حواراتها أن محمود درويش الذي عرفته وأحبته لا يمكن أن يوافق على إبادة اليهود، وأنه مؤمن بالسلام والتعايش، وهو ما جعل درويش يتصل بها ليشكرها على موقفها، ويدعوها لكي يلتقي بها في باريس، بعد أكثر من عشرين سنة من القطيعة بدأت بعد خروجه إلى منفاه الاختياري في القاهرة ثم إلى بيروت وأخيرا إلى باريس.
لا تخجل تامار بن عامي من الاعتراف أنها لم تتردد في تلبية الدعوة فورا، لتطير إلى باريس، وحين وصلت إليها في شهر أكتوبر عام 1989، أخذت تتصل بالرقم الذي أعطاه لها محمود لمدة أسبوع، فلم تجد أحدا، بل وردت عليها في إحدى المرات سيدة قالت لها إنه غير موجود، لكنها لم تيأس وظلت مقيمة في باريس في انتظار مكالمته، وعندما سألتها المخرجة لماذا فعلت ذلك ولم تغضب لنفسها بسبب تجاهله، قالت بانفعال "لأنني أحببته"، وبالفعل لم يضع إصرار تامار عبثا، فقد التقى بها درويش في منزله، الذي لاحظت حين وصوله أنه كان في عمارة بدا أنها تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكنها وصفت اللقاء بأنه كان لقاءا فاترا ومربكا، وقطعه اتصال بين محمود درويش وياسر عرفات لم تفهم ما دار فيه لأنهما تحدثا بالعربية، لكنها شعرت أنه اتصال متوتر، خاصة أن اللقاء انتهى سريعا بعد ذلك على أمل لقاء ثانٍ قريب.
لكن ذلك اللقاء المنتظر لم يتم برغم اتصالها كثيرا بدرويش دون أن يرد، بل إنها ذهبت إلى منزله وطرقت الباب فلم يفتح، وحين اتصلت به من هاتف عمومي رد عليها بانفعال وقال لها إنه لا يستطيع أن يلتقي بها، وحين سألته لماذا، فوجئت به يصرخ فيها طالبا منها أن تتوقف عن الرومانسية واتهمها بأنها لا تفهم كل ما يحدث حولهما، وأنها لا تريد أن تدرك أن كل ما بينهما انتهى، ثم أغلق في وجهها التليفون لتنهار باكية، وتستنتج بعد ذلك أنه ربما تلقى تحذيرات من قادة منظمة التحرير بألا يلتقي بها لأن ذلك يمكن أن يستغل ضده وضد القضية الفلسطينية. لكنها ومع ذلك، قررت أن ترسل إليه رسالة أخيرة، تقول فيه إنها حزينة لأنها طلبت منه أن يلتقيها للمرة الأخيرة لساعة بعد 25 سنة من الغياب، معترفة أنها لا تدرك حتى الآن كيف تجرأت على أن تطلب منه أن يلتقيها ساعة واحدة فقط، لكن الرسالة لم تصل إلى محمود، ليكون ذلك آخر مشهد في قصة حبهما.
تمار مع رسائل درويش 

قبل ذلك المشهد بربع قرن، كان بين الحبيبين مشهد سابق كان يفترض أنه المشهد الأخير، حدث ذلك حين صدر قرار القبض على محمود بسبب قصيدة (سجل أنا عربي) التي اعتبرت سلطات الاحتلال أن بعض أبياتها مثل: "ولكن إذا ما جعت آكل لحم مغتصبي.. حذارِ حذارِ من جوعي ومن غضبي" تمثل تحريضا واضحا على العنف. وقبل أن يتم القبض على محمود أرسل رسالة إلى تامار يطلب منها أن تأتي إلى حيفا لكي يلتقيا قبل أن يذهب للسجن، قائلا لها: "لا تملكين وقتا لكتابة جواب لرسالتي، كوني أنت الجواب، أنتظرك، لا تخيبي أملي، تعالي". لكن تامار لم تأت لأنها كانت قد بدأت تتزايد عليها الضغوط من محيطها لإنهاء العلاقة التي كان أبواها الشيوعيان يعرفان بها ويتسامحان معها على عكس غيرهما، معترفة حسبما قالته في الفيلم أنها بعد مرور تلك السنين تشعر بالندم لأنها لم تقاتل من أجل حبه لها، لأنها بسبب صغر سنها لم تستوعب حبه الكبير لها، خاصة أنها كانت قد بدأت تعاني من أزمة هوية، وتشعر أنها لا بد من أن تركز على تعليمها الذي أهملته.
لم يكن محمود درويش مغيبا عن إدراك الواقع لكي لا يشعر بارتباكها وحيرتها، ولذلك كتب لها رسالة يعرضها الفيلم، قال فيها إنه يشعر بما تعانيه وبأنها لا تستطيع التغلب على بحر الأفكار الهائج الذي يحيط بها، لكنه اقترح عليها ألا تحسم علاقتهما بسهولة ودعاها لأن "يعتمدا معا على الأيام ويتركا الرياح توجه سفينة حبهما كيفما شاءت"، لكنه وحين تزايدت الضغوط عليه هو أيضا، وشعر أن محبوبته لا تتجاوب معه بالشكل الكافي، وأدرك أن قصة حبهما ليس لها مستقبل كتب لها رسالة أنقل نصها معتمدا على ترجمة قام بها الكاتب وديع عواودة، ونشرها في مقال متميز بصحيفة (القدس العربي) ترجم فيه عن العبرية نصوص رسائل درويش لحبيبته والتي عرضها الفيلم مترجمة إلى الإنجليزية، يقول درويش في رسالته "تاماري، هذا الأسبوع فكرت بك كثيرا. والأفكار بعثت مشاعر غير لطيفة. رأيت بك الصورة السيئة.

اضطررت على نسيان الوجوه الحلوة. هل هناك وجوه كهذه…يا ليتها كانت. يساورني شعور بأنني جريح جدا. وأحيانا أشعر بالبؤس. اعترف أنه من غير المقبول أن تكتب رسائل حب بهذا النص ولكن ما هو الحب؟ رغم كل شيء الحب لعبة تستبطن تناقضات خاصة، الحب في زماننا الذي يتميز بالكذب. ربما ليس لطيفا قراءة هذه الكلمات القاسية الفظة التي تذّل طهارة حب تؤمنين به. أطلب سماحك فلم أقصد إهانة أحد ولا التلميح لأي شيء. فقط فتحت قلبي وللتو سأغلقه. إلى اللقاء. محمود".
سيساعدنا على فهم ذلك القرار الانفعالي الذي اتخذه محمود تأمل رسالة أخرى كتبها بعد أجواء عاصفة عاش فيها الحبيبان حين تم اكتشاف أنهما ليسا مجرد رفيقين يحضران أنشطة الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وأن علاقة عاطفية تجمعهما لدرجة أنها باتت ليلة في منزل درويش بعد أن تأخرا سويا في فعالية ثقافية، وطلبت تامار من صديقة لها أن تكذب وتخبر أهلها أنها ستبيت لدى زميلة لهما لا تمتلك هاتفا، وعندما انكشفت الكذبة غضب أهلها بشدة، وهو غضب تقول تامار ضاحكة وهي تتذكره أن الزمن كان مختلفا وقتها عن هذه الأيام.

سطور كتبها درويش كما عرضها فيلم سجل أنا عربي 

يبدو ذلك جليا من رسالة درويش التي قال فيها :"إلى حبيبتي الوحيدة في العالم. صدقيني لم تكن حالتك أقسى من حالتي. كنت معك لحظة بلحظة وكل الوقت كنت مشغولا بالتفكير. باليوم التالي لم أعمل وقد زارني شقيقي وزوجته فجالستهما خمس دقائق وهربت. رغبت أن أعرف ماذا جرى لك في البيت بعدما عدت من حيفا خاصة أن أمك طلبتني بالهاتف كما أخبرني الزملاء في المكتب. بعدها دخل «جورج» وروى لي ما يحدث. ولم أقو على القول إنني لم أشاهدك. تاماري، هذه المرة أؤمن أن الكلمات عاجزة. لماذا اتهم نفسي طالما أننا نعرف أن كل شيء كان سيمر بسلام لولا قلة مسؤولية روني. رغبت بالسفر إليك للقدس كي أهدأ روعي وروعك. توجهت للحاكم العسكري بعد ظهر يوم الأحد للحصول على تصريح سفر فرفض طلبي. كانت أوقات حلمت بها باحتساء الشاي معك عند الغروب أي أن نكون شركاء في الفرح والسعادة. صدقيني يا غاليتي أن هذا يزيد قلبي دفئا عندما تكونين بعيدة، ليس لأنني أحبك أقل بل لأنني أحبك أكثر. مرة أخرى أكرر أمامك أنني معك وأنت لست وحيدة. ربما ستعانين بسببي لكنني أمثل لجانبك ولا أخفي شيئا. شكرا لك تاماري، لأنك منحت حياتي مذاقا معينا. إلى اللقاء. محمود".

برغم أنك تعرف منذ بداية مشاهدة فيلم (سجل أنا عربي)، أنك تتابع قصة حب انتهت منذ قديم، إلا أنك إذا كنت محبا لشخص محمود درويش وشعره، ستجد نفسك سارحا في تأمل (صورة العاشق في شبابه)، لترى في رسائله نفس الروح التي كان يكتب بها قصائده العاطفية المبكرة التي لا أنسى منها قصيدة قصيرة كنت مدلّها بحبها في فترة الجامعة تقول: "حبنا أن يضغط الكف على الكف ونمشي.. وإذا جعنا تقاسمنا الرغيف.. في سواد الليل أحميك برمشي.. وبأشعار على الشمس تطوف"، وهي أبيات تذكرتها وأنا أقرأ درويش وهو يكتب بالعبرية هذه المرة قائلا لحبيبته: "صحيح أنك لست عندي الآن لكنك ما زلت معي. أسمع صوتك يعوم في نور عينيك، أتكىء على كتفك، أتناول الطعام وإياكِ، وأضغط على يدك المستقرة بيدي كعصفور لا يرغب أن يطير. إلى أين يطير؟ من عندي إلى عندي. تاماري أراك وأشعر بك كل لحظة. بوسعك أن تخلدي للنوم بهدوء دون أحلام مزعجة وبلا ظنون. أنت في غرفتي.. داخل سريري…في حقيبتي.. في كتابي.. في قلمي.. في قلبي.. وفي دمي. ثمة أمر جديد أريد أن أكشفه لك فلا تندهشي. اليوم حدقّت بالمرآة وشاهدت محمودا جديدا. أكثر حلاوة وصحة وسعادة. تاماري، لن أسألك هذه المرة متى نلتقي لأننا معا"، وفي رسالة أخرى يكتب قائلا "تاماري الحلوة إن قبلتك الخاطفة كانت كقبلة العصفور.. وهي قبلة إنسانية نجحت بتطهير الفؤاد تماما من كل ظن، سؤال، شك وكراهية. كل احترام لقلبك الطاهر يا تاماري. أنا في انتظارك".
في حين تلقي سطور رسالة أخرى الضوء على علاقة محمود العشريني بصحته وبأشعاره أيضا: "تاماري، بدايةً، اعتذاري. لم أكتب فورا لأنني رغبت تلقي رسالتك الإضافية التي وعدت بها ولم تبلغني بعد. بما أنني غير راغب بإدارة سباق معك جلست في غرفتي وبدأت أكتب. السبت. القرية. الكتب متناثرة على طاولتي الفوضوية وبجانبها صحف ومجلات وفناجين قهوة هنا وهناك. أنا غارق بالتفكير بأن القصيدة هي عمل حقيقي ليس فقط حينما يجلسون ويكتبون كلمات على الورق إنما هي عمل متواصل ليل نهار. أعرف أنك راغبة بمعرفة ما إذا كتبت جديدا. نعم. الكثير من الجديد. بالمناسبة اعتلّت صحتي ثلاثة أيام والطبيب منعني من التدخين وتناول الكحول، وبخّني. وهو طبيب مهووس. تحديا له دخنت وشربت فوق العادة فماذا كانت النتيجة؟ لم أمت. بالعكس، شعرت بالتحسن".

محمود وتمار قبل الانفصال 

لكن قصة محمود مع تامار لم تكن تلك قصة الحب المرتبكة الوحيدة التي عرضها فيلم (سجل أنا عربي)، فقصته مع حبيبته وزوجته رنا قباني لم تكن أقل ارتباكا وتعقيدا، كما ستظهر لنا التفاصيل التي روتها رنا قباني في الفيلم وخارجه، وهو ما سنختم به حديثنا عن هذا الفيلم الذي لم تكن فرصة مشاهدته سهلة للجمهور العربي، بسبب تصنيفه كفيلم اسرائيلي الإنتاج، وهو ما منعه من المشاركة في مهرجانات عربية منها مهرجان بيروت الذي تقدمت إليه المخرجة وتم رفض عرضها بالمشاركة.


نختم حديثنا غدا بإذن الله.



محمود درويش بعيون حبيباته وبلسان أعدائه (1)

بقلم: بلال فضل

العربي الجديد

2019-05-13 
"بين ريتّا وعيوني بندقية.. والذي يعرف ريتّا ينحني.. ويصلي لإله في العيون العسلية.. وأنا قبّلت ريتّا.. عندما كانت صغيره.. وأنا أذكر كيف التصقت بي، وغطّت ساعدي أحلى ضفيره.. وأنا أذكر ريتّا.. مثلما يذكر عصفور غديره... اسمُ ريتّا كان عيدا في فمي.. جسم ريتّا كان عُرساً في دمي.. وأنا ضعت بريتّا سنتين.. وهي نامت فوق زندي سنتين.. وتعاهدنا على أجمل كأسٍ.. واحترقنا في نبيذ الشفتين.. وولِدنا مرتين.. آه، ريتّا.. أي شيئ ردّ عن عينيكِ عينيّ..سوى اغفاءتين.. وغيومٍ عسلية.. قبل هذ البندقية".
لأنك ربما تحفظ هذه الأبيات منذ قرأتها في ديوان قديم اقتنيته لمحمود درويش، أو منذ سمعتها بصوت مارسيل خليفة الجميل وهو يمعن في "أيقنة" ريتا وتكريس أسطورتها، ولأنك ربما قرأت من قبل أن ريتّا التي أحبها درويش في شبابه كانت إسرائيلية، وأنه لم ينسها أبداً، حتى بعد أن تقطعت بهما السبل، لذلك ربما تحب رؤية فيلم (سجِّل أنا عربي)، الذي سترى فيه ريتا "عندما كانت صغيرة"، وسترى فيه ريتّا بعد أن جار عليها الزمان الذي هو "عدو لدود للورود" كما قال نجيب محفوظ، وسيحكي لك الفيلم أيضاً كيف بدأت قصة حبها مع محمود درويش داخل فلسطين المحتلة وكيف انتهت بعد أعوام طويلة في باريس، نهاية قاسية تكمل درامية تلك العلاقة الشائكة.


لم يعد بعد هذا الفيلم الوثائقي مجال للتساؤل حول هوية ريتا التي تم نسبتها عبر السنين إلى عدة شخصيات، كان من بينهن باحثة أدبية اسرائيلية توفيت منذ سنوات، فقد حسم الفيلم أن ريتا هي تامار بن عامي الراقصة والمغنية الإسرائيلية التي التقت بها مخرجة الفيلم حيث تقيم في برلين، وكانت تبلغ الثامنة والستين من عمرها وقت تصوير الفيلم، لتحصل منها على رسائل محمود درويش إليها وبعضا من صورهما التي توثق علاقتهما العاطفية، التي بدأت حين كان في الثانية والعشرين من عمره وكانت هي في السابعة عشر، لترد رسائله على ما قاله البعض عن كون علاقتهما معا مجرد نزوة غرامية عابرة، خاضها مع العديد من الفتيات الإسرائيليات، متصورين أنهم يدافعون بذلك عن وطنية محمود درويش، خاصة أن محمود يبدو في رسائله مغرما حتى الثمالة بحب تامار أو "تاماراي"، التي ينهي رسائله معها دائما بكلمة "شالوخ محمود" أو "محمودك"، ليعرض الفيلم من خلال تطور الرسائل، كيف بدأت قصة الحب عاصفة مشبوبة، بعد أن رآها في يوم من أيام عام 1965 تغني في كورال الشباب التابع للحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) الذي كانت أنشطته متنفسا في ذلك الوقت للعمل السياسي المعارض للصهيونية، لينشأ بينهما حب من أول نظرة، يرينا الفيلم كيف تكرر بعد ذلك بسنوات مع حبيبة أخرى عربية هي رنا قباني ابنة أخ الشاعر السوري الكبير نزار قباني، وإن كان حب محمود برنا انتهى بزواج لم يكن سعيدا على الإطلاق كما تمنى طرفاه.


محمود درويش وريتا 

بعكس ما يعدك الفيلم الذي "لا يبان من عنوانه"، يأتي الفيلم مربكا وصادما في الكثير من مواقعه، وهو إرباك لن يحله لجوء البعض إلى مهاجمة الفيلم وإطلاق أحكام مسبقة على الفيلم، كما فعل بعض الكتاب الذين اعتبروا أن الفيلم يقوم بتشويه واحد من أهم رموز القضية الفلسطينية، وهو تسطيح لا يقل عن تسطيح الذين رأوا في الفيلم قصة رومانسية حالمة يمكن أن تعد بأحلام "السلام" الذي يبدو مستحيلا، وما أعتقده برغم وجود ملاحظات عديدة لي على الفيلم، أنه اتخذ من شخص محمود درويش مدخلا لتقديم المأساة المركبة التي يعيشها الفلسطينيون الذين قروا أن يبقوا في أراضيهم المحتلة حتى لو حملوا الجنسية الإسرائيلية، والذين يطلق عليهم البعض تعبيرا مقيتا هو (عرب اسرائيل)، وهو التعبير الذي تروجه كثير من وسائل الإعلام العربية لوصف (فلسطينيي الثمانية والأربعين) أو (فلسطينيي الخط الأخضر).

ولعل مأساة هؤلاء الفلسطينيين تتجسد بعض أبعادها في شخصية مخرجة الفيلم ابتسام مراعنة، التي أثارت الجدل من قبل بزواجها من اسرائيلي، وبعملها الدائم في كل أفلامها مع شركات انتاج اسرائيلية، كان من بينها في هذا الفيلم قناة Yes الإسرائيلية وصندوق التمويل الإسرائيلي الجديد للسينما والتلفزيون، ولأنني كنت قد قرأت عن هذا قبل مشاهدة الفيلم، لم يفارقني وأنا أشاهده، الإحساس بأن محمود درويش لم يكن مقصودا لذاته، وإنما تم استحضاره من أجل قضية أوسع تتجاوز شخصه وعلاقاته العاطفية بل وحتى شعره، لكي تعالج المخرجة من خلالها قضيتها الشخصية المرتبطة بقضية أعم هي مرارة الظلم الذي يتعرض له فلسطينيو 48 الذين اضطروا لحمل الجنسية الإسرائيلية من أجل البقاء في أرضهم، أعني الظلم الذي يتعرضون له من العرب حكومات وشعوبا، وهو ما يزيد مرارة الظلم والتمييز الذي يتعرضون له من سلطات الإحتلال الإسرائيلي.
مخرجة الفيلم مع تمارا 

يمكن أن ترى ذلك في أكثر من موضع في الفيلم، من بينها ما قاله الشاعر الكبير سميح القاسم صديق درويش اللدود ورفيق دربه الطويل، عن أنه لم يكن معجبا بخروج محمود درويش وتركه لأرضه وشعبه، وأنه لم يقتنع بما قاله له أصدقاء مشتركون وقتذاك بأن خروج درويش مهم لكي يوسع مداركه الشعرية. بدا ذلك أيضا في الموضع الذي اختارته المخرجة من حوار شهير لدرويش مع التلفزيون الإسرائيلي بعد عودته إلى رام الله عقب اتفاقية أوسلو، حيث سأله المذيع: هل تعتبر نفسك اسرائيليا أيضا لأنك لا زلت تحتفظ بالجنسية الإسرائيلية، ولم يرد عليه درويش بقوة كما يمكن أن تتوقع ـ أو تتمنى ـ بل رد بهدوء شديد بأنه لا يريد أن يقول كلاما يوتر الأجواء، وأنه لو عادت به الأيام لاختار أن يبقى ولا يسافر إلى الخارج، وأنه لا يريد أن يخلط بين الهوية والجنسية، وهو بالضبط نفس الرد الذي يدافع به فلسطينيو 48 على من يتهمهم بأنهم فرطوا في الهوية من أجل الجنسية، أما الموضع الثالث فقد كان في اختيار مقطع من نشرة للتلفزيون الإسرائيلي يؤكد فيه المذيع أن اسرائيل لم تقم بنفي درويش بل قام هو بنفي نفسه اختياريا، ولا تنس بعد كل هذا أن استعراض تفاصيل قصة الحب بين درويش وريتا الإسرائيلية، برغم كونه مهما لمحبي محمود درويش وممتعا فنيا حتى لمن لا يعرفونه بقوة، يحيل في الوقت نفسه على تجربة المخرجة الشخصية.

يقدم الفيلم صدمات عدة لمحبي شعر محمود درويش خصوصا أولئك الذين عشقوا طبعة "شاعر المقاومة" التي كان درويش ينفر منها في عقوده الأخيرة، والذين ارتبطوا بقصائده المبكرة مثل "سجِّل أنا عربي" التي اتخذتها المخرجة عنوانا للفيلم، أو قصائده النارية التي ألهبت المشاعر مثل "أيها المارون بين الكلمات العابرة" و "مديح الظل العالي"، وكلها قصائد أنهى درويش حياته، وهو يتخذ بشكل واضح مسافات متفاوتة بينه وبينها، ويفضل عليها شعره الأكثر جمالية حتى وإن كان الأقل جماهيرية.

أول هذه الصدمات يبدأ مع أول لحظة يطل فيها محمود درويش على الفيلم بصوته، حين تسمعه يتحدث بالعبرية ليس في مفتتح الفيلم، بل في مواضع متفرقة من الفيلم، بل إنك لا تسمع صوته بالعربية إلا وهو يقرأ شعره، وهو أمر لم يشتهر بين جمهور درويش، وأستطيع أن أدعي ذلك لأني من مهاويس درويش ولم أترك له فيديو على شبكة الإنترنت إلا وشاهدته، أو هكذا كنت أظن، بل ويكشف الفيلم أيضاً أن محمود لم يكن فقط يجيد التحدث بالعبرية بطلاقة، بل إنه كان يجيد الكتابة بها أيضا، حيث يعرض نصوص رسائل درويش إلى حبيبته الإسرائيلية والتي كان يكتبها بالعبرية، حيث تظهر على الشاشة كأنها تكتب من جديد، مصحوبة بأداء صوتي يقلد صوت درويش بالعبرية.


وإذا كنت لن تستغرب إجادة درويش للعبرية بوصفه عاش طفولته وشبابه داخل حدود اسرائيل، فإن الصدمة التي تتوخاها المخرجة، تأتي في اختيارها ما قاله درويش بالعبرية، خصوصا في المقطع الأول الذي عرضه الفيلم حيث يتبرم فيه محمود درويش من ارتباط كل ما يكتبه بفلسطين ووصفه بأنه شاعر فلسطين وشاعر الأرض، ساخرا من فكرة أن يعتبر كل شيئ يكتبه له علاقة بفلسطين، لدرجة أنه لو كتب قصيدة عن نزول المطر كما رآه في باريس، سيعتبره الجميع يتحدث عن المطر في فلسطين، مواصلا في مقطع آخر تبرمه من تحويل قصيدته (أحن إلى خبز أمي) من قصيدة كتبها شاب مسجون يحن إلى خبز أمه وقهوتها، لتكون قصيدة عن الأم الفلسطينية والخبز الفلسطيني والقهوة الفلسطينية، ومع أن هذا التبرم ـ المشوب بالتهكم أحياناً ـ ليس جديدا على من تابع درويش في مرحلته التي أعقبت ديوان (أحد عشر كوكبا)، لكن وجوده في السياق الذي قدمه الفيلم يمكن أن يفسر حماس جهات الإنتاج الإسرائيلية لتمويل الفيلم، التي يسعدها بالطبع أن تتعامل مع محمود درويش بوصفه صوتا فردا يخص نفسه، وليس بوصفه صوتا يعبر عن شعب وعن قضية كما يحب الفلسطينيون أن يروه، والإرباك الحقيقي للكثيرين يأتي هنا في أن هذا هو ما كان يسعى إليه محمود درويش جاهدا، حتى وإن كان شعره قد تجاوزه، وهو ما لا يمكن أن يتنصل درويش من مسئوليته، فقد يكون من حقك أن تعلن ضيقك من الطريقة التي يراك بها الجمهور، وتنسى أن الجمهور توصل إليها عبر ما قدمته من إبداع، من حقك أن تفارقه وتتطور بل وتتغير، لكن لن يكون بإمكانك أن تجبر جمهورك على أن يتطور أو يتغير معك.


شاهدت الفيلم قبل أربع سنوات في مهرجان نيويوركي صغير ومهم فيما يقدمه من فرصة لأفلام لا تجد طريقها بسهولة إلى دور العرض، يحمل المهرجان اسم (مهرجان الفيلم الإسرائيلي الآخر)، ويعلن شعاره بوضوح إنه مكرس للأفلام التي تعرض أوضاع الأقليات داخل اسرائيل، ومن بينها "الأقلية العربية"، بالمناسبة كلمة "الآخر" هنا تشير إلى أن المهرجان يقدم أداءً مغايراً لمهرجان أكبر وأقدم هو مهرجان الفيلم الاسرائيلي الذي يعقد في نيويورك في مطلع نوفمبر من كل عام، ويشهد حضورا إعلاميا مكثفا ودعما كبيرا من عدد من المنظمات والتجمعات الصهيونية، على عكس المهرجان "الآخر" الذي تقام عروضه في مركز "جي سي سي" في مانهاتن، الذي يقدم أنشطة ثقافية يصفها منظموها بأنها تتبنى خطابا مؤيداً للسلام ومناهضاً لليمين الإسرائيلي المتطرف.


حضرت عرض الفيلم وناقشته مع الجمهور القليل الموسيقية ميرا عواد ـ من فلسطينيي 48 أيضا ـ والتي قامت بعمل موسيقى الفيلم وغنت فيه قصيدتي (أحن إلى خبز أمي) و(بين ريتا وعيوني)، بعد أن أعادت تلحينهما بشكل مختلف عما سبق أن قام به الفنان اللبناني الكبير مارسيل خليفة، وبرغم قلة عدد الحضور، إلا أنني لاحظت أن الفيلم كان مؤثرا جدا بالنسبة للأمريكيين الذين شاهدوه وأغلبهم من كبار السن، وهو ما عبر عنه أحد المشاركين في الندوة حين قال أنه اندهش لأن هناك فلسطينيين يكتبون شعرا بهذا الجمال، وأن أول ما سيفعله في الغد هو البحث عن دواوين مترجمة لمحمود درويش، في حين قالت سيدة أخرى إنها تعتذر عن سؤالها الذي يبدو ساذجا لكنها تسأل لماذا لا يتم عرض فيلم كهذا لصُنّاع القرار في واشنطن، ليدركوا أن الحب يمكن أن يتحقق بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبرغم أن ردود أفعال كهذه تعكس عدم إدراك لطبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أنها فسّرت الحفاوة التي لقيها الفيلم في مهرجانات عالمية، لم تتعامل مع الجزء "الحرّاق" الذي يمكن أن يهم المشاهد العربي المهتم بمعرفة شكل ريتا ومدى جمالها، أو متابعة غراميات شاعره المفضل، بل تعاملت مع الفيلم بوصفه يقدم أملا لإمكانية أن يكون هناك سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما كان يوما حب بين شاعرهم الكبير وفتاة اسرائيلية، حتى لو كان الفيلم نفسه يقدم نهاية كئيبة لتلك العلاقة.



نكمل غدا بإذن الله.

الخميس، 9 مايو 2019

إرثك وخلودك الرقمي

حسام أبو تميم

في دراسة نشرتها جامعة أكسفورد قبل يومين، توقع الباحثون أن عدد الأموات المتواجدين على منصة الفيسبوك سيكون أكبر من عدد الأحياء خلال خمسين عاماً فقط. باستخدام إحصائيات فيسبوك عن العام المنصرم، فإنه من المتوقع أن يبلغ عدد الأموات على الموقع قبل نهاية هذا القرن ما يقارب مليار وأربعمائة ألف عضواً.


بعد الاستعانة بأرقام الأمم المتحدة لمعدلات الولادة والوفاة في دول العالم، افترضت الدراسة فرضيتين،

الاثنين، 6 مايو 2019

عن المتنبي أيضأ...المبدع وحيدا

بقلم: الروائي محمد سناجلة


في حوالي منتصف القرن الرابع الهجري كان ظهور المتنبي على الوسط الثقافي العربي السائد حينذاك، وقد كان هذا الظهور مدويا وصاعقا وعلى أكثر من صعيد، فقد ولد شاعر تحدى الذائقة النقدية السائدة، لا بل تحدى ما كان قد ترسخ من نظرية نقدية عربية قسمت الشعر العربي إلى قديم يتمتع بجزالة الألفاظ والمعاني وقوة البيان، وبين محدث مغاير يسعى للاختلاف، ويبحث عن معان جديدة وفق قوالب وأشكال جديدة كأبي تمام على سبيل المثال. 
فقد جاء المتنبي جامعا بين الطريقتين، فها هو شاعر صغير السن "يجيء بالجزالة والقوة والبيان على خير ما كان يجيء به القدماء، ويغوص على معاني الحياة الانسانية غوصا بعيدا ويضمّن شعره فلسفة حياة وثقافة وصورا جديدة مبتكرة لم تكن من قبل" كما يقول الدكتور احسان عباس في كتابه القيم تاريخ النقد الأدبي عند العرب.
تهاوت النظريات النقدية السائدة، وبتهاويها وقف نقاد عصره أمامه موقفا لا يحسدون عليه، حيرة في التعامل مع هذه الظاهرة الجديدة كل الجدة عما اعتادوا

الاثنين، 29 أبريل 2019

الشاعر

بقلم: لانا مامكغ
جريدة الرأي
https://bit.ly/2J3cDsr

همسَ لها بنبرةٍ تذوبُ ولَهاً:  "اقرأي في صحيفة يومَ غدٍ آخرَ إنتاجاتي الشّعريّة... أرسلتُ قصيدةً جديدة نظمتها لكِ فقط !".
فهامت مع صوتِه ومع أحلامها طوال الّليل وهي تترقّبُ طلوعَ الصّباح، لتتلقّف الصّحيفةَ مع بزوغ الشّمس وتبدأ في البحث بيدٍ مرتجفة بين الصّفحات حتى وجدتها...

الثلاثاء، 23 أبريل 2019

خيركم خيركم لأهله..

بقلم: ديك الجن

حديث مقتضب لكن مرعب في دلالاته.. لأنه يقول لك بكل بساطة.. أن قيمة العمل لا تتحدد بعدد المستفيدين منه، بل بمقدار قربك من الشخص الذي يوجّه العمل إليه.. فأن تواسي أمّك بكلمات بسيطة، خير لها من أن يواسيها آلاف الغرباء وخير لك من أن تواسي آلاف الغرباء.. ما تقوله سيمكث في قلبها.. وما يقوله الآخرون وتقوله للآخرين لا يلبث أن يزول.. والدرهم الذي تضعه في يد والدك، خير من آلاف تنفقها على غيره أو يأتِ بها غيرك.. وكذلك اللعبة التي تلعبها مع ابنك.. والساعة التي تقضيها مع زوجتك.. الخ..
هذا الحديث يعرّينا أمام أنفسنا.. يجعلنا

الأربعاء، 17 أبريل 2019

روايات كارتون ومركز الزهرة.. كيف أطَّـــر الفنُّ جيلاً كاملا؟!

بقلم:أيوب واوجا
مدونات الجزيرة

ارتبطت طفولة جيل التسعينات وبداية الألفية بعدة رسوم متحركة خصوصا مع ظهور اللواقط التلفازية وبداية انتشار القنوات المخصصة للأطفال كسبايس تون وأرتينز، رسوم متحركة أثرت في حياة جيل بالكامل، حتى صرنا نقلد أبطالها ونتناعت بأسمائهم ونغني جنريك البداية ونتسابق بعد نهاية الدوام المدرسي للتسمر حول التلفاز لمشاهدتها وتعلم المشاعر الإنسانية والأخلاق.. غير أن حداثة سننا أنذاك لم تكن تسمح لنا بالبحث في تاريخ تلك الرسوم المتحركة، فكل مسلسل كارتوني كان يخفي ورائه تاريخا ممتدا لسنين طويلة من الأدب والرواية قبل أن يتحول لرسوم متحركة تذاع بشكل مبسط موجه للأطفال في قنواتنا العربية.
ريمي:
كم بكينا بشدة ونحن أطفال على موت العم فيتاليس في المسلسل الكارتوني ريمي، مسلسل لامسنا فيه الحزن وجربنا فيه ونحن أطفال التعاسة والشعور بالحرمان الذي عانت منه الطفلة ريمي، لا زالت أفواهنا رغم كبر سننا تصدح بكلمات أغنية الجنريك العربية بصوت رشا رزق. 

المسلسل ياباني الإنتاج من موسمين ظهر أول مرة في الثمانينات وعرض لأول مرة

الثلاثاء، 9 أبريل 2019

من سرق براءة الطفولة؟ حكايات من عالم طفولتنا حافلة بالعنف

بقلم: رائدة نيروخ

"في قَصَصِ الشعوب، طرائف لا تنتهي
وعالمٌ حلو بهيّ، يسكن في القلوب
من كل بلاد الدنيا، من كل بقاع الأرض
قصصٌ شتّى، تُروى حتى
نعرف أحوال الإنسان، والكل هنا جيران".

لطالما ردّدنا في طفولتنا كلمات أغنية شارة لمسلسل حكايات عالمية، الذي استقى قصصه من تراث الشعوب. من منا لم يسمع بقصة الأميرة النائمة، أو

الجمعة، 29 مارس 2019

“نكران الجميل”.. تشويه للعلاقات الإنسانية

بقلم: تغريد السعايدة
جريدة الغد
يشعر المرء بالدھشة والتساؤل بكلمة ”لماذا؟“ عندما یواجه نكران الجمیل من الآخرین، وقد یكون ھذا الشخص أحد المقربین له، كما تقول أم عمر، التي تتحفظ على الكثیر من المواقف التي مرت بھا، واستنتجت للحظات ”أن فعل الخیر یجب أن لا یقدم إلا لمن یستحقه!“. لم تكن أم عمر تنتظر من معاملتھا ورعایتھا لوالد زوجھا سوى كلمات التقدیر والاحترام فقط، خصوصا أنه رجل كبیر السن یحتاج للمساعدة في تفاصیل یومیاته كافة، فلم یكن منھا سوى معاملته معاملة الوالد، على حد تعبیرھا، إلا أنھا لم تجد منه

الثلاثاء، 26 مارس 2019

من برلين: كل ما أفكر فيه هو الحجاب يعلو رأسي

بقلم: ديمة مصطفى سكران
مدونات الجزيرة

أن تكون المرأة محجبةً في الغرب يعني أن تعُدَّ على نفسها أنفاسها، لأن الآخرين يعدون ويسجلون، ويسترقون النظرات المرتابة أحيانا، أو يحدقون بوقاحة أحيانا أخرى!

عندما تَعْلَق العملةُ الورقية، أو يقفز إلى الشاشة ألف خيار كالطلاسم بلغة غير العربية، فإن ماكينة بيع التذاكر تتحول هي الأخرى إلى أوربي أشقر متجهم بعينين زرقاوين وأنف حاد، تماما كذلك الصف الطويل من الرجال والنساء المستعجلين الذين يقفون خلفي، أستطيع أن ألمحهم بعيون حدسي ينظرون بتكرار إلى ساعاتهم، ويبربرون بكلمات لم نتعلمها في دروس اللغة!

وفي تلك اللحظات التي أقف فيها متعرقة مشوشة الذهن، حائرة بين طلب المساعدة من صاحب الوجه العكر خلفي، وبين ترك العملة الورقية العالقة متدلية من الماكينة كلسان هازئ، فإن كل ما أفكر به هو الحجاب الذي يعلو رأسي!

فلو لم يكن موجودا لكنت أمام الماكينة مجرد امرأة علقت عملتها الورقية وتحتاج المساعدة، ولكنني أغدو مع الحجاب تلك المسلمة الساذجة التي لا تعرف كيف تستخدم آلة بيع التذاكر، لأنها قادمة من تلك البقعة البعيدة حيث لا يملك الناس هناك آلات لبيع التذاكر، لأنهم يستخدمون الحمير للتنقل، أو يتعلقون بأبواب الحافلات المزدحمة.

الحجاب والدفاع الدائم عن النفس
لا يتعلق الأمر بالفعل بعملة نقدية عالقة أو بشاشة لا تستجيب للأوامر، بقدر ما يتعلق بتلك المسؤولية الكبيرة التي تستشعرها المحجبة في الغرب تجاه حجابها، بخوفها العظيم من أن تؤكد بسلوك أحمق منها أي فكرة خاطئة من هذه الأفكار المسبقة حولها أو حول أبناء جلدتها ..
خوفٌ يجعلها تنسحب أكثر فأكثر من المجتمع، محاولةً ألا تظهر قدر الإمكان، أن تختبئ، أن تتوارى في الظل، وتواري حجابها تحت قبعة صوفية، أو في شكل توربان مائع الهوية، يجعلها تفضل أن تبتاع من الإنترنت على أن تقف أمام طاولة الحساب، أن تبقى جائعة على أن تجرب حظها مع ماكينة أخرى لبيع الأطعمة الخفيفة، أن تمضي وقتها في البيت على أن تدخل النادي الجديد في الناصية، أن توقع على عقد الهاتف الجديد باستعجال على أن تسأل عن التفاصيل الغامضة فتبدو كالبلهاء!

أن تكون المرأة محجبةً في الغرب يعني أن تعُدَّ على نفسها أنفاسها، لأن الآخرين يعدون ويسجلون، ويسترقون النظرات المرتابة أحيانا، أو يحدقون بوقاحة أحيانا أخرى!

تشعر المرأة المحجبة في الغرب أنها في حالة جدال دائم مع كل ما يحيط بها، جدال رغم صمته لا يتوقف، تستخدم فيه المحجبة كل حركاتها وسكناتها لتدحض حجج الطرف الآخر، والطرف الآخر لا يبذل كثيرا من الجهد في الإعلان عن رأيه.
إن نظرة باردة واحدة، أو تجاهل لتحية ودودة، أو كلمة عابرة متأففة، كافية لأن تلقي في وجه المرأة المسلمة كل القناعات التي يؤمن بها هذا الآخر، لتتحول إلى حالة من الدفاع الدائم عن النفس في كل حركة وسكنة، فهي حين تمسك الهاتف كأنها تقول: "انظروا أنا أجيد استخدام الهاتف رغم أني محجبة"، وحين تفتح كتابها لتقرأ رواية باللغة الإنجليزية، كأنها تقول: "انظروا أنا أقرأ بالإنجليزية رغم أني محجبة"، وحين تميل برأسها على كتف زوجها، كأنها تقول: "انظروا أنا أعامَل من زوجي باحترام رغم أني محجبة".

إنها تحاول دوما أن تبرر نفسها، أن تعتذر عن أمر ما لا تعرفه، أن تثبت شيئا للآخرين الذين قد يكونون مهتمين بالفعل بكل ما تفعل، وقد لا يكونون، ولكنها لن تستطيع أبدا الخروج من فكرة أنها محط الأنظار وفي موضع اتهام، تارة بكونها وجها فاقعا للهوية الإسلامية "المعادية"، وتارة بكونها رمزا لاضطهاد النساء من قبل الرجال.

الحجاب وهندسة المسافات
وحتى عند التعرف على الأصدقاء الجدد، أو الانخراط في مجتمع جديد، فإنهم غالبا لن يبدؤوا بالتعامل معها على أنها فلانة بذاتها قبل تجاوز تلك المرحلة الطويلة جدا من التعامل معها على أنها تلك المرأة التي تضع شيئا غريبا على رأسها.

إن معظم الحوارات العادية تنحرف فجأة بطريقة أو بأخرى لتدور حول حجابها، فيما إذا كانت قد أجبرت على ارتدائه، فيما إذا كانت تضعه طوال الوقت، فيما إذا كانت تنام به، فيما إذا كانت تستحم به! سيكون دوما هناك رحلة طويلة من الأسئلة قبل أن يكتشف الآخرون أنها تحت ذلك الحجاب مجرد إنسانة عادية، وقد لا يصل البعض إلى هذا الاستنتاج على الإطلاق.

هناك دوما مسافة من الرفض، من الإشعار المقصود أحيانا وأحيانا غير المقصود بالاختلاف، والذي يبلغ ذروته في خوف المحجبة على حياتها، وحاجتها هي لأن تضع المسافات، لكن هذه المرة مسافات من نوع مختلف ..
فهي بحاجة لأن تترك مسافة أمان عندما تنزل الأدراج، فتبقى متمسكة بالإبريز خشية أن تتلقى دفعة من الخلف، كما حصل لتلك الفتاة المحجبة في مترو الأنفاق في برلين في شتاء 2016، ولعلها بحاجة إذن أيضا لأن تترك مسافة أمان عن سكة القطار، لأن بعضهم قد يبدون مستعدين لدفع امرأة محجبة إلى السكة عند اقتراب القطار، وهي بحاجة لأن تترك مسافة أمان عندما تعبر الشارع  فترى شبانا متجمعين بقناني البيرة يتفوهون بعبارات لا تفهمها، وهي بحاجة إلى كثير من التلفت في كل شارع خاو وعند كل منعطف.

لا يسيطر هذا الخوف دائما، لكنه لا ينام أبدا، يظل في حالة نصف إغفاءة، ليتيقظ عند أدنى إشارة.

شرعنة العنصرية في سوق العمل
وفي سوق العمل يصبح إيجاد وظيفة ملائمة كالبحث عن إبرة في كومة قش، فبالإضافة إلى الأسماء العربية التي ينطقها الأجانب بصعوبة، وبالإضافة إلى السمرة، والملامح الشرق أوسطية، هناك في صورة أوراق التقديم ومقابلات الوظائف فوق ذلك كله الحجاب!

لا يتعلق الأمر إذن بقلة الوظائف التي تستطيع المرأة المحجبة أن تؤديها بنجاح، بقدر ما يتعلق بحساسية أرباب العمل تجاه وجود امرأة محجبة في طاقم العمل، حساسية مبررة أحيانا باضطرار الموظفة للتعامل المباشر مع الزبائن على اختلاف أطيافهم، وغير مبررة أحيانا أخرى إلا برفض وجود الحجاب كرمز ديني تحت سقف هذه الشركة ..
الأمر الذي أقرت شرعيته محكمة العدل الأوربية في 14 من شهر مارس/آذار عام 2017، مانحةً الحق للمؤسسات بأن تحظر ارتداء الحجاب من قبل موظفاتها ضمن عدد من الرموز الدينية الأخرى، ومشرعنةً طرد الموظفات المحجبات دون أن يعتبر ذلك تمييزا على أساس الدين.

ولا يبدو هذا الحكم إلا كمحاولة متذاكية لحظر الحجاب بطريقة قانونية تحافظ فيها أوربا على ماء وجهها أمام ادعاءاتها بحمل راية القيم الرفيعة. فالحجاب وحده هو المقصود هنا، بينما يُظهر الأوربيون كثيرا من التسامح مع أغطية الرأس الهندية وعمائم النساء الأفريقيات وأوشمة الصلبان على السواعد المكشوفة.
ولم تخطئ مفوضة الحكومة الألمانية لمكافحة التمييز كريستينا لودرز حين صرحت، بعد صدور قرار محكمة العدل الأوربية، بأن حظر الحجاب قد يصعب اندماج المسلمات في سوق العمل، فإن كثيرا من الكفاءات تُستبعد من طلبات التقديم للوظائف بسبب الحجاب، قبل أن تُمنح المرأة فرصة لإثبات نفسها، الأمر الذي تحول إلى كابوس للشابات المسلمات، اللواتي يضعن على رأس قائمة تحديد خياراتهن الدراسية والعملية في المستقبل درجة تقبل الحجاب في مجال العمل الذي يرغبن به، وذلك قبل ميولهن الشخصية، وأهليتهن للنجاح في هذا المجال.

الحجاب، إنه هنا أكثر من اللازم
يُقال إن شعور المرء بأعضاء جسمه يبلغ أكثر تجلياته عند تتألم هذه الأعضاء، فلو كنتَ مسترخيا في سريرك ستكون حقيقة أن لديك قدما مثلا أو حتى إصبع قدم صغير أمرا قابعا في قاع لا وعيك بهدوء وبلا مشاكل، لكن إن كان إصبع قدمك الصغير قد اصطدم بعنف بإطار الباب قبل دقائق أو سقط عليه طبق زجاجي ثقيل، فإنك جراء الألم لن تكون واعيا بأي جزء من جسمك أكثر من وعيك بأنك تملك بالفعل إصبع قدم صغير، وهو هنا بالفعل، لأنه يؤلمك بشدة ولن يدعك تنام!

وكذلك الحجاب، يتجسد في وعي المرأة المسلمة في الغرب أكثر من أي شيء آخر فيها، أكثر حتى من وعيها بذاتها، فهي تشعر به دوما حين تكون موجودة في شوارع البلدان غير المسلمة، وفي مطاعمها، وأمام ماكينات بيع التذاكر في محطاتها ..
ولا تكاد تشعر بشيء سواه، إنه هنا، فوق رأسها طوال الوقت، كما لو أنه يؤلمها، كما لو أنها تتحول كلها إلى حجاب فقط، كما لو أنها تتحول من كونها إنسانا عاديا إلى مجرد كيان يحمل هذا الشيء العملاق الكبير الذي يسمى حجابا، وعلى حجابها هذا يعلق كل شخص تراه في الطريق أفكاره المسبقة وقناعاته والقصص التي قرأها في منتديات الإنترنت وسمعها عنها من زملاء العمل..
لذا فهي تمشي وهي تجر وراءها هذه الأثقال المريعة من كل تلك الأفكار المسبقة، وكلما زادت تلك الأفكار ثقلا كما صار مشيها أثقل وحركتها أكثر صعوبة.

لن نطرح الأسئلة عن مستقبل المحجبات في الغرب، ولن نناشد أحدا، ولن نحول الأمر إلى مناحة، لكن الوعي بصعوبة الحياة كامرأة محجبة في الغرب يحتم على الجميع عمل كل ما يمكن عمله لتحسين هذا الواقع، في مواجهة موجة يمينية متطرفة، تعلنُ عن نفسها بشكل متزايد وبلا مواربة، ولعل آخر تجلياتها كان المذبحة الإرهابية الدامية في مسجد مدينة كرايستشيرش في نيوزيلاندا قبل يومين.

الاثنين، 18 مارس 2019

الحب الأخير

بقلم: لانا مامكغ

 
انشغلتُ بمراقبته من حينٍ لآخر؛ خمسينيٍ مكتنز، صلفِ الملامح، به غلظةٌ في بنيته وصوته ذكّرتــــني بممثّــــل قديم اشتهر بأدوار الشّر في السّينما المصريّة، ولم أعلم لماذا خلته من محدثي النّعمة … ثروةٌ طارئة شجّعته على الارتباط بتلك الشّابة العشرينيّة التي ترافقه، لينجبَ ذلك الطّفل الذي بدا أنّه شُغلُه الشّاغل طوال الوقت، لأقولَ لنفسي باستهزاء: طبعاً، لابدَّ من إثبات الذّكورة والفحولة المطلوبة في لقاء خريفِه بربيعها … لابدَّ من إنجابِ مخلوقٍ بريء يتّسلى به فيما تبقّى له من عمر!
حدث هذا خلالَ إحدى الرّحلات السّيّاحيّة، حين بقيتُ أرصدُ حالة الرّجل إلى أن لمحتُ الطّفلَ يبتسمُ لي ذات صباح، فاقتربتُ بسعادة لأحيي الرّجلَ والصّبيّة وأنا أداعبُ الصّغير وأقول: «الله يخليكم لبعض أنت والمدام أستاذ، ويحميه لكما، فرصة سعيدة «. وفيما كنتُ أهمُّ بالابتعاد وصلني صوتُ الرّجل يشكرني ليضيفَ ضاحكاً: «هذه ابنتي، وليست المدام … وهذا حفيدي، تفضّلي إشربي معنا قهوة». وفعلاً لم أقوَ على الاعتذار، فانضممتُ لهم وأنا أوّبخ نفسي على توّقعاتي السّخيفة … إذ عرفتُ أنّه سافرَ خصّيصاً إلى بلد الغربة حيث تستقرُّ ابنتُه وزوجها، حتى يُحضرَها والصّغير ليشاركاه هذه الرّحلة، ثمَّ قال بتأثّر: «أبوه مشغول جدّاً، ولم يتمكّن من قضاء الإجازة معي هذا العام، وأنا اشتقتُ لحفيدي، والباقي عندك … « فتبادلنا الضّحكات إلى أن أضافَ وهو يحتضنُ الطّفل، وبنبرةٍ مشحونةٍ بالحزن: « آه لو تعرفين حالتي لمّا تنتهي الإجازة، ويحينُ موعدُ عودته إلى هناك، كلّما أتذكّر هذا اليوم أشعر بقلبي يكاد يتوقّف!».
وهكذا، غادرته مطرقةً وأنا نادمةٌ على خيالاتي البلهاء! 
ثمَّ حدث أن حضرتُ أحدَ المؤتمرات الرّسميّة في بلدٍ عربي ذات مرّة، ليقوم بمرافقتي إلى المطار يوم العودة أحدُ مسؤولي الجهة الدّاعية كما أوحت به هيئته وعمره. بدا متنفّذاً في المكان فأنهى الإجراءاتِ جميعَها بسرعة غير متوقّعة، إلى أن انتهى بنا المطاف في قاعة انتظار باذخة الأناقة … 
مرَّ وقتٌ ما وكلٌ منّا منشغلٌ بتصفّح هاتفه المحمول دون أن نتبادلَ حرفاً واحداً، ثمَّ ليُعلنَ عن تأخير الرّحلة لمدّة ساعتين … نظرتُ نحوه وأنا أتأفّف لأفاجأ بملامحِه هادئةً محايدة لا تحملُ أيّ تعبير، فشغلتُ نفسي بقراءة بعض المطبوعات حولي حتى سئمت. الوقتُ كان يمضي بطيئاً ممّلاً في قاعة بدت فيها درجةُ الحرارة حول الصّفر بقليل كما بدا لي حينها، فقلت لاختراق حاجز الصّمت القاتل، وكمحاولةٍ يائسة لكسر جليدِ المكان: «الجوّ ملتهب في الخارج، وباردٌ جداً هنا … «فهزَّ رأسه موافقاً من دون أن ينظرَ نحوي!
بدأ السّأمُ ينخرُ في كتلتي العصبيّة وأنا أتأملُ ألوانَ السّتائر، والجدران، والّلوحاتِ التّجريديّةَ الغامضة، والبحثُ الجادّ عن الثّقوب الّلعينة في السّقف كمحاولةٍ لاكتشاف مصدر الهواء القطبي الذي يحتلُّ المكان، والزّمان كذلك … ذاك الذي تجمّدَ وصارَ عصيّاً على المضيّ!
سألته دون تفكير وأنا أعبثُ بمكوّنات حقيبتي اليدوّية بلا سبب: «عفوأ، هل لديك أبناء؟ بماذا تحبُّ أن أناديك؟». هنا، فوجئتُ به يلتفتُ نحوي بكامل جسده ليجيبَ بحماسة: «لديّ الكثير منهم، ولديّ حفيدةٌ أيضاً… « فوجئت به يغيّر جلسته، ويقتربُ منّي وقد فتحَ هاتفه على بعض الصّور ويبدأ في الحديث والشّرح «هذه حفيدتي … انظري ما أحلاها، لا أراها إلا في نهاية الأسبوع، أعدُّ الدّقائق حتى تأتيني!» وبدأ يُقلّبُ صورَها واحدةً بعد الأخرى، منذ كانت في يومها الأوّل حتى دخلت الرّوضة قبل شهر … وأنا أردّدُ: «ما شاء الله … ما شاء الله … ما شاء الله»!
كان يُحدّثني عن حركاتها، وطريقة نطقها للكلمات، وماذا تحبُّ من الألعاب، وكيف يضبطها تعبثُ بأغراضه، وكيف أنَّ الأمرَ يُفرحه بدلَ أن يُزعجَه، أو أنّه نسي بالأحرى كيف يغضبُ من شقاوتها!

وهكذا حتى حان وقتُ المغادرة، فأوصلني إلى باب الطّائرة وهو ما زال يقلّبُ في الصّور وأنا أردّدُ بصـــبر: «ما شاء الله … ما شاء الله!».
 
وماذا بعد، إلهي كم كتبنا وقرأنا وانشغلنا بما يُسمّى الحبّ الأوّل … لكن يبدو أنَّ الحياة تُهدينا ما يمكن أن نطلقَ عليه «الحبّ الأخير» ذلك المتمثّل في ولعِــــنا بمخلوقاتٍ صغيرةٍ رائعة تملأ قلوبنا المتعبة في نهاية العمر بكميّاتٍ من الرّقة والرّهافــة والعذوبة، وتهدمُ ببراءة كلَّ ما اصطنعناه من وقارٍ وتماسكٍ وهيبة مزعومة في مسيرة حياتنا، مخلوقات تملأ قلوبنا حبّاً وشغفاً وفرحاً لم نعرفه في تجاربنا العاطفيّة السّابقة البائسة مهما ادّعينا غير ذلك!

السبت، 16 مارس 2019

هل غياب «عيد الجدة» عربيا ظاهرة إيجابية؟

بقلم: غادة السمان
جريدة القدس العربي
احتفلت فرنسا يوم 3 ـ 3 بعيد الجدة، وكما في الأعياد الغربية كلها.. يصير الأمر مناسبة تجارية مع اقتراحات بالهدايا التي يمكن تقديمها للجدة في عيدها، كالوسادة الدافئة كهربائياً، والأزهار، والجهاز التلفزيوني الحديث العصري، أو الخف المنزلي الدافئ، وسواها من الهدايا، وفقاً للإمكانيات المادية للأحفاد والأولاد، مع زيارة (سنوية!) غالباً للجدة في (بيت المسنين). لدينا في عالمنا العربي «عيد الأم» وليس لدينا «عيد الجدة».. وذلك في نظري ظاهرة إيجابية، فالجدة هي أولاً أمّ، وبالتالي يشملها عيد الأم، فلماذا نجد في الغرب تلك الظاهرة الاحتفالية التي تخفي خلفها، كقناع، حقيقة أليمة يعيشها معظم المسنين الغربيين.

الجدة ليست بطارية مستهلكة!

لست مبهورة بكل ما هو غربي، ولا أجد كما يقول المثل «كل افرنجي برنجي»، بل ثمة عادات تنبثق من تراثنا الروحي كعرب، وعلى رأسها احترام الجدات والأجداد الذين لا يتم التخلص منهم في «بيوت الراحة» المنتشرة بكثرة في الغرب كما لو أن المسن صار بطارية مستهلكة، إذ يتم إيداعه في أحد البيوت الخاصة بذلك ولها أسماء براقة، ولكن جوهر القضية هي أنه يتم إيداع الجدة المسنة في ما يشبه (الفندق) الكئيب من الدرجة الثالثة الخاص بأمثالها من المسنين الذين قلما يزورهم الأولاد والأحفاد. وهذه الأماكن التي تعتبر عتبة للقبر والمرحلة الأخيرة من الحياة قبل الموت نادرة الحضور في بلادنا العربية، فالجدة تظل تعيش مع أسرة ابنها أو ابنتها ولا تشعر بأنها من نمط الأعباء البشرية، بل تظل من بعض نسيج الأسرة العربية حتى الموت معززة مكرمة، والأحفاد يسعدون بها لأنها (تفسدهم) بالدلال!

من يبحث عن (بيبي سيتر) والجدة هناك؟

في الغرب ثمة مهنة رائجة اسمها (بيبي سيتر)، أي الشابة التي تعتني بالأطفال حين يغيب الأبوان. وثمة مكاتب خاصة بذلك في الغرب للتوظيف.
في عالمنا العربي تقوم بالمهمة غالباً الجدة، وذلك رائع، لأن المرء يضمن حنانها وحرصها على الأحفاد. وتعامل الجدة مع حفيدها أمر لا يمكن أن أشتريه بالمال..
وثمة أفلام رعب عديدة حول الصبايا اللواتي يأتين إلى بيت ما للعناية بالأطفال لساعات غياب الأبوين في سهرة ما، ويأتي العشيق ويؤذي الأطفال، وقد يعتدي عليهم جنسياً أو ما شابه من الحكايات..
وتلك الأفلام تجسد مخاوف الأسرة الغربية من شابة لا يعرفون عنها شيئاً يسلمونها رعاية أطفالهم وبيتهم ولو لساعات، هذا بينما الجدة التي يمكن الاطمئنان إليها وحدها تعيش الوحشة في «بيوت المسنين».
ثم إننا نسمع حكايات حقيقية تصل إلى المحاكم عن سوء معاملة بعض الممرضين للمسنين في المشافي الخاصة بهم، تصل حتى ضربهم أو سرقة بطاقات الائتمان بعد معرفة الرقم السري لاستخدامها في الحصول على المال من الآلة الخاصة بذلك المنتشرة في الشوارع.

مع أي اسرة تقيم الجدة الغربية؟

وتكوين الأسرة الغربية صار يختلف عن العربية، وبالذات بعد السماح في بعض الأقطار الأوروبية كفرنسا بزواج رجلين أو امرأتين، أي بزواج المثليين..
فجدة من هي التي ستعيش في بيت كهذا؟ وهل سيكون لها أحفاد في حال زواج (ذكرين) كما المطرب الشهير صديق الليدي ديانا البريطاني إلتون جون (وزوجه)، أو كما كان مصمم الأزياء الشهير ايف سان لوران وزوجه… وهنالك أيضاً ما يدعى في الغرب (الأسرة التي أعيد تركيبها) حيث أولاد المطلقين يعيشون في بيت واحد مع نصف الأخ أو الأخت. فأي جدة من الجدات سيقع الخيار عليها لتعيش معهم وهي غريبة عن «نصف الأولاد»!

مؤسسة الجدات والأجداد العرب

أعترف بأنني أحترم الأسرة العربية التقليدية على الرغم من نموذج الأب «سي السيد» وقد تجثم على صدور بعض البنات والأبناء، ولكنها متماسكة بمعنى ما وتحترم الجدات والأجداد، ومن طرفي لم أكن أقبّل يد أحد حتى أبي، باستثناء جدتي.. ولا نجد الجدة عبئاً بل بركة، ثم إنها تنقل إلينا على نحو عفوي التراث، بدءاً بالطبخ ومروراً بالقصص التي تروى للأطفال، وما زلت أذكر قصص جدتي التي كانت ترويها لي وأنا طفلة، ولعلها اخترعت بعضها بنفسها كقصص عن ثلاث بنات «يغزلن ويأكلن» أي يعملن.. وسواها من الحكايات التي أطلقت سراح خيالي منذ طفولتي، ولعل حكايات جدتي هي الشرارة التي أوقدت نار خيالي وجعلت مني روائية، ولست حقاً مدينة لشكسبير وفرجينيا وولف ونجيب محفوظ وفدوى طوقان وبيكيت ويوسف إدريس وسواهم لا يحصى، بقدر ما أنا مدينة إلى حكايات جدتي في طفولتي.. وكانت (روائية) سرية تخترع معظمها!

ما زلنا نرفض «بيوت الكرامة»

نطلق في عالمنا العربي أسماء جميلة للبيوت التي يعيش فيها المسن/المسنة بعيداً عن الأسرة، وهو أمر غير محبب في لبنان وعالمنا العربي عامة إلا في حال الضرورة القصوى. ومرة كنت في زيارة عمل صحافية إلى دار كهذه في بيروت، ووجدت المسنات جالسات في قاعة كبيرة يتسامرن، وقالت لي المتبرعة بالإشراف عليهن إن فلانة (وأشارت إلى سيدة تسعينية) هي والدة الشهير في لبنان مالاً ونفوذاً (فلان..)، وأعترف بأنني شعرت بالنفور منه، وتساءلت: لماذا لا يحتفظ بأمه في (الفيلا) الكبيرة التي يقطنها، ولماذا لا يحضر لها من تعتني بها وهو يملك المال لذلك بدلاً من سلخها عن الأسرة وحرمانها من أحفادها ومنه؟
قد أكون كاتبة متمردة، ولكن ليس على التراث الجمــيل إنسانياً في حياتنا العربية، و«عيد الجدة» عندنا هو كل يوم من احترامها وحبها والامتنان لها وللجد طبعاً، وحضورها في البيت العربي.

الخميس، 7 مارس 2019

عمّان ضحية الإغواء العقاري

بقلم: إبراهيم غرايبة
https://bit.ly/2UHD6P6
مشكلة عمان هي التنظيم الذي يخضع لإغواء تجارة العقارات، والحلّ ببساطة هو الابتعاد عن السيول ومجاري المياه الطبيعية، لقد ألحق تحويل الأودية ومجاري مياه المطر والينابيع إلى مجال عقاري للبناء والسكن والتجارة ضررا كبيرا بالبيئة والطبيعة ومصادر المياه وأحواضها، وأرهق البنية التحتية للمدينة العاجزة عن استيعاب وصرف مياه الأمطار، وضاعف الكلفة على التخطيط والإنشاء، ويؤدي كل عام إلى كوارث ووقوع ضحايا، وهذه ليست ملاحظة جديدة لكنها تقال في كل عام وفي كل مناسبة تسقط فيها الأمطار، كل هذه التضحيات والتكاليف الهائلة والمرهقة التي ندفعها باستمرار لأجل تحويل مساحات محدودة من مسار الأودية ومساقط المياه وأحواضها إلى عمائر سكنية وتجارية مدفوعين بإغواء الثمن المرتفع للأرض!
في جميع مدن العالم وأكثرها ازدحاما تظل الأودية والسيول والأنهار مناطق خالية من البناء، وفي قلب لندن وباريس ونيويورك على بعد أمتار من المباني الشاهقة الارتفاع وخيالية الثمن تجد الأنهار والأودية والغابات كأنك في الأمازون، مسارات نهر التيمز والسين وهيدسون على سبيل المثال تخترق المدن وتسير في قلبها إلى جوار ناطحات السحاب كما هي في الغابات والفضاءات الخالية من السكان والمباني،.. بل إن المدن جميعها تحتفي بأنهارها وطبيعتها وتحولها إلى فضاء جميل تتنفس منه المدينة وأهلها.
لا يمكن وصف ما حدث لعمان من إلغاء لمسار السيل وتحويله إلى مباني وأسواق، والاعتداءات على الأودية والينابيع ومسارات المياه سوى أنه جريمة حضرية سوف نظل ندفع ثمنها على مدى العقود القادمة، وستكون النهاية كما هو قانون الطبيعة ترك هذه الأماكن وعودتها سيول طبيعية وغابات ومصادر للمياه والترفيه والسياحة والسمك والغذاء، وسوف تظل تروى في التاريخ أسطورة تحدي الطبيعة وخنق المدينة وإزالة قلبها وتحويله إلى كتل اسمنتية قاتلة وخانقة، ثم في النهاية ينبعث القلب كما العنقاء ويجرف في مساره كل هذه المؤسسات والأعمال المفتعلة!
يبدو الحلّ اليوم مكلفا برغم أنه كان ممكنا أن يكون بلا تكلفة، لكن في النهاية إن لم يكن اليوم فسوف يكون غدا لن نجد حلا للكارثة سوى ملاءمة الطبيعة والبيئة في التخطيط الحضري للمدينة والأحياء والمرافق، فالمدن في التاريخ والجغرافيا تتشكل حول الأنهار ومصادر المياه ويكون الفضاء المحيط بها ساحة عامة مقدسة، وتحيط بها في الأماكن القريبة والآمنة الأسواق والمعابد والمحاكم والمؤسسات والمسارح والمدارس ودور الثقافة والفنون، ويمضي أهلها شطر نهارهم فيها للعمل والتجارة والالتقاء والتشاور والتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم وتصوراتهم لذاتهم ومجتمعاتهم، ويمضون أمسياتهم في الترفيه والنشاط الاجتماعي والثقافي،... وفي ذلك ينشئون الموارد والأعمال ويدبرون الإنفاق والتضامن والتكافل الاجتماعي من مواردهم المحيطة بقلب المدينة والممتدة حولها، ويكونون قادرين دائما على تنظيم وتدبير شؤونهم وأولوياتهم واحتياجاتهم الأساسية بلا موارد إضافية أو خارجية أو بقدر معقول ومقدور عليه من الموارد الممكن اجتذابها، وبلا تدخل حكومي أو سياسي إلا بالقدر الذي تحتاج إليه المشاركة وتوزيع الأدوار والمسؤوليات.
تراودني اليوم مشاعر وأفكار غريبة ومحزنة في ملاحظة قصص ومسار المدن والأعمال والأسواق والمؤسسات والإدارات العامة في بلادنا وتاريخها الحديث، .. كأننا نعمل ضد أنفسنا، وكأننا نسخر مواردنا وجهودنا وأفكارنا للخراب!!